الباحثة شذا خليل*
على مدى أكثر من خمسين عاماً، ظل مضيق هرمز الشريان الرئيس الذي يربط نفط الخليج بالاقتصاد العالمي، حيث يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية يومياً. وأصبح هذا الممر البحري أحد أهم نقاط الاختناق الاستراتيجية في العالم، إذ إن أي توتر عسكري أو سياسي فيه ينعكس مباشرة على أسعار النفط، ويهدد أمن الطاقة العالمي. وبالنسبة للعراق، لم يكن مضيق هرمز مجرد ممر ملاحي، بل كان يمثل البوابة شبه الوحيدة التي تعتمد عليها الدولة لتصدير الجزء الأكبر من ثروتها النفطية، الأمر الذي جعل الاقتصاد العراقي رهينة للتطورات الجيوسياسية في المنطقة.
واليوم، تشير الاتفاقيات التي وقعتها الحكومة العراقية مع شركات أمريكية، والتي تبلغ قيمتها نحو 60 مليار دولار، إلى بداية تحول قد يكون الأكبر في استراتيجية تصدير النفط العراقية منذ عام 2003. فهذه الاتفاقيات لا تستهدف فقط زيادة إنتاج النفط أو تطوير بعض الحقول، بل تحمل رؤية أوسع تقوم على إعادة رسم خريطة تصدير النفط العراقي من خلال إنشاء مسارات بديلة تقلل الاعتماد على مضيق هرمز، وتمنح العراق مرونة أكبر في الوصول إلى الأسواق العالمية.
فبدلاً من الاعتماد شبه الكامل على منفذ بحري واحد، تتجه الخطط الجديدة إلى تطوير شبكة من خطوط الأنابيب التي تنقل النفط العراقي شمالاً عبر تركيا وغرباً عبر سوريا إلى موانئ البحر الأبيض المتوسط، بما يسمح بوصول الصادرات إلى أوروبا والأسواق العالمية دون المرور حصراً عبر الخليج العربي. وإذا نجحت هذه المشاريع في الوصول إلى مرحلة التنفيذ، فإنها ستغير معادلة استمرت لعقود، وتجعل العراق أقل عرضة للمخاطر التي يفرضها أي تصعيد عسكري أو سياسي في منطقة الخليج.
ولا يقتصر أثر هذه المشاريع على الجانب اللوجستي، بل يمتد إلى جوهر النموذج الاقتصادي العراقي. فتنويع منافذ التصدير يعني تقليل المخاطر التي تواجه الإيرادات العامة، وتعزيز قدرة العراق على الوفاء بعقوده التصديرية حتى في أوقات الأزمات، وهو ما يرفع مستوى الثقة لدى المستثمرين وشركات الطاقة العالمية، ويجعل البيئة الاستثمارية أكثر استقراراً. وفي عالم أصبحت فيه أمن الإمدادات لا يقل أهمية عن حجم الاحتياطيات النفطية، فإن امتلاك أكثر من طريق للتصدير أصبح أحد أهم عناصر القوة الاقتصادية.
كما أن هذه الاتفاقيات تعكس تحولاً في طبيعة العلاقة الاقتصادية بين العراق والشركات العالمية. فالحكومة العراقية لم تعد تبحث فقط عن شركات تنفذ مشاريع محددة، بل تسعى إلى جذب شراكات استراتيجية طويلة الأمد تشمل الطاقة والبنية التحتية والاتصالات والخدمات اللوجستية والرعاية الصحية. وهذا التحول قد يفتح الباب أمام نقل التكنولوجيا، وتطوير الكفاءات المحلية، وخلق آلاف فرص العمل، وتحفيز قطاعات اقتصادية مرتبطة بالنفط بدلاً من الاكتفاء بتصدير الخام.
وتشير تقديرات مؤسسات مالية دولية، مثل Goldman Sachs، إلى أن مشاريع خطوط الأنابيب الجاري تطويرها في المنطقة قد تتمكن بحلول عام 2028 من نقل ما يقارب 14 مليون برميل يومياً، أي ما يعادل نحو 60% من الكميات التي تمر حالياً عبر مضيق هرمز. وإذا تحققت هذه التقديرات، فإنها لن تلغي أهمية المضيق، لكنها ستقلل من احتكاره لحركة تجارة النفط، وهو ما قد يغير ميزان القوى في أسواق الطاقة العالمية ويحد من تأثير الأزمات الإقليمية على أسعار النفط.
ومع ذلك، فإن الطريق نحو هذا التحول ليس سهلاً. فمشاريع الأنابيب العابرة للحدود تحتاج إلى استثمارات ضخمة، وتوافقات سياسية وأمنية بين عدة دول، وقد تستغرق سنوات قبل أن تدخل الخدمة الفعلية. كما أن نجاحها سيظل مرتبطاً باستقرار البيئة الإقليمية، وبقدرة العراق على توفير بيئة قانونية واستثمارية جاذبة للمستثمرين الدوليين.
ورغم هذه التحديات، فإن الرسالة الاقتصادية لهذه الاتفاقيات تبدو واضحة؛ فالعراق لم يعد يركز فقط على زيادة إنتاج النفط، بل بدأ يفكر في كيفية تأمين وصول هذا النفط إلى الأسواق العالمية بأقل قدر ممكن من المخاطر. وهذا يمثل تحولاً استراتيجياً في التفكير الاقتصادي، لأن القيمة الحقيقية للثروة النفطية لا تكمن في إنتاجها فقط، بل في القدرة على تصديرها بصورة مستقرة وآمنة مهما تغيرت الظروف السياسية.
وإذا نجحت هذه الرؤية في الانتقال من مرحلة الاتفاقيات إلى التنفيذ الفعلي، فقد لا يكون العراق مجرد أحد أكبر منتجي النفط في العالم، بل قد يتحول إلى مركز إقليمي للطاقة يربط بين الخليج العربي والبحر الأبيض المتوسط، ويعيد رسم خريطة تجارة النفط في الشرق الأوسط. وعندها، لن تكون اتفاقيات الستين مليار دولار مجرد استثمارات جديدة، بل بداية مرحلة اقتصادية مختلفة قد تعيد تعريف موقع العراق في الاقتصاد العالمي لعقود قادمة.
وحدة الدراسات الاقتصادية / مكتب شمال امريكا
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية
