اياد العناز
صعوبة إتمام مذكرة التفاهم المشتركة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران بدعم من القيادة الصينية ومتابعة ميدانية مستمرة من الوسيط الباكستاني الذي بدأت بوادر مهمته بالاتساع عبر الرسالة التي ارسلها رئيس اركان الجيش الباكستاني ( عاصم منير) إلى المرشد مجتبى خامنئي والتي نقلها للمسؤولين الإيرانيين وزير الداخلية الباكستاني، مما يعني تحولًا سياسيًا وتقدمًا واضحاً في النقاط الرئيسية التي تتطلب موافقة مباشرة من مجتبى لأهمية اعداد المذكرة والانتهاء من بنودها الأساسية.
تحتاج عملية إتمام الحوار الدبلوماسي والتفاوض السياسي إلى مرونة وتعامل هادئ في مواجهة تحديات سوقية لأي اتفاق أمريكي إيراني محتمل يوازن بين لغة الانتصار وصعوبة التنازلات، وأي اتفاق يجب أن يحظى بموافقة جادة من الطرفين وأن يكون مقنعًا لأطراف داخلية، وهنا تبرز أهمية التعامل مع البرنامج النووي الإيراني الذي يعتبره الكثير من رؤوساء الأحزاب والتيارات السياسية الإيرانية أنه يمثل لهم حق سيادي وثروة وطنية لا يمكن المجازفة بها أو التنازل عنها وليس ورقة أو ملف رئيسي للقوة يستخدمها المفاوض الإيراني، كما وأن هناك ضغط سياسي كبير على إدارة الرئيس ترامب في الداخل الأمريكي يمانع رفع العقوبات الاقتصادية وإطلاق الأموال المجمدة الإيرانية دون مقابل وتنازل من طهران، ولهذا يمكن النظر لأي مذكرة تفاهم أنها تواجه موقفين مختلفين وتناقض بينهما يضعف عملية التوجه نحو إتمام الصفقة الدبلوماسية.
ولاعطاء أهمية أمريكية للحوار الجاد والاقناع التوجهات السياسية في المؤسسات الأمريكية الحاكمة فقد تم تشكيل فريق نووي للمشاركة في اي مفاوضات قادمة مع إيران، وأن كلًا من المبعوثين الأمريكيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر توجها إلى المختبر الوطني في أوك ريدج بولاية تينيسي لإجراء مشاورات مع فريق من الخبراء التقنيين الذين يمكن أن يضطلعوا بدور في المفاوضات النووية مع إيران.
إطالة أمد المفاوضات أدت في تغيير لقواعد الاشتباك بين واشنطن وطهران، فيها تم تحولت إيران من مبدأ ( الصبر الاستراتيجي) إلى ( التناسب الاستراتيجي) الذي يمثل حالة توازن الردع الإيرانية على مبدأ الرد بالمثل كمًا وكيفًا وإلغاء سياسة (الصبر الاستراتيجي)، وغاياتها فرض قواعد اشتباك جديدة تضمن حماية أمنها القومي، وتحولت العقيدة العسكرية الإيرانية، ولا سيما في إطار ما يُعرف بـ (الاستراتيجية الكبرى الجديدة) ، من استيعاب الضربات وتأجيل الرد، إلى الرد المباشر وفوري لتغيير حسابات التكلفة لدى الخصوم.باستخدام ترسانتها الصاروخية الباليستية وبرامج الطائرات المسيرة لتحقيق تكافؤ استراتيجي في القدرات النارية، واستحكام سيطرتها على المواقع الاستراتيجية لمسارات الطاقة العالمية ( مضيق هرمز) وتحقيق الردع عبر التهديد بإغلاق هذه الممرات في حال تعرض مصالحها الحيوية للخطر،وهذا ما حاولت العمل عليه في الضربات الصاروخية التي استهدفت العمق الإسرائيلي في 7 حزيران 2026.
تحاول واشنطن وطهران الضغط الميداني عبر عملية التهويل الاعلامي التشدد في والتصريحات الرسمية والبيانات السياسية لاستمرار عملية الحرب البديلة بوسائل أخرى في فصل من فصول مواجهة اعداد مذكرة التفاهم للحصول على مكاسب عديدة.
وهنا عبر الماكينة الاعلامية التي تنقل دائمًا ما يتحدث به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من أنه تمكن من هزيمة إيران التي لم يعد لها سلاح بحري وجوي ولا أجهزة دفاع ولا جيش، يقابله كلام رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف الذي يردد ما جاء في رسالة المرشد الأعلى مجتبى خامنئي من أن أمريكا تلقت هزيمة مخزية، وأننا نتنزع التنازلات لا عبر الحوار بل بالصواريخ وأن الفائز في أي اتفاق هو من يكون أكثر استعدادًا للحرب.
ايران تمكنت من فهم الرؤية الأمريكية وتعاملت معها عبر المواجهة العسكرية التي امتدت ل(39) يومًا بعدم التخلي عن ثلاثة أسلحة أساسية، هي سيطرتها على مضيق هرمز الذي بدأ لها وكأنه القنبلة الذرية الأخرى التي اكتشفت مؤخرًا واعتبرته الضامن الحقيقي لأي اتفاق مع واشنطن، والثاني عدم تفكيك البرنامج النووي والتخلي عن تخصيب اليورانيوم في إيران، حتى في حالة إعلانها عن عدم رغبتها في امتلاك قنبلة نووية، والثالث هو تمسكها ودعمها للأذرع والمليشيات المسلحة في لبنان واليمن والعراق والتي تشكل لها حالة من الدفاع المتقدم واداتها القوية في تنفيذ مشروعها السياسي الإقليمي في الشرق الأوسط والوطن العربي.
التوجهات الأمريكية الإسرائيلية، تسعى لجعل مضيق هرمز ممرًا حيويًا رئيسيًا للملاحة الدولية والتجارة العالمية ومرور سفن الطاقة من النفط والغاز والمواد الأساسية، بلا سيطرة إيرانية ولا رسوم مالية تدفع لها، وإنهاء جميع الأنشطة النووية وإيقاف عمليات التخصيب لليورانيوم وقطع أي علاقة ودعم للمليشيات الأذرع المسلحة.
تتابع إدارة الرئيس ترامب الأوضاع الداخلية والخلافات الصراعات السياسية للأجنحة النظام الإيراني والمراهنة عليها في إضعاف سطوة الحرس الثوري وادواته وتشكيلاته بعد حديث الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في 31 آيار 2026 الذي أكد فيه على ( أن إدارة البلاد يجب ألا تقتصر على دائرة ضيقة من صانعي القرار، وأن أي قرار استراتيجي أو دبلوماسي يتخذ يجب أن يوافق عليه المجلس الأعلى للأمن القومي وأن يحظى بدعم جميع مؤسسات الدولة، ليصبح قراراً موحداً يعبر عن توافق وطني، منتقدًا بشدة حصر عملية صنع القرار في دوائر سياسية أو أمنية محدودة، ودعا إلى إشراك النخب والأكاديميين وتوسيع دائرة المشاركة لتشمل مؤسسات الدولة المختلفة، وأتى حديث مسعود بزشكيان في ظل نقاشات مستمرة داخل الساحة السياسية الإيرانية حول طبيعة توزيع الصلاحيات، ومحاولات حكومته لضمان ألا تتفرد جهة عسكرية أو أمنية بعينها بالقرارات المصيرية المتعلقة بالاقتصاد والحرب والسياسة.
في حين يؤكد مجتبى خامنئي برسالته للشعوب الإيرانية بمناسبة الذكرى (37) لوفاة الخميني وعيد الغدير وتولي والده قيادة البلاد، على قوة جديدة للنظام والعمل لقيام نظام إقليمي عالمي يكون لإيران دورها الريادي في ( وحدة الأمة الإسلامية) وتحقيق مصالحها وتفعيل أدوات مصادرها على حساب الهبمنة والقوة الأمريكية،وأن الشعب الإيراني في حالة انبعاث جديد ويقف موحدًا وداعمًا لمحور المقاومة، والرسالة ليست إعلان مواقف ثابتة بل هي استراتيجية تهدف إلى إعادة ضبط معادلة الردع وإدارة التصعيد من دون الذهاب لحرب شاملة،واعادة الثقة للايرانيين بعد المعاناة والمكابدة التي ارهقت كاهلهم الاجتماعي والاقتصادي واستمرار التظاهرات والاحتجاجات الشعبية التي سبقت اندلاع المواجهة العسكرية الأخيرة نهاية شباط 2026، بالتأكيد على حالة الصمود والصبر، مع الإشارة إلى أن إيران لاتزال تمتلك القدرة على حماية وكلائها وشبكاتها المسلحة.
أن السياسة الإيرانية ماضية نحو مبدئين رئيسين هما تحقيق ( الردع المرن) الذي لا يسعى لحرب مباشرة وإنما يوسع نطاق الرد الحاسم ليشمل مساحات تمتد من عواصم ومدن مجلس التعاون الخليجي العربي حتى الجنوب اللبناني، والتمدد حيث العمق الإسرائيلي والأهداف العسكرية الأمريكية في المنطقة، وهي تمثل تحول في العقيدة العسكرية الإيرانية من رد أفعال محددة إلى جبهات عديدة والتوجه نحو إعادة التوازن بتفعيل ( وحدة الساحات) مع اعتماد مبدأ التهديد الفاعل والدبلوماسية الصعبة في محاولة للحصول على تنازلات من الولايات المتحدة الأمريكية من دون اللجوء لمسار عسكري َوحرب مستمرة.
وحدة الدراسات الإيرانية
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتجية
