الباحثة شذا خليل*
النفط والعقوبات والممرات التجارية في قلب التحركات الروسية… وموسكو تسعى إلى تحويل نفوذها السياسي إلى مكاسب اقتصادية واستراتيجية.
تشير التحركات الدبلوماسية الروسية الأخيرة تجاه إيران والولايات المتحدة إلى أن الصراع في الشرق الأوسط لم يعد محصوراً في الاعتبارات العسكرية والنووية، بل أصبح جزءاً من معادلة اقتصادية دولية تتداخل فيها أسواق الطاقة والعقوبات والممرات التجارية ومصالح القوى الكبرى. فزيارة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى طهران في 19 أكتوبر 2026، والاتصالات المتكررة بين الرئيسين فلاديمير بوتين ومسعود بزشكيان، تعكسان مساعي موسكو لتعزيز حضورها في أي تسوية محتملة بين واشنطن وطهران.
وبحسب تقارير إعلامية حديثة، عرضت موسكو المساعدة في تقريب المواقف بين الجانبين، فيما أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن التعاون بين بلاده وروسيا وصل إلى مستويات غير مسبوقة، بما يشمل المجالات الاقتصادية والنووية. وتأتي هذه التطورات في وقت تتزايد فيه أهمية استقرار مضيق هرمز، وتتواصل الضغوط على التجارة والطاقة والاستثمار في المنطقة.
لكن السؤال الاقتصادي الجوهري هو: لماذا تسعى روسيا إلى تسوية الأزمة الإيرانية، رغم استفادتها من ارتفاع أسعار النفط؟ وهل يمكن أن تتحول هذه الوساطة إلى مدخل لإعادة ترتيب المصالح الاقتصادية بين موسكو وواشنطن وبكين؟
النفط: مكاسب الحرب وحدود الاستفادة من الأزمة
تمثل الطاقة أحد أهم مفاتيح فهم الموقف الروسي. فاضطراب الإمدادات النفطية في الخليج يؤدي عادة إلى ارتفاع الأسعار العالمية، الأمر الذي قد يعزز إيرادات الدول المصدرة، ومنها روسيا. وقد ازدادت أهمية هذا العامل مع تعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره في الظروف الطبيعية نحو خُمس النفط العالمي.
غير أن المكاسب الروسية من ارتفاع الأسعار لا تعني بالضرورة أن استمرار الأزمة يمثل الخيار الاقتصادي الأفضل لموسكو.
فكلما طال اضطراب أسواق الطاقة، ارتفعت تكاليف النقل والتأمين والإنتاج، وازدادت الضغوط التضخمية على الاقتصادات المستوردة، وهو ما قد ينعكس لاحقاً على مستويات الطلب العالمي على النفط والغاز.
كما أن استمرار الأزمة قد يدفع الدول الصناعية إلى تسريع تنويع مصادر الطاقة وتقليص اعتمادها على الإمدادات المعرضة للمخاطر الجيوسياسية.
وهنا يظهر التناقض في الحسابات الروسية: فالأزمة تمنح موسكو مكاسب نفطية آنية، بينما يمكن للاستقرار أن يوفر لها مصالح تجارية واستثمارية أطول أمداً.
إيران بوابة استراتيجية لإعادة توجيه التجارة الروسية
لا تنظر موسكو إلى إيران باعتبارها شريكاً سياسياً وعسكرياً فقط، بل بوصفها ممراً جغرافياً مهماً لإعادة تشكيل طرق التجارة الروسية باتجاه آسيا.
ويبرز في هذا السياق مشروع الممر الدولي للنقل بين الشمال والجنوب، الذي يربط روسيا بالهند عبر إيران وشبكات من السكك الحديدية والطرق والموانئ.
وتشير دراسات اقتصادية متخصصة إلى أن المشروع اكتسب أهمية إضافية بالنسبة إلى موسكو بعد العقوبات الغربية المرتبطة بالحرب في أوكرانيا، نظراً إلى قدرته المحتملة على تنويع مسارات التجارة وتقليل الاعتماد على بعض الطرق التقليدية.
كما أعلنت وزارة النقل الروسية خلال عام 2026 استمرار العمل على مشروع خط السكك الحديدية بين رشت وأستارا، وهو أحد المكونات المهمة لهذا الممر.
ومن هذا المنطلق، فإن استقرار إيران ليس مجرد هدف دبلوماسي، بل شرط اقتصادي لتحسين بيئة الاستثمار وتقليل مخاطر النقل والتمويل والتأمين.
فكلما ارتفعت احتمالات التصعيد العسكري، ازدادت كلفة المشاريع العابرة للحدود وتراجعت جاذبيتها للمستثمرين. وعلى العكس، يمكن لأي تسوية مستدامة أن ترفع الجدوى الاقتصادية للممر وتدعم قدرة روسيا على الوصول إلى الأسواق الآسيوية.
العقوبات: هل تتحول الوساطة إلى ورقة تفاوض اقتصادية؟
تواجه روسيا وإيران منظومتين واسعتين من العقوبات الغربية، وإن اختلفت أسبابهما ونطاقهما. وقد دفعت هذه القيود البلدين إلى تعزيز التعاون في التجارة والطاقة والنقل والتمويل.
لكن موسكو تدرك أن بناء بدائل اقتصادية لا يلغي بالكامل تأثير العقوبات على الاستثمارات والتكنولوجيا والتحويلات المالية.
ومن هنا يمكن قراءة الدور الروسي المحتمل في الملف الإيراني باعتباره محاولة لتعزيز موقع موسكو التفاوضي أمام واشنطن.
فإذا تمكنت روسيا من المساهمة في تخفيف التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، فقد تحصل على نفوذ دبلوماسي إضافي يمكن توظيفه في مناقشة ملفات أخرى، بما فيها أوكرانيا والعلاقات الاقتصادية مع الغرب.
ولا توجد معطيات مؤكدة تثبت وجود صفقة متبادلة لتخفيف العقوبات الروسية مقابل الوساطة في الملف الإيراني. إلا أن تزامن الاتصالات الدبلوماسية يفتح المجال أمام تساؤلات مشروعة حول احتمال تداخل الملفات في المفاوضات المستقبلية.
وبالمفهوم الاقتصادي، فإن القيمة الاستراتيجية للوساطة لا تكمن بالضرورة في المقابل المباشر، بل في قدرتها على تحسين الموقع التفاوضي للدولة وتوسيع خياراتها.
واشنطن: استقرار الطاقة مقابل كلفة التنازلات
بالنسبة إلى الولايات المتحدة، يحمل استمرار الاضطراب في الخليج تكاليف اقتصادية تتجاوز المنطقة.
فارتفاع أسعار النفط ينعكس على أسعار الوقود والنقل والسلع، ويمكن أن يزيد الضغوط التضخمية ويؤثر في توقعات المستهلكين والشركات والأسواق المالية.
كما أن اضطراب الملاحة في مضيق هرمز يرفع المخاطر على التجارة الدولية ويزيد تكلفة تأمين الشحنات البحرية.
لذلك، قد تجد واشنطن مصلحة اقتصادية في أي تسوية تساعد على استعادة تدفقات الطاقة وتقليل احتمالات التصعيد.
غير أن التوصل إلى اتفاق مع إيران قد يطرح بدوره تحديات سياسية واقتصادية، خصوصاً بشأن العقوبات ومستقبل الصادرات النفطية الإيرانية والضمانات النووية.
وإذا أدت التسوية إلى زيادة المعروض النفطي الإيراني في الأسواق، فقد تسهم في تخفيف الأسعار، وهو ما يفيد الدول المستهلكة، لكنه قد يقلص جانباً من الإيرادات التي تحققها الدول المنتجة عند ارتفاع الأسعار.
وبالتالي، فإن المصالح الأمريكية والروسية قد تلتقي عند هدف استقرار السوق، لكنها لا تتطابق بالضرورة بشأن المستوى المرغوب للأسعار أو شكل التسوية السياسية.
الصين: المستفيد الاقتصادي الذي يراقب التوازنات
تمثل الصين طرفاً رئيسياً في هذه المعادلة، باعتبارها قوة صناعية كبرى تعتمد على تدفقات الطاقة والتجارة الدولية.
فأي اضطراب طويل في الخليج يرفع تكاليف وارداتها النفطية ويؤثر في نشاطها الصناعي وسلاسل التوريد.
وفي المقابل، فإن استقرار إيران وعودة حركة التجارة بصورة أكثر انتظاماً قد يوفران للصين فرصاً اقتصادية إضافية.
لكن نجاح روسيا في لعب دور دبلوماسي مؤثر قد يعزز أيضاً مكانة موسكو داخل التوازنات الآسيوية، الأمر الذي يجعل العلاقة بين القوتين أكثر تعقيداً من مجرد شراكة اقتصادية.
فالصين وروسيا تتعاونان في مواجهة بعض الضغوط الغربية، لكنهما تتنافسان كذلك على الأسواق والنفوذ والفرص الاستثمارية.
هل نحن أمام إعادة توزيع للمصالح الاقتصادية العالمية؟
تكشف التطورات الأخيرة عن تحول مهم في طبيعة التنافس الدولي، حيث أصبحت الملفات الأمنية مرتبطة بصورة مباشرة بالتجارة والطاقة والاستثمار والعقوبات.
فروسيا تريد حماية صادراتها وتطوير ممراتها التجارية، والولايات المتحدة تسعى إلى تقليل المخاطر المرتبطة بأسواق الطاقة والأمن الإقليمي، والصين تحتاج إلى استقرار تدفقات السلع، فيما تسعى إيران إلى تخفيف عزلتها الاقتصادية واستعادة فرص الاستثمار والتجارة.
ومع ذلك، فإن نجاح الوساطة الروسية ليس مضموناً. فالتقارير تشير إلى استمرار خلافات جوهرية بشأن الملف النووي وشروط التفاوض، كما أن قطر وباكستان ما زالتا تؤديان أدواراً في الاتصالات بين واشنطن وطهران.
وعليه، فإن الحديث عن نظام اقتصادي عالمي جديد سيكون سابقاً لأوانه، لكن التحركات الجارية تشير إلى اتساع استخدام الأدوات الاقتصادية ضمن المفاوضات الجيوسياسية.
الخلاصة: السلام بوصفه استثماراً استراتيجياً
لا تبدو التحركات الروسية تجاه إيران منفصلة عن المصالح الاقتصادية لموسكو. فالنفط والممرات التجارية والعقوبات والاستثمار تشكل عناصر أساسية في حساباتها، إلى جانب الاعتبارات الأمنية والسياسية.
وقد تحقق روسيا أرباحاً مؤقتة من ارتفاع أسعار النفط خلال الأزمات، لكنها قد تجد في التسوية فرصة لتعزيز مصالح اقتصادية أكثر استدامة، ولا سيما في التجارة الآسيوية ومشاريع البنية التحتية.
إن الرهان الروسي لا يقتصر على إنهاء أزمة نووية، بل يمتد إلى محاولة تحويل النفوذ الدبلوماسي إلى قوة اقتصادية وتفاوضية.
ومن هنا، فإن السؤال الذي ستجيب عنه التطورات المقبلة ليس فقط ما إذا كانت موسكو قادرة على تقريب واشنطن وطهران، بل ما إذا كانت تستطيع تحويل هذه الوساطة إلى مكاسب اقتصادية ملموسة، في عالم أصبحت فيه السيطرة على طرق التجارة وتدفقات الطاقة لا تقل أهمية عن السيطرة على موازين القوة العسكرية.
وحدة الدراسات الاقتصادية / مكتب شمال امريكا
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية
