اقتصاد الممرات: كيف تتحول الجغرافيا في الشرق الأوسط إلى آلة نفوذ مالي؟

اقتصاد الممرات: كيف تتحول الجغرافيا في الشرق الأوسط إلى آلة نفوذ مالي؟

عامر العمران

لم يعد فهم الاقتصاد في الشرق الأوسط ممكنًا من زاوية الإنتاج وحده. المعادلة تغيّرت بهدوء لكن بعمق: من يملك الموارد ليس بالضرورة من يملك النفوذ، بل من يسيطر على مسارات عبورها. هنا تتقدم الممرات البحرية والبرية من كونها بنية تحتية إلى كونها أدوات قوة تعيد تشكيل توازنات المنطقة والعالم.
المضائق الحيوية مثل هرمز وباب المندب، وقنوات العبور الكبرى مثل قناة السويس، لم تعد مجرد نقاط على خريطة التجارة. هي اليوم نقاط تسعير سياسية بامتياز. أي تهديد، حتى لو كان محدودًا أو احتماليًا، ينعكس مباشرة على أسواق الطاقة، تكاليف الشحن، وسلاسل الإمداد العالمية. الأهم من ذلك أن الأسواق لم تعد تتفاعل مع الحدث بعد وقوعه فقط، بل مع احتمال وقوعه. وهذا ما يمكن وصفه عمليًا “بتسعير المخاطر الجيوسياسي”.
كما أن اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر دفعت العديد من شركات الشحن إلى تغيير مساراتها، ما رفع التكاليف وأعاد رسم خريطة الإمداد خلال أسابيع فقط.
هذا التحول خلق طبقة جديدة من الاقتصاد لا تعتمد على الإنتاج أو الاستهلاك، بل على التوقع. بمعنى آخر: القيمة الاقتصادية أصبحت مرتبطة بدرجة الأمان الجغرافي وليس فقط بحجم الموارد.
في المقابل، بدأت دول المنطقة بإعادة التفكير في هشاشة هذا النظام. الاعتماد على ممر واحد لم يعد خيارًا استراتيجيًا. لذلك تتسارع مشاريع الربط البديل: خطوط أنابيب تتجاوز نقاط الاختناق، موانئ تُبنى على مسارات أقل توترًا، وشبكات نقل بري تربط الخليج بالبحر المتوسط بعيدًا عن الممرات التقليدية. هذه ليست مشاريع لوجستية فقط، بل محاولات لإعادة توزيع النفوذ الجغرافي نفسه.
هنا تتغير وظيفة الدولة بشكل جذري. لم تعد الدولة مجرد منتج أو وسيط اقتصادي، بل أصبحت “عقدة عبور”. الدولة التي تنجح في إدخال نفسها في أكثر من شبكة نقل وإمداد تتحول إلى نقطة لا يمكن تجاوزها بسهولة. وهذا يمنحها نفوذًا يتجاوز حجم اقتصادها الفعلي، لأن تعطّلها يعني تعطّل جزء من النظام العالمي، كما هو الحال في دول أصبحت تمر عبرها خطوط التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا، ما منحها وزنًا سياسيًا يتجاوز حجم اقتصادها المحلي.
لكن هذه المعادلة لا توزع الفرص بالتساوي. هناك دول تدخل في قلب شبكات التدفق الجديدة، وأخرى تبقى على الهامش. وهنا يظهر شكل جديد من الإقصاء يمكن تسميته بـ “الإقصاء الجغرافي الاقتصادي”، حيث لا تكون المشكلة في ضعف الموارد، بل في غياب الموقع داخل خرائط العبور العالمية. بعض الدول غير المرتبطة بممرات بحرية أو شبكات لوجستية متكاملة تجد نفسها خارج مسارات التجارة الكبرى، حتى مع امتلاكها موارد داخلية.
هذا التحول غيّر أيضًا منطق الاستثمار العالمي. رأس المال لم يعد يبحث فقط عن الأسواق أو الموارد، بل عن النقاط التي تمر منها السلع والطاقة. لذلك ارتفعت أهمية الموانئ، المناطق اللوجستية، ومراكز التخزين وإعادة التوزيع. هذه الأصول لم تعد خدمات مساندة للاقتصاد، بل أصبحت قلبه التشغيلي الصامت.
المفارقة أن الأزمات التي تضرب هذه الممرات لا تؤدي فقط إلى خسائر آنية، بل تدفع النظام العالمي إلى إعادة هندسة طرقه. كل اضطراب كبير يعيد فتح سؤال: كيف يمكن تقليل الاعتماد على هذا المسار أو ذاك؟ وهكذا تتحول الأزمات إلى محركات لإعادة توزيع الجغرافيا الاقتصادية، حتى لو لم تكن النتيجة فورية.
في المحصلة، ما يجري في الشرق الأوسط ليس صراعًا تقليديًا على الموارد، بل إعادة تعريف لمفهوم القوة نفسه. القوة لم تعد تقاس بما تملكه الدول، بل بما يمكنها أن تعطل مروره أو تضمن استمراره. من يملك القدرة على الربط يصبح أكثر تأثيرًا ممن يملك أدوات الإنتاج نفسها.
اقتصاد الممرات ليس مرحلة عابرة، بل هو الشكل الأكثر هدوءًا وعمقًا للصراع الاقتصادي في المنطقة. صراع لا يُدار فقط في البحر والموانئ، بل في خرائط تُرسم بعيدًا عن الضوء، وفي قرارات تُتخذ قبل أن تظهر آثارها بسنوات. وفي هذا النظام الجديد، الطريق لم يعد مجرد وسيلة… بل أصبح أصل القوة نفسه.