الهندسة الأمنية الايرانية من الشرعية الثورية إلى شرعية الدولة

الهندسة الأمنية الايرانية من الشرعية الثورية إلى شرعية الدولة

أعطت المتغيرات السياسية والاحداث الميدانية في منطقة الخليج العربي مسارات واقعية تتعلق بالأمن الإقليمي وفرضت عديد من الإجراءات والانطباعات في إمكانية إحداث تغيير في المعايير والرؤى السياسية ومنها ما يتعلق بسلوك النظام الإيراني وتوجهاته وعلاقاته مع دول مجلس التعاون الخليجي العربي من منظور أمني يأخذ بنظر الاعتبار ما آلت إليه نتائج المواجهة العسكرية الأمريكية الإيرانية الإسرائيلية التي انطلقت في 28 شباط 2026.
ويبرز سؤال مهم يتعلق بإدارة الدولة الإيرانية ومدى قدرتها على التفاعل الجاد مع الأحداث القائمة والمتواصلة وإمكانية العمل على رسم ملامح جديدة لآفاق تتعلق بقيادة البلاد، منها ما يمكن ملاحظته في إحداث تصور قائم على تبعيات ميدانية لمديات إبقاء المواجهة بين واشنطن وطهران أو تغيير معايير بعض المفاهيم والادبيات الثورية التي يتشبث بها القائمون على حكم إيران، والسؤال هل تستطيع القيادات السياسية والعسكرية في فيلق القدس والحرس الثوري على إعادة تعريف (دولة المقاومة) ضمن إطار ما بحثناه عن انتقال مفترض لمفهوم ( الدولة القادرة) التي ترتكز في أولوياتها على متانة الاقتصاد وتنويع التنمية المجتمعية ورفع مستوى الأوضاع المعيشية واعتماد البناء والإصلاح ركيزة مهمة في تحقيق ابجديات الدولة القادرة بمفاهيمها وتوجهاتها في رسم ملامح مستقبل جديد لإيران.
ظهر مصطلح (الشرعية الثورية) مع البدايات الأولى لاستلام الخميني ومجموعته أدوات الحكم بعد السقوط السياسي لشاه إيران في شباط 1979، وهي المرجعية السياسية والدستورية التي تستمد منها إيران استمراريتها وسلطتها، والتي أرسى قواعدها الخميني وترتكز على مبدأ (ولاية الفقيه) وتدار تحت إشراف المرشد الأعلى، وتأسست معها كيانات موازية لضمان حماية النظام وتحقيق أهدافه، أبرزها (الحرس الثوري الذي يمثل مؤسسة عقائدية وعسكرية لحماية المكتسبات الثورية داخليًا وخارجيًا، وتعتمد الأسس الواقعية في مهاجمة الولايات المتحده الامريكيه وتعتبرها الشيطان الأكبر واتسعت أولى حالات العداء باقتحام السفارة الأمريكية في العاصمة الإيرانية (طهران) في 4 تشرين الثاني 1979 بقام مئات الطلاب الإيرانيين من المؤيدين للخميني باقتحام أسوار السفارة والسيطرة عليها بعد سماح إدارة الرئيس الأمريكي جيمي كارتر لشاه إيران محمد رضا بهلوي بدخول الولايات المتحدة لتلقي العلاج الطبي ومطالبتهم بتسليمه لمحاكمته، واستمرت عملية الاحتجاج مدة (444) يومًا وانتهت في 20 كانون الثاني 1981
وبلغ عدد الرهائن (52) دبلوماسيًا وموظفًا أمريكياً،وبعدها ابتدات أولى العقوبات الاقتصادية الأمريكية على إيران بتجميد واشنطن نحو 12 مليار دولار من الأصول الإيرانية وحظر استيراد النفط الإيراني.
كان لمفهوم ( الشرعية الدينية) أساسه الرئيسي في نمط الحكم الإيراني، تشير (الشرعية الدينية الإيرانية) إلى الأساس العقائدي والسياسي الذي يستمد منه النظام في إيران سلطته وحقه في الحكم، تستند هذه الشرعية بشكل رئيسي إلى مفهوم (ولاية الفقيه) ،وتعتبر حجر الزاوية في الشرعية الدينية وقد أسس لها ووضعها في إطارها الدستوري الخميني، وتنص النظرية على أن الولاية المطلقة على الأمة في عصر غيبة الإمام المعصوم (وفقاً للعقيدة الشيعية الاثني عشرية) تعود للفقيه الجامع للشرائط(أي العالم العادل والمجتهد المطلق) الذي يتولى قيادة الدولة وحراسة الدين وتسيير شؤون الأمة، يجمع النظام الإيراني في بنيته بين الحكم الديني والمؤسسات الجمهورية المنتخبة. وتأتي (الشرعية الدينية) من الولي الفقيه والمؤسسات الدينية، بينما تأتي (الشرعية الشعبية) عبر الانتخابات المباشرة للرئيس، وأعضاء البرلمان، ومجلس خبراء القيادة. وبموجب هذه الرؤية ، فإن قرارات الهيئات المنتخبة تحتاج إلى إمضاء الولي الفقيه لتكتسب صيغتها النهائية والشرعية التامة.
تُناط تطبيق الشرعية الدينية بمجموعة من المؤسسات الدستورية النافذة (المرشد الأعلى، وهو رأس الهرم في النظام، يمثل الولي الفقيه ويتمتع بصلاحيات واسعة تشمل القيادة العامة للقوات المسلحة، وتعيين رؤساء السلطات القضائية والعسكرية، ثم مجلس صيانة الدستور المؤلف من (6 فقهاء و6 حقوقيين) ويتولى مطابقة جميع القوانين الصادرة عن البرلمان مع الشريعة الإسلامية والدستور الإيراني، كما يشرف على الانتخابات ويدقق في أهلية المرشحين، ويأتي بعده (مجلس خبراء القيادة) الذي يتكون من علماء دين منتخبين ومهمته الأساسية هي تعيين المرشد الأعلى ومراقبة أدائه،وله الحق في عزله إذا أخل بشروط القيادة والاجتهاد.
بدأت هذه ألمرتكزات تواجه تحديات داخلية لأن الشعوب الإيرانية باتت تقيس وتنظر لشرعية الدولة ودورها في حياتهم ومستقبل أجيالهم ومدى قدرتها على إدارة المنظومة الاقتصادية بشكلها الإيجابي ومعطياتها في تطوير التنمية المجتمعية واقامة المشاريع الكبيرة ودعم الاستثمارات المالية وتحقيق العدالة الاجتماعية وتوفير فرص العمل للشباب ومواجهة ظاهرتي التضخم والبطالة، بعد أن بلغت نسبة الانكماش في الاقتصاد الإيراني 6،1 وارتفاع نسبة التضخم إلى 68٪ مع انخفاض كبير في العملة المحلية وارتفاع تكاليف المعيشة بنسبة 105٪ وتراجع الناتج المحلي إلى نحو 300 مليار دولار وهي مؤشرات تعكس تآكل القدرة الاقتصادية لإيران، وهذا ما يؤدي إلى زيادة الضغوط الشعبية في مواجهة أعداد الموازنة المالية وسعر صرف العملة والذي يجب أن يتجه نحو تخفيف الضغوط الخارجية والانفتاح الاقتصادي، وهذا لا يتم إلا بتحسن الظروف السياسية الخارجية والعلاقات الدولية مع النظام الإيراني واهتمامه بمفهوم واطار ( شرعية الدولة).
أن تحقيق الاستقرار المالي وتنوع الإجراءات والاساليب الميدانية في تطوير هيكلية الاقتصادي المحلي والاتجاه نحو اعتماد خطط وبرامج تنموية لزيادة كفاءة عمل المؤسسات الحكومية ذات الاختصاص ودعم الكفاءات الشبابية والابداعات العلمية والنهوض العمراني وإصلاح الدوائر الإدارية، تعتبر من الأسس الإيجابية في دعم شرعية الدولة عبر تحسين الحياة المعيشية للمواطن الإيراني ورفع كاهل ما يعانيه من أزمات اجتماعية واقتصادية مستدامة، وأن جميع هذه الإجراءات إذا ما اعتمدها المسؤولين الإيرانيين فإنها لا تمثل عملية إلغاء الشرعية الثورية وإنما هي مرحلة لإعادة ترتيب أولويات الدولة وبقائها.
كانت الشرعية الثورية هي المصدر الوحيد للدولة في كل تشريعاتيها وأدوات تنفيذها ووسائل ديمومتها والمرجع الأول في كل ما يتعلق باصول سياستها الداخلية وعلاقتها الدولية والإقليمية وفي ادارتها لشؤون الحياة، ومع الأحداث التي مرت عبر عقود من الزمن على إيران وما آلت إليها نتائجها وانعكاساتها على حياة الشعوب الإيرانية، رأى غالبية المواطنيين ضرورة اعتماد شرعية الدولية عامل محفز وأن تكون الثورة جزءًا من هوية الدولة وليس المصدر الوحيد لشرعيتها، ومسار جديد يحدد مبدأ الانتقال من شرعية الثورة إلى ( شرعية الإنجاز)، وبه لا تتخلى إيران عن خطاب المقاومة لكنها تجعله احد أدوات السياسة الخارجية ولكنه ليس المعيار الذي يحدد به شرعيتها الداخلية مع اعتماد عنصر المقاومة خيار استراتيجي يخضع لحسابات المصلحة الوطنية والقدرات الاقتصادية في تطور إيجابي تنتقل به إيران من إدارة الأزمات الى إدارة التنمية، وبصورة أدق من سياسة النفوذ والتمدد والهيمنة الخارجية إلى الاهتمام بتوسيع دائرة قوتها الوطنية وحماية مواردها وتعزيز مكانتها وقدرتها على بناء علاقات متوازنة مع بلدان العالم.
أن اختيار إيران لشرعية الدولة وانجازاتها تحدده عوامل تدفع باتجاه تغيير اسلوب الحكم منها داخلي يتعلق بتعاظم الضغوط الاقتصادية وضرورة إيجاد الحلول الجذرية لمعالجتها ومنع توسعها والاستماع لمتطلبات الشعوب الإيرانية بجعل كفاءة الدولة مطلبًا مركزيًا يمثل طموحات المواطنيين ويحقق أهدافهما في حياة كريمة، وآخر خارجي يحيط بإيران عبر تشكيل بيئة أمنية خليجية تتصف بالتماسك ووحدة القرار والتعاون الميداني وتحسين الأداء الإستخباري وتبادل المعلومات والقدرات العلمية في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني لتقليل أدوات النفوذ السياسي للمشروع الإيراني، وعامل اجتماعي يتعلق بتغير الأجيال داخل النخبة السياسية الحاكمة في طهران، بظهور تيار أكثر اهتمامًا بشؤون ودور وكفاءة الدولة ومؤسساتها التنفيذية والتشريعية، وعامل آخر دولي ينظر للتحولات الميدانية التي تربط القوة والنفوذ بتنامي القدرة والقوة الاقتصادية والعلمية بقدر ارتباطها بتوسع القدرة العسكرية.
إيران في مرحلة انعطاف سياسي مهم بعد الأحداث التي شهدتها والملامح العسكرية والأمنية التي لاحت في افاقها بعد الهجمات الأمريكية الإسرائيلية، فأصبح الانتقال من مرحلة الشرعية الثورية الأمنية ضرورة حتمية للانتقال الى شرعية كفاءة الدولة القادرة على الجمع بين الحفاظ على الهوية الاستراتيجية لإيران وتعزير كفاءتها التنموية والمؤسسية وإعادة تشكيل علاقتها بمجتمعها ومحيطها الخليجي العربي والنظام الإقليمي والدولي.

وحدة الدراسات الإيرانية

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجة