اياد العناز
منذ أن أعلن عن هدنة عسكرية مؤقتة في 8 نيسان 2026 تم بموجبها وقف المواجهة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية والانتقال إلى مراحل سياسية واقتصادية تتعلق بكيفية إدارة مهام الوساطة الباكستانية التي كانت إحدى المحطات الرئيسية في التوصل للهدنة العسكرية بعد عدة لقاءات وزيارات إلى واشنطن وطهران وحظيت بحالة من الرضى الإقليمي والعربي، برزت عدة حالات بحثت في مستقبل الأمن الإقليمي والعربي بعد أقدام إيران على غلق مضيق هرمز وفرض الحصار البحري الأميركي على السواحل والموانئ الإيرانية، وتزايدت عملية الاهتمام بعد توقيع مذكرة التفاهم المشتركة مع الولايات المتحدة الأمريكية وإيران.
تصاعدت عمليات الردع المشترك خلال فترة وقف إطلاق النار في منطقة الخليج العربي وتعددت حالات الاشتباك المتبادل بين واشنطن وطهران رغم استمرار المفاوضات بانعقاد الجولات الأولى منها والتي تأثرت بالمتغيرات العسكرية التي شهدها الميدان بعمليات طالت السواحل الإيرانية وبعض الأهداف الحيوية مستهدفة منصات صواريخ وأبراج مراقبة في جزيرة سيريك المطلة على مضيق هرمز، ردًا على استهداف إيران لسفينة نقل بحرية مما أدى إلى حالة من الخلاف بشأن فحوى مذكرة التفاهم الموقعة بين البلدين،
وقالت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) إن الضربات الأميركية التي استهدفت مواقع لتخزين الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية ومواقع رادار ساحلية، جاءت (ردًا على العدوان غير المبرر ضد الشحن التجاري من جانب القوات الإيرانية وانتهاك واضح لوقف إطلاق النار)، وردت إيران باستهداف مواقع عسكرية واقتصادية في دولتي ( الكويت والبحرين).
طرحت تساؤلات عديدة بعد الاشتباكات التي طالت المياه الإقليمية والسواحل والجزر البحرية في مضيق هرمز حول مستقبل الأوضاع الأمنية والعلاقة بين إيران ودول مجلس التعاون الخليجي العربي، وإذا ماتم الاتفاق النهائي بين واشنطن وطهران، كيف سيتم التعامل الميداني والأساليب المتبعة في تحديد أواصر العلاقة مع بلدان مجاورة لإيران متصلة بها جغرافيًا ولها اطلالتها على الخليج العربي، في وقت قد تتمكن فيه الولايات المتحدة الأمريكية من التوصل إلى اتفاق شامل بخصوص البرنامج النووي الإيراني وتحيد الصواريخ البالستية ومدياتها وربما الحصول على كميات اليورانيوم المخصب بنسبة 60٪ والمخزون في منشأت نووية إيرانية.
أظهرت الأحداث الأخيرة والوقائع الميدانية أن إيران لها العزم والتحدي دائمًا على مهاجمة الدول العربية الخليجية وتطالب في مفاوضاتها وحواراتها وضع آليات مشتركة واطار شامل يحدد أمن الخليج العربي وتشترط مغادرة القوات الأمريكية من الإقليم وإلا فإن قواعدها العسكرية ستكون تحت مرمى النيران الإيرانية إذا ما عاودت واشنطن وتل أبيب القتال مرة أخرى، وهنا تنظر عواصم الخليج العربي بحالة من الريبة والشك للمواقف والتوجهات الايرانية العدائية، مما يستلزم اتخاذ الإجراءات الكفيلة في مواجهة صريحة لطرف اتخذ لنفسه سلطة إملاء القرارات ذات البعد السيادي عليها.
أن الدوائر السياسية الخليجية تتابع بدقة واهتمام ما ستسفر عنه المداولات ذات البعد الدبلوماسي والحوار التفاوضي الذي تجري بين الوسيط العربي القطري والإقليمي الباكستاني، وهل ستضم تعهدًا إيرانياً صادقًا بعدم مهاجمة اقطار مجلس التعاون الخليجي العربي؟ ومن الضامن الدولي والإقليمي له؟ وعدم العودة لأساليب وأدوات إيرانية تم التعرض لها وكشفها أثناء ألمواجهة العسكرية الأمريكية الإيرانية الإسرائيلية والتي تم خلالها كشف العديد من شبكات التجسس المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني والعاملة في عديد من عواصم ومدن اقطار الخليج العربي، كان غاياتها وأهدافها استهداف الأمن العربي الخليجي وزرع حالة من الفتن والاضطراب وتزويد الدوائر الأمنية والاستخبارية الإيرانية بمعلومات وافية وكاملة عن المواقع والمنشآت العسكرية والاقتصادية وكل ما يتعلق بالجوانب الاجتماعية والاقتصادية لبلدان الخليج العربي.
تعرضت الأراضي العربية الخليجية إلى هجمات صاروخية وطائرات مسيرة وزوارق بحرية سريعة والغام ومتفجرات زرعت في المياة الإقليمية لمضيق هرمز والخليج العربي حيث المورد الاقتصادي والتجاري الرئيسي للرئة الخليجية وشريان الحياة للتجارة العالمية والطاقة الدولية.
أصبحت الحاجة المشتركة في بناء مؤسسة عسكرية مشتركة ومظلة دفاعية موحدة تجمع جميع اقطار الخليج العربي لحماية أراضيها ومكتسباتها التنموية وتأمين مستقبلها وتكون لها قواعدها العسكرية التي تحتوي على وسائل نقل تكتيكية مثل المروحيات الثقيلة أو الطائرات القادرة على الإقلاع السريع، مع تنفيذ التحميل خلال نافذة زمنية ضيقة لتقليل التعرض لهجوم إيراني مضاد وشبكات دفاع صاروخي وجوي ميداني مشترك في مواجهة أي اعتداءات خارجية ومن أي جهة كانت، فالأمن الخليجي العربي حالة واحدة لا تتجزأ بعد المعاناة والتجربة القاسية التي مرت بها أثناء الضربات الصاروخية والجوية الأمريكية الإسرائيلية داخل الأراضي الإيرانية التي ابتدأت في 28 شباط 2026.
التنمية الاجتماعية المستدامة والمشاريع الاقتصادية الكبرى والاستثمارات المالية هي من ستترك أثرًا بالغًا إذا ما استمرت عمليات الاستهداف والتعرض الإيراني داخل عمق الأراضي العربية الخليجية، مما يؤدي إلى استهلاك للطاقات المادية ويبطئ من عمليات التنمية ويوقف العديد من المشاريع الاستراتيجية باستهداف محطات تحلية المياه مما قد يترك آثارًا كارثية انسانية لمناطق شحيحة بالمياه، ويزيد من تصاعد الكلفة المالية في إدارة الأزمة القائمة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران.
والأخطر في التهديدات الإيرانية انها تستهدف حياة الإنسان العربي الخليجي وأمنه بالعمل على توجيه ضربات صاروخية على منشآت الطاقة وتحلية المياه، والاخطار الجانبية الإشعاعية في حالة تنفيذ ضربات تستهدف البرنامج النووي الإيراني من قبل القوات الامريكية ،إضافة للمخاطر التي فرضتها السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز.
بعد الضربات الجوية الأمريكية في حزيران 2025 على المنشآت النووية في ( نطنز وفوردو وأصفهان) رصدت شبكة الأقمار الصناعية نهاية 2025 انتشارًا لآليات ثقيلة إيرانية في مواقع الاستهداف الأمريكي تعمل على إزالة الركام وإعادة تأهيل أو فتح مسارات مع تغيير دائم لنوعية الآليات والمعدات المستخدمة وانتقالها من مواقع لأخرى، مما يعكس نشاطًا مستمرًا لم تعرف طبيعته، ومن الممكن أن يكون هناك جهدًا عمليًا إيرانياً لفرق تقنية كانت تقوم بعمليات تقييم للأضرار.
تبقى منشأة أصفهان من المنشآت النووية الإيرانية التي تتميز بتعدد مبانيها وتوزع العمليات فيها بشكل غير مركزي، كما أن بعض المنشآت التي تضمها تقع في أنفاق تحت الأرض، يتوقع مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن بعض مخزون اليورانيوم المخصب تم نقله إليها، كون منشأة أصفهان لم تتعرض لهجوم واسع كما حدث لمنشآتي ( فوردو ونطنز) خشية من التسرب الإشعاعي الذي قد يحدث نتيجة الاستخدام المفرط للضربات الجوية،
ومركز أصفهان للتكنولوجيا النووية يشكل احد الركائز الأساسية للبرنامج النووي الإيراني وتجري فيه عمليات تحويل اليورانيوم ضمن دورة الوقود النووي بتحويل الكعكة الصفراء إلى غاز سداسي فلوريد اليورانيوم (UF) اللازم لعمليات التخصيب في منشآت نطنز وفوردو، كما يضم مركز أصفهان إضافة للبنية التحتية لصناعة الوقود النووي، أعمال البحث والتطوير في كيمياء وتقنيات اليورانيوم.
وما يهدد الأمن الإقليمي للمنطقة هو التقرير السري الذي نشرته الوكالة الدولية للطاقة الذرية في 27 شباط 2026، وأشار إلى ( أن خبراء الوكالة يقدرون مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة 60٪ بنحو 449 كغم) وذلك قبل الضربات الأمريكية الإسرائيلية في حزيران 2025،
وتتحدث معلومات مفتشي الوكالة الدولية عن وجود( كميات من مادة كيميائية مشعة) في منطقة تقع بعيدة عن مضيق هرمز تحت الجبال بالقرب من مدينة قم الإيرانية، أنها تمثل مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة 60٪ الموجود في قلب منشأة تخصيب صغيرة لا تزيد مساحتها عن قاعتين تقعان على عمق نحو نصف ميل تحت الجبل، تلك المنشأة التي استهدفتها الولايات المتحدة بالقنابل الثقيلة الخارقة للتحصينات في حزيران 2025.
َمهما تعاظمت الأحداث وتطورت المتغيرات السياسية، فإن دول الخليج العربي هي من ستتولى زمام أمنها دون انتظار لأي مخاضات أمريكية إيرانية أو تعامل مستقبلي لواشنطن مع أي تهديدات إيرانية محتملة مستقبلًا، لكي تمنع أي حالة تعايش أو تعامل مع استهداف إيراني لمطارات مدنية ومنشأت مدنية وفنادق وشركات تجارية أهلية، تكون عرضة للقصف الإيراني باستخدام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة ومنع أي حالات قد تؤدي إلى عواقب وخيمة، وجعل دول الخليج العربي تمتلك قرارها السيادي في الحفاظ على ارضيها وشعبها.
اتخذت الأقطار العربية الخليجية قرارات حاسمة بتعزيز منظومة رصد الطائرات المسيرة واعتراضها عبر التعاون والتنسيق المباشر مع الرئيس الأوكراني ( زيلنسكي)، بتوفير جميع الامكانيات التي تجهض فاعلية الطائرات المسيرة الإيرانية، والتي استطاعت أوكرانيا خلال حربها مع روسيا من الاستفادة من صفقات السلاح في تطوير صناعة الطائرات المسيرة وبناء وحدات متخصصة في إطلاقها وتنسيق هجماتها واستخدامها ضد المسيرات الإيرانية التي تم تزويد الجيش الروسي بها، ثم الطائرات المسيرة التي طورتها المؤسسة العسكرية الروسية.
تكتسب القدرات الدفاعية والعسكرية الخليجية أهميتها في فرض الضمانات الميدانية وتحقيق الأمن البحري والإقليمي في منطقة الخليج العربي ومضيق هرمز وحماية تجارتها واسطولها البحري والحصول على التقنيات التي تدفع باتجاه تحسين دفاعاتها الجوية ومواجهة الطائرات المسيرة وتمكينها من قراراتها السيادية.
وحدة الدراسات الإيرانية
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتجية
