الباحثة شذا خليل*
أعاد التصعيد العسكري الأخير بين الولايات المتحدة وإيران مضيق هرمز إلى صدارة المشهد الدولي، بعد ورود تقارير عن تعرض سفن تجارية لهجمات، وتبادل الضربات العسكرية، وتوجيه الطرفين اتهامات متبادلة بانتهاك اتفاق السلام المؤقت الذي تم التوصل إليه قبل أسابيع. وتثير هذه التطورات مخاوف متزايدة من أن يتحول أحد أهم الممرات البحرية في العالم إلى بؤرة أزمة اقتصادية عالمية جديدة.
ولا يمثل مضيق هرمز مجرد ممر مائي يفصل بين إيران وسلطنة عُمان، بل يعد الشريان الرئيسي الذي تعبر من خلاله نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز الطبيعي المسال القادمة من دول الخليج إلى الأسواق العالمية. ولذلك، فإن أي اضطراب أمني في هذا الممر ينعكس فوراً على أسواق الطاقة، وأسعار الشحن، والتضخم العالمي، وثقة المستثمرين.
لماذا تخشى الأسواق ما يحدث في هرمز؟
الأسواق المالية لا تنتظر توقف الإمدادات حتى تتفاعل، بل تقوم بتسعير المخاطر المستقبلية قبل وقوعها. فمجرد تعرض ناقلة نفط لهجوم، أو تصاعد التوتر العسكري، يؤدي إلى ارتفاع تكاليف التأمين البحري والشحن، ويزيد من حالة عدم اليقين بشأن استقرار تدفقات الطاقة العالمية.
ورغم أن أسعار النفط لم تشهد حتى الآن قفزة حادة كما توقع البعض، فإن هذا الهدوء النسبي يعكس قناعة الأسواق بأن الملاحة البحرية لا تزال مستمرة، وأن الجهود الدبلوماسية قد تنجح في احتواء الأزمة. إلا أن هذه القناعة قد تتغير بسرعة إذا تكررت الهجمات أو اتسع نطاق المواجهة.
السيناريو الأول: تصعيد محدود واحتواء سياسي (السيناريو الأكثر تفاؤلاً)
يفترض هذا السيناريو استمرار الضربات العسكرية بشكل محدود، مع بقاء حركة الملاحة مستمرة تحت حماية أمنية أكبر، بالتوازي مع عودة الجهود الدبلوماسية.
النتائج الاقتصادية المحتملة:
ارتفاع محدود في أسعار النفط.
زيادة تكاليف التأمين والشحن البحري.
تقلبات مؤقتة في الأسواق المالية.
استمرار البنوك المركزية في مراقبة التضخم دون تغييرات جوهرية في سياساتها.
في هذا السيناريو يستطيع الاقتصاد العالمي امتصاص الصدمة دون الدخول في ركود اقتصادي واسع.
السيناريو الثاني: أزمة بحرية طويلة الأمد
يقوم هذا السيناريو على استمرار استهداف السفن التجارية، ما يدفع شركات النقل إلى تقليل مرورها عبر مضيق هرمز، مع ارتفاع كبير في تكاليف التأمين.
النتائج الاقتصادية المحتملة:
ارتفاع ملحوظ في أسعار النفط.
عودة الضغوط التضخمية عالمياً.
زيادة تكاليف النقل والصناعة والإنتاج.
ارتفاع أسعار السلع والخدمات.
تأجيل خفض أسعار الفائدة في العديد من الدول بسبب استمرار التضخم.
وسيؤدي هذا السيناريو إلى زيادة الضغوط على الاقتصادات المستوردة للطاقة، خصوصاً في أوروبا وآسيا.
السيناريو الثالث: أزمة طاقة عالمية (السيناريو الأسوأ)
يفترض هذا السيناريو توسع المواجهة العسكرية بصورة تؤدي إلى تعطيل كبير أو طويل الأمد لحركة الملاحة في مضيق هرمز.
وقد تكون النتائج الاقتصادية أكثر خطورة، ومنها:
قفزة كبيرة في أسعار النفط العالمية.
اضطراب صادرات الغاز الطبيعي المسال.
ارتفاع أسعار الغذاء نتيجة زيادة تكاليف النقل.
تراجع أسواق الأسهم واتجاه المستثمرين نحو الذهب والأصول الآمنة.
تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي مع استمرار التضخم، وهو ما يعرف اقتصادياً بحالة الركود التضخمي (Stagflation).
ورغم أن هذا السيناريو يبقى احتمالاً وليس واقعاً مؤكداً، فإنه يمثل أحد أكبر المخاطر الجيوسياسية التي تراقبها الأسواق العالمية.
من الرابح ومن الخاسر؟
قد تستفيد بعض الدول المصدرة للطاقة مؤقتاً من ارتفاع أسعار النفط، كما قد تحقق شركات النفط والغاز أرباحاً أعلى على المدى القصير.
لكن على المدى الطويل، لا يوجد رابح حقيقي من استمرار عدم الاستقرار، لأن ارتفاع تكاليف الطاقة ينعكس على الإنتاج والصناعة والنقل وأسعار الغذاء، ويؤدي إلى تراجع الاستثمار وإبطاء النمو الاقتصادي العالمي.
أما الخاسر الأكبر فهو الدول المستوردة للطاقة، إلى جانب المستهلك النهائي الذي سيدفع فاتورة أعلى للوقود والكهرباء والسلع الأساسية.
السؤال الأكبر…
لم يعد السؤال المطروح اليوم هو ما إذا كانت أسعار النفط سترتفع مؤقتاً، بل ما إذا كان مضيق هرمز سيدخل مرحلة جديدة يصبح فيها عامل خطر دائم في معادلة الاقتصاد العالمي.
فإذا استمرت التوترات والهجمات البحرية، فقد تتجه شركات الطاقة والدول الصناعية إلى تسريع الاستثمار في خطوط تصدير بديلة، وتوسيع الاحتياطيات الاستراتيجية، وزيادة الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة، بهدف تقليل الاعتماد على هذا الممر الحيوي.
وفي النهاية، قد لا تكون المعركة الدائرة في مضيق هرمز مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل بداية مرحلة جديدة تعيد رسم خريطة أمن الطاقة العالمي، وتغير مسار الاقتصاد الدولي لسنوات قادمة.
وحدة الدراسات الاقتصادية مكتب شمال امريكا
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية
