اقتصاد المولدات الأهلية.. كارثة اقتصادية وقنبلة بيئية تهدد العراق

اقتصاد المولدات الأهلية.. كارثة اقتصادية وقنبلة بيئية تهدد العراق

عامر العمران 
منذ ظهورها لأول مرة، مطلع تسعينيات القرن الماضي، شكلت المولدات الأهلية حلّ مؤقت لأزمة الكهرباء في العراق، ثم ما لبثت ان تحولت خلال العقدين الماضيين إلى اقتصاد موازٍ يدرّ مليارات الدنانير سنوياً، ويشكّل واحداً من أكثر القطاعات غير الرسمية نفوذاً وتأثيراً في الحياة اليومية للمواطن العراقي. فبينما تنفق الحكومات المتعاقبة عشرات المليارات من الدولارات على قطاع الكهرباء دون الوصول إلى حل جذري، توسّعت “إمبراطورية المولدات” لتصبح جزءاً ثابتاً من المشهد الاقتصادي والاجتماعي، بل وحتى السياسي في بعض المناطق.

ألاف المولدات لسد عجز الكهرباء

على مدار أكثر ثلاثة عقود، تضخم عدد المولدات الأهلية في العراق ليصل الى أكثر من 50 ألف مولدة موزعة بين المدن والأحياء السكنية، فيما يعتمد عليها أكثر من 80% من السكان خلال فترات الانقطاع الكهربائي، خصوصاً في فصل الصيف، حيث ترتفع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية تتجاوز 50 درجة مئوية في بعض المحافظات الجنوبية.

مليارات أُنفقت وفجوة تتسع

ورغم أن العراق يعد ثاني أكبر منتج للنفط في منظمة أوبك بعد السعودية، بإنتاج يتجاوز 4 ملايين برميل يومياً في بعض الفترات، إلا أن أزمة الكهرباء ما تزال واحدة من أكبر الإخفاقات الاقتصادية والخدمية منذ عام 2003. فقد أنفقت الحكومات العراقية، بحسب تقديرات رسمية وتقارير رقابية، أكثر من 80 مليار دولار على قطاع الكهرباء خلال العقدين الماضيين، في حين يؤكد المستشار المالي للحكومي مظهر محمد صالح، إن قطاع الطاقة الكهربائية استنزف بعد عام 2003 أكثر من 120 مليار دولار لكن الإنتاج الفعلي ما يزال أقل من الطلب الحقيقي، الذي يتجاوز في أوقات الذروة الصيفية 40 ألف ميغاواط، بينما يتراوح الإنتاج الفعلي بين 24 و27 ألف ميغاواط فقط، ما يخلق فجوة كهربائية ضخمة تدفع المواطنين للاعتماد على المولدات الأهلية.

اقتصاد الأمبير”.. سوق خارج الرقابة

خلقت هذه الأزمة سوقاً هائلة شبه غير منظمة. ففي بغداد وحدها، يمكن أن تصل أرباح بعض أصحاب المولدات الكبيرة إلى ما بين 10 و20 مليون دينار عراقي شهرياً، بحسب عدد المشتركين وساعات التشغيل وأسعار الأمبير. ويتراوح سعر الاشتراك الشهري للمواطن بين 10 آلاف و25 ألف دينار للأمبير الواحد، فيما تحتاج الأسرة المتوسطة إلى ما بين 4 و6 أمبيرات لتشغيل الأجهزة الأساسية خلال الصيف، ما يعني أن بعض العائلات تنفق أكثر من 150 ألف دينار شهرياً على كهرباء المولدات فقط، إضافة إلى فاتورة الكهرباء الحكومية.

تُقدَّر القيمة السنوية لسوق المولدات الأهلية في العراق بما يتراوح بين 2 و4 مليارات دولار، وفق تقديرات خبراء اقتصاد وطاقة، وهو رقم ضخم يعكس حجم الأموال المتداولة خارج إطار الاقتصاد الرسمي والضرائب المنظمة. كما أن هذه السوق توفّر آلاف فرص العمل، سواء بشكل مباشر عبر تشغيل المولدات وصيانتها، أو بشكل غير مباشر من خلال تجارة الوقود والزيوت والأسلاك وقطع الغيار.

التلوث والضوضاء.. الكلفة البيئية المنسية

لو تأملنا الوجه الآخر لهذا الاقتصاد، سنجده يحمل في طياته كلف اجتماعية وبيئية وصحية كبيرة. فالمولدات تعتمد بشكل رئيسي على وقود الديزل، ما يجعلها مصدراً رئيسياً للتلوث الهواء، ومصدر للضوضاء داخل الأحياء السكنية. وتتفق الدراسات البيئية التي أجريت في العراق، على أن الانبعاثات الناتجة عن المولدات تسهم في ارتفاع معدلات التلوث وأمراض الجهاز التنفسي وقائمة طويلة من المشاكل الصحية نتيجة استنشاق الملوثات والمنبعثات الغازية، خصوصاً بين الأطفال وكبار السن. كما أن أصواتها المرتفعة أصبحت جزءاً يومياً من حياة العراقيين، في مشهد يعكس عمق الأزمة البنيوية في قطاع الطاقة.

شبكة مصالح تستفيد من الأزمة

الأخطر من ذلك أن اقتصاد المولدات خلق ما يشبه “شبكة مصالح” معقدة، إذ يرى مراقبون أن استمرار الأزمة الكهربائية يصبّ في مصلحة أطراف مستفيدة مالياً من بقاء الاعتماد على المولدات. فبعض أصحاب المولدات يمتلكون نفوذاً اجتماعياً واقتصادياً داخل الأحياء، فيما ترتبط عمليات توزيع الوقود والتشغيل أحياناً بعلاقات مع جهات محلية أو متنفذين، ما يجعل هذا القطاع أكثر تعقيداً من مجرد مشروع خدمي بسيط.
كما أن الحكومات المحلية تجد نفسها أمام معادلة صعبة؛ فمن جهة تحاول تنظيم أسعار الأمبير وتحديد ساعات التشغيل، ومن جهة أخرى تدرك أن توقف المولدات قد يؤدي إلى غضب شعبي واسع بسبب عدم قدرة الشبكة الوطنية على تلبية الطلب. ولهذا السبب، غالباً ما تتعامل السلطات مع المولدات باعتبارها “حلاً اضطرارياً دائماً” بدلاً من كونها مرحلة مؤقتة.

الربط الكهربائي.. رهانات المستقبل

في السنوات الأخيرة، حاولت الحكومة العراقية التخفيف من الأزمة عبر مشاريع الربط الكهربائي مع الأردن ودول الخليج، إضافة إلى خطط لاستثمار الغاز المصاحب وتقليل الاعتماد على الاستيراد الخارجي للطاقة. كما أُطلقت مشاريع للطاقة الشمسية وتحسين شبكات النقل والتوزيع، إلا أن النتائج ما تزال محدودة مقارنة بحجم الطلب المتزايد والنمو السكاني السريع.

استنزاف اقتصادي يهدد التنمية

ويحذر خبراء من أن استمرار اقتصاد المولدات بهذا الحجم يمثل استنزافاً اقتصادياً طويل الأمد للمواطن والدولة معاً. فالأموال التي تُدفع شهرياً للمولدات يمكن أن تتحول إلى استثمارات إنتاجية أو خدمات عامة لو جرى حل أزمة الكهرباء جذرياً. كما أن الاعتماد على حلول مؤقتة يعيق تطوير قطاع صناعي حقيقي، لأن استقرار الكهرباء يعد شرطاً أساسياً لأي نهضة اقتصادية.
ختاماً
اليوم.. تتجاوز المولدات الأهلية في العراق وظيفتها كأجهزة لتوليد الكهرباء، بل أصبحت اليوم شاهداً على فشل السياسات الخدمية من جهة، ونمو اقتصاد غير رسمي ضخم من جهة أخرى. وبينما تستمر الحكومات في إطلاق الوعود بحل الأزمة، يستقبل المواطن العراقي فصل الصيف اللاهب، عالقاً بين انقطاع الكهرباء الرسمية وارتفاع كلفة البديل الأهلي، في معادلة اقتصادية تثقل كاهله يومياً وتكشف حجم التحديات التي تواجه واحدة من أغنى دول المنطقة بالنفط وأكثرها معاناة في قطاع الطاقة.