فتح القسطنطينية… تركيا تستدعي التراث العثماني والهوية الإسلامية

فتح القسطنطينية… تركيا تستدعي التراث العثماني والهوية الإسلامية

معمر فيصل خولي 

قبل أيام قليلة، احتفلت تركيا بشكل خاص والعالم الإسلامي بشكل عام بمرور 573 عام ، على فتح القسطنطينية فبعد حصار استمر 53 يوما، تمكن السلطان العثماني محمد الثاني بن مراد الثاني والملقب بمحمد الفاتح من فتح مدينة القسطنطينية في 29أيار/ مايو 1453م، هذا الفتح الذي شكّل نهاية الإمبراطورية البيزنطية التي تجاوزت فترة حكمها العشر قرون بقليل ” 395م/ 1453م”، وشكّل أيضًا، نهاية العصور الوسطى وبداية العصور الحديثة، لتبدأ صفحة جديدة في تاريخ الإنساني.

والجدير بالذكر هنا، ونظرًا للهزيمة النفسية والسياسية والعسكرية التي مثّلها فتح القسطنطينية، فعندما سمعت أوروبا الكاثوليكية والأرذوكسية بخبر موت السلطان السابع للدولة العثمانية محمد الفاتح” رحمه الله”، فرحت أوروبا فرحًا عارما،  وتعبيرًا عن هذه الفرحة أمر بابا الفاتيكان ” سيكستوس الرابع”الكنائس  بدق أجراسها لمدة ثلاثة، إضافة إلى تأديتهم صلاة الشكر.

وبعد الفتح، أصبحت اسطنبول – القسطنطينية سابقًا-  عاصمة الدولة العثمانية، حتى تشرين الأول/ أكتوبر عام 1923م. ومع هذه الأهمية السياسية والتاريخية والدينية لهذا الحدث العظيم إلا أن المصادر التاريخية التركية لم تشر إلى أن مصطفى كمال ” أتاتورك” مؤسس دولة تركيا المعاصرة عام 1923م، كان يحتفل بهذه المناسبة بل كان يتجاهلها تمامًا وكأنها لا تشكل شيئًا يذكر في الذاكرة التاريخية الجماعية للشعب التركي، وربما مرد ذلك يعود إلى أن أتاتورك استند في حكمه إلى جمهورية تركيا الناشئة – آنذاك” إلى ستة مبادىء، منها: مبدأ العلمانية التي كانت من حيث الممارسة علمانية اقصائية للشأن الديني في الفضاء العام، ولعل عدم احتفاله أيضًا بفتح القسطنطينية قد يعود إلى رغبته في طي صفحة الدولة العثمانية وعدم استدعاؤها في المناسبات الدينية والتاريخية، علمًا أن أتاتورك حينما فارق الحياة، فارقها في إحدى القصور التي بناها العثمانيون على ساحل البوسفور ما بين عامي ” 1843م / 1853م” وهو قصر ” دولمة بهجة” الذي كان يسمى ” قصر السلاطين”.

وبعد أتاتورك، وحتى مجيء حزب العدالة والتنمية إلى الحكم بتركيا في تشرين الثاني/ نوفمبر عام 2002م، لم تكن الاحتفلات بفتح القسطنطينية، برعاية السلطات الدستورية في الدولة التركية بل كانت تنظم من قبل بعض الجماعات الإسلامية والأحزاب المحافظة كالأحزاب التي أسسها نجم الدين أربكان في سبعينيات وثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي.

ومع حزب العدالة والتنمية، ازدادت مظاهر الاحتفال بذكرى فتح القسطنطينية وإحياء تاريخ الدولة العثمانية التي وصلت في أيام مجدها إلى أبواب فيينا غربا وخليج عدن شرقا. فالقوة الاقتصادية والعسكرية والديبلوماسية التي حققتها تركيا على مدار أكثر من عقدين، لم يجعل الحزب يغفل أو يتجاهل ما ورثته تركيا المعاصرة من ذاكرة تاريخية شكلت لها تراثًا ثقافيًا غنيًا، ومن هذه الذاكرة فتح القسطنطينية فهي من وجهة نظر حزب العدالة والتنمية ليس مجرد حدث تاريخي عابر، بل حدثًا يحمل في مضامينه قوة حضارية وثقافية.

لذلك ليس مستغربًا أن الدولة التركية ونظامها السياسي بشقيه الحكومي وغير الحكومي أن يحتفل بهذه المباسبة التاريخية والدينية في كل عام، والتي تزامنت في هذا العام مع رابع أيام عيد الأضحى المبارك، وأقيم لهذه المناسبة حفل وطني حرص الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على الحضور وغنى خلال الحفل :” الله وأكبر … الأتراك قادمون”، وهذه المشاركة الرمزية ما هي إلا رسالة للداخل والخارج التركي، ففي هذا الحفل استدعت تركيا الذاكرة العثمانية والهوية الإسلامية.

تركيا المعاصرة الرسمية كانت تمتنع عن الاحتفال بفتح القسطنطينية حيث كانت تحكم الدولة والنظام السياسي والمجتمع التركي لعدة عقود من الزمن من قبل المؤسسة العسكرية والتي كانت تطبق علمانية كمال أتاتورك الإقصائية بصرامة ضد المناسبات الدينية، لكن الآن ومع الحكم المدني للدولة التركية ومع حزب العدالة والتنمية ها هي الدولة التركية بشكل عام ومدينة إسطنبول بشكل خاص تزينت بفتح القسطنطينية ” احتفالات وطنية، تتجاور صور السلطان محمد الفاتح مع الأعلام التركية  في محطات المترو، والجسور، والساحات العامة، وتحليق الطائرات، والأناشيد الوطنية، والألعاب النارية، وغيرها من الفعاليات” وكأن الدولة التركية بهذه المناسبة التاريخية أردات أن تقول للداخل والخارج التركي نحن كأمة تركية لدينا من التاريخ والهوية والخصوصية الثقافية والدينية التي شكلت سرديتنا وقوتنا الحضارية ما نعتز به ويميزنا عن غيرنا، ويحدد مسارات سياستنا الخارجية. وهنا اتساءل أيضًا ماذا بقي من علمانية كمال اتاتورك الاقصائية؟!

وحدة الدراسات التركية 

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتبيجة