رسمت المواجهة العسكرية الأمريكية الإيرانية جوانب عديدة أهمها ما يتعلق بالملامح الأمنية ومدى تأثيرها ميدانيًا واقتصاديًا على طبيعة الأوضاع السائدة والوقائع القائمة في منطقة الخليج العربي وانعكاسها نحو الداخل الإيراني ومؤسساته التنفيذية والعسكرية.
تشكلت أثناء المواجهة بيئة أمنية جديدة لم تقم على اساس القوة واستخدام جميع صنوف القتال وأدوات الحرب، بل كان أساسها قيام منظومة متكاملة من الردع متعدد المستويات عبر سيطرة عسكرية أمريكية ميدانية بقوة ناعمة ومرنة قوامها الدفاعات الجوية والصاروخية والقدرات البحرية لحماية الممرات المائية والسواحل البحرية، مع أدوات علمية إيجابية امتدت لتشكيل أمن إقليمي اتخذ من التنسيق العملي والوسائل الفنية أداة مهمة في دعم التكامل الإستخباري بين اقطار مجلس التعاون الخليجي العربي، عبر الربط المبرمج لأجهزة الانذار المبكر والدفاع الجوي لحماية البنية التحتية الحيوية التي تعتمد التنمية المستدامة والمشاريع العملاقة والهيئات والمؤسسات العلمية والقدرات النفطية والغاية أساسًا لحمايتها والحفاظ عليها من الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة الإيرانية.
ثم اعتماد الأسس والاجراءات الفاعلة في حماية مضيق هرمز وباب المندب والعمل على التصدي لعمليات زرع الألغام البحرية وتأمين خطوط إمدادات الطاقة الدولية والتجارة العالمية،باستخدام تقنيات متقدمة علمية تتصف بتفوقها التكنولوجي ومساراتها العملية في تطويع الذكاء الاصطناعي للانذار المبكر تجاه التحركات والتوجهات العسكرية والأمنية الإيرانية، واعطي للأمن السيبراني دوره الميداني في اختراق عديد من الدوائر الاستخبارية والأمنية الإيرانية والمؤسسات العلمية وعمل منظمومات الدفاع الجوي والصاروخي واعتماد الحرب الإلكترونية مسار دقيق في تنويع حالة الردع وتشكيلاته.
اخذت سياسة الدبلوماسية الأمنية دورها الإيجابي في تعزيز القوة الصلبة وتوجيه الحوارات السياسية والمفاوضات الدبلوماسية لتحديد المخاطر الأمنية والعسكرية في حالة التلكؤ في تنفيذ ما اتفق عليه بمذكرة التفاهم المشتركة والعمل بدقة نحو اعتماد مبدأ التفاوض اساس لخفض التصعيد واعداد إجراءات عملية نافذة لاحتواء الأزمات ومنع العودة للقتال مرة أخرى، ولكن الإيرانيين لم يدركوا حقيقة التنوع الذي بدأ فيه الامريكان في تحديد تشكيلة الردع الجديدة التي احدثتها متطلبات المواجهة العسكرية التي انطلقت في 28 شباط 2026 واستمروا في عملياتهم التعرضية في مضيق هرمز باستهداف السفن والناقلات، مما أدى إلى قيام الولايات المتحدة بفرض عقوبات اقتصادية إضافية على هيئات وشركات وأفراد لها علاقة بالاسطول الخفي الإيراني وامتداداتها وشراكتها مع المنظمومة الاقتصادية التابعة للحرس الثوري وتوقفت جميع الحوافز المالية التي سمحت الإيرانيين بتسويق نفطهم ومرور ناقلاتهم وحصولهم على عوائد نقدية ومالية بعد تمكنهم وبموافقة أمريكية من تصدير (50) مليون برميل نفط منذ اعتماد مذكرة التفاهم وتوقيعها من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترمب والإيراني مسعود بزشكيان.
أرادت واشنطن اعتماد حالة الردع بالتوازي مع الحوافز والعطايا المالية التي منحت لطهران التي لم تستفد بشكل عملي منها، فلم تسعى للتهدئة وإيقاف عملياتها البحرية وضرباتها نحو عواصم بلدان الخليج العربي ونشاطاتها ودعمها لوكلائها ومليشياتها المسلحة وفصائلها القتالية في العراق واليمن، فوجهت بعض الفصائل العراقية من قبل قيادات ميدانية في الحرس الثوري الإيراني بضرب عدد من المخافر الحدودية الكويتية والتهديد باستهداف البحرين والأراضي السعودية، ثم التصعيد الاخير بعودة الضربات الصاروخية لجماعة الحوثيين نحو العمق السعودي باستهداف مطار أبها وبعض المنشأت العسكرية والمدنية في نقض واضح للاتفاق العسكري الأمني بين المملكة العربية السعودية والحوثيين، في تصعيد واضح وخلط للأوراق من قبل الإيرانيين لتعزيز مواقفهم في أي إجراءات قادمة تتعلق بمضيق هرمز أو أي مفاوضات تتعلق بعمل اللجان الفنية الخاصة بمتابعة البرنامج النووي الإيراني وتحييد مديات الصواريخ الباليستية والدعم القائم للمليشيات المسلحة في تنفيذ التوجهات والبرامج السياسية للمشروع الإيراني الإقليمي، عبر التهديد بالعودة لاستخدام مضيق باب المندب وخليج عدن بما يحقق الغايات والأهداف الإيرانية بتأجيج الصراعات والتأثير على التجارة العالمية وامدادات الطاقة الدولية.
الأهداف الأمريكية قادمة على تجفيف منابع التمويل العسكري والمالي للجماعات المسلحة ومنعها من إدامة أعمالها ومواصلة فعالياتها العسكرية في منطقة الشرق الأوسط والوطن العربي ومنها بالتحديد مدن وعواصم اقطار مجلس التعاون الخليجي العربي، وتهديد إيران باستخدام جميع الوسائل والأدوات في ردع وكلائها وشركائها والحد من امكانياتهم وضرب مواقعهم وتشكيلاتهم العسكرية وقياداتهم الميداني واستهداف معسكراتهم الميدانية ومخازن اسلحتهم وأدواتهم من الصواريخ الموجهة والطائرات المسيرة، والسعي الجاد لتعزيز سيادة الدول الحليفة للولايات المتحدة الأمريكية في الإقليم وحماية مؤسساتهم والحفاظ على شاركتها الدولية معهم ودعم استثماراتهم واتفاقياتهم الاقتصادية والتجارية والعسكرية والأمنية، مع توسيع دائرة الحماية للمصالح والمنافع الاقتصادية للدول الأوربية والاسيوية وجعلها شريكة في حماية الملاحة وطرقها المائية وناقلاتها العملاقة في مضيق هرمز وباقي الممرات البحرية بما يساعد على الاستمرار الدائم لتدفق البضائع الدولية ودعم التجارة العالمية ورفع قدرة الطاقة الدولية للنفط والغاز.
وبدأت الولايات المتحده الامريكيه في اتخاذ إجراءات وترتيبات أمنية أكثر مرونة بإعادة تشكيل البيئة الأمنية الإقليمية بتوسيع دائرة عمل قواعدها العسكرية وقواتها البحرية ودفاعاتها الجوية وقدرتها الردعية الصاروخية وتنشيط فعالياتها الاستخبارية وتبادل المعلومات مع حلفائها وأصدقائها في الإقليم وإعداد البيانات الدقيقة عن حركة وتوجهات الإيرانيين وتفعيل أجهزة الانذار المبكر بشكل أفضل وأكثر حضورًا واعتماد الأساليب والخطط العلمية التكنولوجية في الاستفادة من الفضاء والاقمار الصناعية والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي، بالدفع نحو حماية حرية الملاحة وتعزيز الشرعية الدولية في مضيق هرمز وباقي الممرات البحرية والمضايق المائية.
أن استمرار فاعلية البيئة الأمنية الإقليمية ستجعل إيران أمام خيارات، أما الاندماج ضمن ترتيبات أمنية إقليمية قائمة على احترام سيادة الدول وعدم التعرض لامنها الوطني والقومي وخفض التصعيد في عملياتها وفعالياتها العسكرية، والتكيف مع واقع الحال القائم على نظرة ميدانية تؤسس لميزان ردع جديد مع الحفاظ على بعض أدوات نفوذها وهذا ما يمكن تحديده والاتفاق عليه في المفاوضات الثنائية إذا ما اعتمدت إيران اسلوب الحوار الدبلوماسي الصادق، أو السعي لمواجهة أخرى والاستمرار في سياسية الرد غير المباشر وهو الخيار الأعلى كلفة على المدى البعيد.
وستكون أمام دول التعاون الخليجي العربي فرصة كاملة قائمة لإعادة ترتيب وهندسة سياسة توازن القوى وانتقالها إلى مفهوم أوسع واشمل يتعلق بهندسة الأمن الإقليمي ببناء منظمومة أمنية مؤسسية تعتمد التكامل والاندماج بين القوة العسكرية والقدرة الاقتصادية والفعالية العملية للتكنولوجيا العلمية والنشاط الدبلوماسي الفاعل، بدلًا من القيام بردود أفعال مؤقتة عند أي أفعال وإجراءات إيرانية تستهدف أمن واستقرار الإقليم.
وحدة الدراسات الإيرانية
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجة
