وقع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على مذكرة التفاهم المشتركة مع ايران بتاريخ 17 حزيران 2026 في قصر فرساي بالعاصمة الفرنسية (باريس) أثناء دعوته لمأدبة العشاء الكبرى من قبل الرئيس الفرنسي (إيمانويل ماكرون) بالتزامن مع توقيع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان عليها، والتي عرفت بمذكرة إسلام أباد بعد جهد دبلوماسي وزيارات وحوارات اجراها رئيس الوزراء الباكستاني (شهباز شريف) وعدد من قياداته الرئيسية وعلى رأسهم رئيس أركان الجيش الجنرال (عاصم منير) حظيت بدعم ومساندة إقليمية عربية مباشرة.
أن إنهاء مراحل المواجهة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، ستكون بداية لمسار سياسي دبلوماسي يعتمد التفاوض الميداني أساسًا في استعادة الثقة بين واشنطن وطهران ويؤسس لإنهاء عداء امتد لخمس عقود من الزمن منذ عام 1979 والذي رفعت فيه القيادة الإيرانية الجديدة شعار( الموت لامريكا وحلفائها) واعتمدت خطابًا سياسيًا فكريًا قائمًا على مبدأ القضاء على إسرائيل ومحاربة السياسة الأمريكية وتوجهاتها في العالم.
تحظى بنود المذكرة بارتياح إيراني ونبرة للنصر الميداني، لأنها حققت اعتراف أمريكي بشرعية نظامها ودورها الإقليمي وهو من الأهداف الرئيسية والغايات الكبيرة التي سعت للحصول عليه دون أي مواجهة عسكرية، ولكنها تمكنت من تحقيقه ولكن بخسائر قاسية وتضحيات جسام وغياب لقياداتها السياسية والعسكرية والأمنية، بدأت بمقتل المرشد الأعلى علي خامنئي والحقت أضرار واسعة في مؤسساتها الاقتصادية وقدراتها العسكرية ونشاطاتها النووية وأنه من الصعوبة تعويضها والعودة لقدراتها وإمكانياتها الميدانية بوقت قريب.
تحدثت مذكرة التفاهم عن الساحة اللبنانية وضرورة إيقاف العمليات العسكرية من قبل القوات الإسرائيلية تجاه مقاتلي حزب الله اللبناني، مع غياب تام في الإشارة للقضية الفلسطينية التي طالما تمسكت بها إيران ونادت بها ودافعت عنها، ولكنها رأت أن التمسك بمكاسبها ومنافعها وعودة اموالها المجمدة واستعادة دورها السياسي أهم لها من أي مسار تفاوضي دولي يدعم الحقوق الفلسطينية كما كانت تدعي وتفعل وأعادت للذاكرة السياسية الموقف الذي تبناه الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي في اجتماعات منظمة الأمم المتحدة بدعم الخيار السياسي الذي يعتمده الفلسطينيون لحل قضيتهم، وأن على إيران أن لا تدفع أثمانًا سياسية باهضة نتيجة تمسكها بحقوق الشعب الفلسطيني، وهو الموقف الذي بدأت تنادي به معظم التيارات السياسية الإيرانية والتعبير عنه بكل وضوح بضرورة العمل من أجل المصالح والأهداف الإيرانية بعيدًا عن الخطاب الثوري والذي يؤدي إلى تعاظم أزمات البلاد اقتصاديًا واجتماعيًا.
البند الأهم في المذكرة المشتركة هو عدم تدخل الولايات المتحدة الأمريكية في الشؤون الداخلية الإيرانية، وهو ما إراده المفاوض الإيراني لأنه يمنحه ضمانات بعدم قيام إدارة الرئيس ترامب بدعم أي حركة وحزب سياسي إيراني يسعى لاسقاط النظام الإيراني أو القيام بتظاهرات واحتجاجات شعبية وانتفاصة جماهيرية، وجاءت المطالبة الإيرانية بضوء تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بدعم وتشجيع المتظاهرين الإيرانيين أثناء اندلاع انتفاضتهم مع الأشهر الأولى من عام 2026 وقبل أسابيع عديدة من بداية المواجهة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية في 28 شباط 2026، والتي كانت تتمثل في التوجه الأمريكي لتسليح وتدريب السكان الإيرانيين وتوجيههم نحو استهداف المؤسسات والمراكز المهمة للنظام، ولكن الفعاليات توقفت بعد معلومات عن استلام أحزاب كردية إيرانية بأسلحة أمريكية ولكنها رفضت تسليمها للاهالي في المدن والقصبات الإيرانية، على الرغم من الضربات الجوية والبحرية الأمريكية والإسرائيلية التي استهدفت تدمير البنى التحتية للبحرية الإيرانية ومعظم القدرات الصاروخية الباليستية وسلاح الطيران الإيراني والتي جرت تزامنًا وتشجيعًا لأي انتفاضة شعبية محتملة ضد عناصر الباسيج والحرس الثوري كونها القوات المواجهة لأي تحركات وأفعال ميدانية لأبناء الشعوب الإيرانية.
اتبعت واشنطن مسارًا تصحيحيًا حول مذكرة التفاهم قبل توقيعها ومواجهة المعلومات المضللة التي بدأت وسائل الإعلام بنشرها والكتابة عنها،عبر تأكيدها على الألتزام الإيراني بالفتح الفوري لمضيق هرمز والتخلص من اليورانيوم المخصب بنسبة 60٪ وتسليمه لجهة دولية مقابل منافع اقتصادية مشروطة بمهلة تفاوضية تمتد لشهرين، وهو المسار والاسلوب الذي اتبعته إيران أيضًا في مواجهة التظاهرات الواسعة التي انطلقت في عدد من المدن الإيرانية تأثير من تيار سياسي محافظ ضد إتمام التوقيع على مذكرة التفاهم والمطالبة باستقالة رئيس مجلس الشورى وكبير المفاوضين ( محمد باقر قاليباف) ووزير الخارجية عباس عراقجي، عندما أطلق قاليباف تصريحه أن ما تحقق من شروط ومبادئ في مذكرة التفاهم لم يكن بمقدار إيران الحصول عليه عبر استمرار الحرب واعتبره نصرًا سياسيًا إيرانيًا، وأن أي تقدم ونجاح في المرحلة الأولى من المفاوضات عبر الالتزام بالتعهدات والنصوص الواردة في المذكرة، يعني هذا انطلاقة جادة للتقارب المنفعي بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، يتم خلاله إطلاق الأموال المجمدة الإيرانية وترتيب الملاحة البحرية في مضيق هرمز ووقف القتال على الأراضي اللبنانية.
وجاء تأكيد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على أن ( مذكرة التفاهم مع واشنطن خطوة مهمة تعكس تعامل إيران بواقعية مع المسار التفاوضي)، وهذا ما يعني توجه إيراني متفق عليه وبدعم من المرشد الأعلى مجتبى خامنئي ببدأ العمل وفق سياقات التفاوض والحوار الدبلوماسي تمتد ل(60) يومًا لصياغة خارطة طريق نهائية تشمل الملف النووي وتخصيب اليورانيوم ورفع العقوبات، مع بداية لرفع فعلي للحصار البحري الأمريكي وعبور الناقلات بموازاة فتح مضيق هرمز رسميًا والالتزام ببنوذ التهدئة وانهاء الحرب في الجنوب اللبناني.
تمكن الرئيس الأمريكي ترامب والذي حمل هدايا عديدة إلى مجموعة الدول السبع تمثلت بوقف القتال في منطقة استراتيجية مهمة للمصالح الدولية وفتح مضيق هرمز وإطلاق العنان لمرور السفن والناقلات البحرية وإيقاف الحصار البحري الأمريكي، وحصل بموجبها على توفير غطاء ودعم دولي لمذكرة التفاهم التي وقعت إلكترونياً بين واشنطن وطهران عبر البيان الذي اصدرته قمة الدول السبعة والتي وصفت التوقيع على مذكرة التفاهم بالفرصة التاريخية لمنع طهران من امتلاك سلاح نووي وضمان الملاحة الآمنة في مضيق هرمز وتأمين الحماية الدفاعية لمضيق هرمز عبر مبادرة أوربية مشتركة.
وحدة الدراسات الإيرانية
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتجية
