النفط تحت الضغط الجيوسياسي: هل تنجح الاحتياطيات الاستراتيجية في تهدئة الأسواق؟

النفط تحت الضغط الجيوسياسي: هل تنجح الاحتياطيات الاستراتيجية في تهدئة الأسواق؟

عامر العمران 

في خضم التصعيد المرافق للحرب الامريكية الإسرائيلية على إيران، تدخل أسواق الطاقة العالمية مرحلة إعادة تموضع دقيقة، تتقاطع فيها اعتبارات الأمن مع حسابات الاقتصاد، ما دفع عدداً من الدول ووكالات الطاقة إلى تفعيل أدوات استثنائية، أبرزها السحب من الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية، في محاولة لاحتواء اضطراب الإمدادات وكبح موجة ارتفاع الأسعار.
تحرك وكالة الطاقة الدولية وتنسيق الأسواق
بيانات وكالة الطاقة الدولية تشير إلى أن التدخلات المنسقة بين الدول الأعضاء شملت الإفراج عن مئات الملايين من البراميل من الاحتياطيات الاستراتيجية ومخزونات القطاع الخاص، في واحدة من أوسع عمليات الدعم للسوق منذ سنوات. ويعكس هذا التحرك حجم القلق من اختلال التوازن بين العرض والطلب، خاصة في ظل حساسية السوق لأي صدمة جيوسياسية مفاجئة.
أهمية الممرات الحيوية ومضيق هرمز
تزداد أهمية هذا التدخل بالنظر إلى موقع الشرق الأوسط في معادلة الطاقة العالمية، حيث يمر عبر مضيق هرمز نحو 20% من الإمدادات النفطية العالمية، إضافة إلى جزء مهم من صادرات الغاز الطبيعي المسال. أي اضطراب في هذا الممر الحيوي لا ينعكس فقط على الأسعار الفورية، بل يضيف علاوة مخاطر دائمة تؤثر في العقود الآجلة وتوقعات المستثمرين.
أهداف السحب من الاحتياطيات وحدود فاعليتها
تهدف عمليات السحب من الاحتياطيات إلى تحقيق توازن مزدوج: رفع المعروض الفوري لتخفيف الضغط السعري، وإرسال إشارة طمأنة للأسواق بأن هناك قدرة على التدخل المنسق عند الحاجة. إلا أن هذه الآلية تبقى قصيرة الأمد، ولا تعالج الأسباب الجذرية المرتبطة بالتصعيد الجيوسياسي أو احتمالات تعطل الإنتاج والنقل.
وتُقدّر المخزونات الاستراتيجية لدى الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية بما يتجاوز 1 إلى 1.4 مليار برميل، ما يمنحها هامش تدخل متكرر. لكن هذا الرقم يظل محدودًا عند مقارنته بالاستهلاك العالمي الذي يتجاوز 100 مليون برميل يوميًا، ما يعني أن أي سحب كبير يمكن امتصاصه خلال فترة زمنية قصيرة إذا استمرت الأزمة.
على الصعيد التاريخي، لم تكن اللجوء إلى الاحتياطيات النفطية ممارسة جديدة، بل تكررت في محطات مفصلية. ففي عام 2008، ومع بلوغ أسعار النفط مستويات قياسية قاربت 147 دولارًا للبرميل، تدخلت وكالة الطاقة الدولية عبر ضخ كميات إضافية لتهدئة السوق. وكذلك في عام 2022، تم الإفراج عن أكثر من 240 مليون برميل من الاحتياطيات الاستراتيجية على مراحل، في محاولة لمواجهة اضطرابات الإمدادات الناتجة عن الحرب في أوكرانيا. هذه السوابق تؤكد أن الاحتياطيات تُستخدم كأداة صدمات قصيرة الأمد، تنجح في تخفيف حدة التقلبات مؤقتًا، لكنها لا تغيّر الاتجاه العام للأسعار إذا استمرت العوامل الجيوسياسية الضاغطة.
المعضلة الاقتصادية العالمية
يواجه الاقتصاد العالمي معادلة دقيقة: الحفاظ على استقرار أسعار الطاقة لتجنب موجة تضخم جديدة، مقابل محدودية الأدوات القادرة على تعويض انقطاع طويل في الإمدادات. هذا التوازن الهش يجعل الأسواق شديدة الحساسية لأي تطور أمني أو سياسي في مناطق الإنتاج أو الممرات البحرية.
تُظهر الأزمات النفطية الكبرى أن ارتفاع أسعار الطاقة الناتج عن الصراعات يؤدي إلى تباطؤ النمو العالمي وارتفاع التضخم. ومع تزايد الترابط بين الأسواق وسلاسل الإمداد، أصبحت أي أزمة إقليمية قادرة على إحداث تأثيرات عالمية سريعة وممتدة.
الخاتمة
يمثل اللجوء إلى الاحتياطيات النفطية أداة احتواء مرحلية أكثر من كونه حلًا مستدامًا. ففعاليته مرهونة بمدة الأزمة وحدّة التصعيد، بينما تبقى الأسواق رهينة للتوازن بين الاستقرار الجيوسياسي وتدفقات الإمدادات. وفي هذا السياق، تتأكد حقيقة أن الاقتصاد العالمي بات أكثر ارتباطًا بالقرارات السياسية، وأن القدرة على التحكم بالأسواق لم تعد اقتصادية بحتة، بل باتت مشروطة بتطورات الأمن الدولي.

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجة