تطور الأحداث في المواجهة العسكرية الأمريكية الإيرانية، وتوسع دائرة المفاوضات عبر الوسيط الباكستاني وبدعم من القيادة الصينية وبتوافق خليجي عربي وإقليمي، يمنح الاتجاهات الدولية ابعادًا تتجه نحو إيجاد المفاعيل الميدانية التي تؤدي إلى الانتهاء من اعداد مذكرة تفاهم تؤدي طريقًا لحوار دائم وتفاوض مستمر وفق معايير وأهداف لقواسم مشتركة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران.
ويعمل الوسطاء الدوليين والإقليمين على الاستمرار بعملية الضغوط السياسية نحو إيران لاستخدام المرونة كاساس في الحصول على غاياتها وتحقيق أهدافها، فيما تتجه المحاولات الأخرى نحو إقناع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باعتماد التخفيف والابتعاد عن سياسة العقوبات المتوالية ورسم ملامح للثقة المتبادلة مع طهران.
إيران تسعى إلى تعزيز سيادتها وحمايتها لمضيق هرمز واعتبارها ورقة سياسية تواجه بها أي مفاوضات قادمة وحماية بوجودها واستمرار قوتها الداخلية تجاه شعوبها وقدرة قيادات الحرس الثوري على المواجهة والثبات في الميدان، مع الأخذ بنظر الاعتبار الشروط الأمريكية التي تدعم زخم الضغط الذي يمارسه الرئيس ترامب بخصوص تفكيك البرنامج النووي الإيراني ومنع أي نشاطات نووية وحرمان طهران من امتلاك سلاح نووي في المستقبل.
تتجه جميع الجهود لصياغة اتفاق شامل يقيد خطر الصواريخ الباليستية الإيرانية والطائرات المسيرة والتوسع الإقليمي السياسي الإيراني ويسمح لتخفيف العقوبات الاقتصادية الأمريكية والبدل بإطلاق مدفوعات مالية من الأموال الإيرانية المجمدة مع السماح بمرور الناقلات والسفن البحرية وإعادة الحيوية للنشاط التجاري الدولي وسوق الطاقة العالمية برفع الحصار البحري الأمريكي عن الموانئ والسواحل الإيرانية ومضيق هرمز.
تستخدم الولايات المتحدة الأمريكية سياسة الاحتواء وإدارة الخطر بمواصلة الضغوط العسكرية واحتواء التصعيد لحماية المسار الدبلوماسي، وهي السياسة التي عبر عنها وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو باستعداد إدارته لحل سياسي عبر محادثات تجري في العاصمة القطرية ( الدوحة) لصياغة وثيقة إنهاء الحرب مع اتصالات دولية روسية أمريكية.
وهذا ما تضمنته زيارة الوفد الإيراني المفاوض برئاسة ( محمد باقر قاليباف) برفقة وزير الخارجية عباس عراقجي ورئيس البنك المركزي للدوحة في 25 آيار 2026 لبحث فرص الاتفاق وتقييم مدى جدية واشنطن في تقديم مقترحات جديدة، بعد تمسكها بضرورة تحقيق اتفاق ملزم ووقف مؤقت لإطلاق النار في محاولة لاختبار النوايا الإيرانية، بعد عدة عمليات طالت بعض من اقطار دول مجلس التعاون الخليجي العربي وتحركات إيرانية باستخدام زورقها الصغيرة المائية وراداراتها ومنصات صواريخها في أماكن قريبة من السواحل البحرية في منطقة بندر عباس، في حين تتمسك إيران بمذكرة تفاهم إطارية وانهاء تام للحرب، ورغم التباعد في الفهم المشترك لإيقاف القتال إلا أن الطرفان اتفقنا على تمديد التهدئة إلى (60) يومًا، وهي فرصة لإعادة إيران للتفكير الجاد بكيفية التعامل مع تفكيك برنامجها النووي وإيقاف نشاطاتها العسكرية واحتمالات استئناف المسار العسكري الأمريكي في حالة استمرار إيران إطالة الوقت وعدم العودة للمرونة السياسية في التعامل مع الشروط الأمريكية.
يبحث النظام الإيراني عن ضمان دولي بعدم العودة للضربات الجوية والصاروخية الأمريكية الإسرائيلية مع استمرار الحوار السياسي والتفاوض الدبلوماسي، وضمان بقاء نظامه السياسي وعدم التعرض للأراضي الإيرانية، ويرى أن الربط الميداني في ملف اليورانيوم المخصب بنسبة 60٪ وكمية المخزون منه المقدرة ب(400) كغم هي الأساس المعتمد في أي حوار مشترك مع الولايات المتحدة الأمريكية وابعاد ملفي الصواريخ الباليستية والمليشيات المسلحة عن المناقشة، مع الإبقاء على ورقة مضيق هرمز للمناورة في إنهاء القتال ورفع العقوبات الاقتصادية عنها، في حين يصر الرئيس الأميركي ترامب على اتخاذ خطوات ملموسة محددة لتقليص مخزون اليورانيوم المخصب سواء بنقله لدولة أخرى أو تفجيره في مكانه بتعاون إيراني وبوجود الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مع ضرورة ضمان حرية الملاحة الكاملة في مضيق هرمز، في وقت لم يتم الاتفاق على صيغة عملية لإطلاق الأموال المجمدة الإيرانية.
أولوية الأهداف الأمريكية إخراج اليورانيوم المخصب الذي من الممكن أن يؤدي لإنتاج قنبلة نووية، ومنع إيران من امتلاك سلاح نووي والتأكيد على هدنة مؤقتة للقتال بدل من وقف كامل للحرب وفتح مضيق هرمز مقابل إطلاق (12) مليار دولار من ارصدة المال المجمد امريكيًا، ولكنها لا تزال بنود حاضرة للنقاش مع رفض إيراني مستمر العديد منها وترى في الموافقة عليها تنازل إيراني وتراجع في خط المواجهة بينها وبين واشنطن، فهي ترى أن وجودها واستمرار نظامها السياسي من اولويات أي حوارات ومفاوضات مع الجانب الأميركي ولا ترى فيها ملفات تعنى بالاسلحة النووية والصواريخ الباليستية وتوجهها الإقليمي السياسي فقط، وهي تدرك أن توجه الرئيس الأميركي دونالد ترمب نحو إيران جديدة باهدافها وطبيعة نظامها وفكرها السياسي، وهو السبب الرئيسي في ممانعتها وتشددها في مناقشة أو قبول الشروط الأمريكية وابتعادها عن صفقة شاملة لأنها تخشى من الصفقات الدولية والاتفاقيات لعدم إمكانية الوثوق بها، كما أنه يقيد حركتها في تنفيذ توجهاتها الإقليمية نحو تحقيق فكرة الدولة العابرة للحدود التي تروج لها أيديولوجية ثورتها الإسلامية وتخشى تحولها لدولة هامشية تفقد قدرتها وتأثيرها الإقليمي وتقوقعها داخليًا.
تبقى الأحداث قائمة ومتسارعة بين جهد دولي إقليمي ووساطات دول داعمة لأي مبادرات سلمية لوقف المواجهة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، وبين أهداف وتطلعات إيرانية وشروط وغاياته أمريكية لحماية استراتيجيتها ومصالحها ودورها وتأثيراتها الاقتصادية والتجارية العالمية، مع تطور قادم في عمليات الحد من أي تصعيد ميداني يبتعد عن قبول التعامل مع مبادرات سلمية وحوار سياسي وتفاوض دبلوماسي يفضي لاتفاق شامل وإيقاف لجميع العمليات العسكرية.
وحدة الدراسات الإيرانية
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجة
