الأزمة السورية.. طريق السلام الشائك بعد “عشرية سوداء”

الأزمة السورية.. طريق السلام الشائك بعد “عشرية سوداء”

بعد “عشرية سوداء” من العنف ومأساة إنسانية جعلت الحرب السورية تطبع بداية هذا القرن، تراجعت وتيرة المعارك التي ذكّتها أطراف، بدءا من حلفاء نظام بشار الأسد مرورا بالجماعات الإرهابية ووصولا إلى معارضي دمشق، لكن الجراح لا تزال تنزف. ورغم كل المحاولات الإقليمية والدولية لرأب الصدع في بلد ممزق، تبدو آفاق السلام بعيدة المنال.

دمشق – دفع السوريون طيلة السنوات العشر الماضية ثمنا باهظا لتعنت نظام بشار الأسد وإصراره على البقاء في السلطة، لكنهم مع ذلك لا يزالون ينشدون سلاما قد لا يأتي، وهم يقتربون من طي عقد من الزمن جر البلد إلى أسوأ كارثة إنسانية منذ الحرب العالمية الثانية.

ومرت سوريا بسلسلة من الأحداث، وبعد أن بدا وأن الأسد ونظامه قاب قوسين من السقوط في نهاية 2011، وسط ثورات “الربيع العربي”، التي أطاحت بأنظمة عدّة حكمت بلادها لعقود بقبضة حديدية، ظل ممسكا بالحكم ولم يوفّر فرصة حقيقية لأي مصالحة مع الشعب، وهو يمارس اليوم سيادة محدودة على أرض باتت فريسة لقوى أجنبية متناحرة.

وفي ضوء ذلك، لا توجد أي مؤشرات حقيقية على أن البلد سيخرج من هذه الفوضى قريبا، فالحديث عن أي تسوية سياسية محتملة تجمع كافة المكونات أمر غير وارد، وثمة مراقبون يرون أن السلام رهين بتفاهمات بين القوى الكبرى المتدخلة في النزاع.

استغرق اشتعال موجة الاحتجاجات وقتا في سوريا حيث كان التظاهر محظورا منذ نصف قرن، إلى أن انتقلت إليها من تونس ومصر وليبيا. وبدت بعض التجمعات الأولى، على غرار الوقفات الاحتجاجية أمام السفارة الليبية في دمشق، بمثابة دعم للانتفاضات الجارية في بلدان أخرى، لا تحديا مباشرا لعائلة الأسد التي حكمت البلاد لخمسة عقود.

وتصف الصحافية والكاتبة رانيا أبوزيد اللحظة التي أملت عليها عنوان كتابها “لا عودة إلى الوراء: الحياة والخسارة والأمل في سوريا زمن الحرب”، قائلة “تصدّع جدار الخوف العظيم وتحطم الصمت وكانت المواجهة وجودية للأطراف كافة، منذ بدايتها”.

وسرعان ما تحوّلت الاحتجاجات إلى نزاع دام أجبر نصف عدد سكان سوريا البالغ قرابة 22 مليون إلى مغادرة منازلهم، ووسط الفوضى التي ولّدها النزاع المسلح، أعلن داعش، المجموعة الأكثر تطرفا ووحشية في الجهاد الحديث، قيام “الخلافة الإسلامية” في سوريا والعراق المجاور.

ومع عسكرة النزاع، أرسلت إيران والولايات المتحدة، الخصمان اللدودان، قوات إلى سوريا لحماية مصالحهما، كذلك فعلت تركيا. وبدأت روسيا في نهاية سبتمبر 2015 أكبر تدخل عسكري خارج حدودها منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، في خطوة رجّحت الكفة في الميدان لصالح الأسد.

واستخدم نظام الأسد الأسلحة الكيمياوية ضد مناطق مدنية لإخضاع جيوب المعارضة فيها، وشنّت طائراته غارات كثيفة بالبراميل المتفجّرة على مناطق مأهولة بالسكان، مخلفة الموت العشوائي. واعتمد بشكل منهجي سياسات الحصار والتجويع لإخضاع خصومه. ولم يتردد سلاح الجو في تنفيذ عدد لا يُحصى من الضربات ضد منشآت طبية.

وفي 2012، وصف الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما استخدام الأسد للأسلحة الكيمياوية بـ”خط أحمر”، لكن عندما تمّ تجاوز هذا الخط بعد عام عبر هجوم كيمياوي استهدف الغوطة الشرقية قرب دمشق، امتنع أوباما عن القيام بتدخل عسكري انتظره كثيرون، وشكل ذلك لحظة حاسمة طبعت عهده وحالت دون توجيه ضربة قوية لنظام الأسد.

وكانت الفصائل المعارضة، التي قاتلت تحت رايات عدة وتلقى بعضها تمويلا وسلاحا من الخارج، تمكنت في السنتين الأوليين من إلحاق خسائر كبيرة بالجيش السوري الذي أضعفته أيضا الانشقاقات، وبعد سنوات تحولت الغلبة إلى نظام الأسد الذي مارس سياسة “الأرض المحروقة”.

وغيّر تدخل إيران المبكر والفصائل الموالية لها على رأسها حزب الله اللبناني، ومن ثم التدخل الروسي الحاسم عام 2015، المعادلات في الميدان تدريجيا لصالح الأسد، بعدما كانت قواته قد فقدت سيطرتها على نحو 80 في المئة من مساحة سوريا تشمل مدنا رئيسية وحقولا للنفط، ووصلت فصائل المعارضة إلى أعتاب دمشق.

في مقابلة مع وكالة الصحافة الفرنسية في فبراير 2016، أكد الأسد أن هدفه ليس أقلّ من استعادة كامل الأراضي السورية. وقال “سواء كانت لدينا استطاعة أم لم يكن، هذا هدف سنعمل عليه من دون تردّد. من غير المنطقي أن نقول إن هناك جزءا سنتخلّى عنه”.

ويسيطر النظام اليوم على أقلّ من ثلثي مساحة البلاد، لكن المشهد ليس براقا بالنسبة إليه لدى معاينة خارطة السيادة على حدود البلاد.

ويوضح الباحث المتخصص في الجغرافيا السورية فابريس بالانش في تقرير نشره مؤخرا، أنّ القوات الحكومية “تسيطر على 15 في المئة فقط من حدود سوريا”. ويقول إن “الحدود هي رمز السيادة بامتياز، وبطاقة أداء النظام لا تزال فارغة تقريبا على تلك الجبهة”.

في المقابل، تسيطر القوات التركية والأميركية والكردية أو المجموعات المدعومة من طهران، بحكم الأمر الواقع، على ما تبقى من الحدود. ويعتبر بالانش أن القوى الخارجية “تقسّم البلاد بشكل غير رسمي إلى مناطق نفوذ متعددة، وتسيطر بشكل أحادي على معظم حدودها”.

وفي بودكاست بثّته مجموعة الأزمات الدولية الشهر الماضي بعنوان “الصراع المجمّد” في سوريا، تقول الباحثة دارين خليفة “أفضل الخيارات السيئة المتاحة لدينا اليوم هو تمادي الجمود” القائم، معتبرة أنّ تجاوزه في محاولة لتسوية النزاع يمرّ عبر تحسين جذري للظروف المعيشية التي يواجهها الشعب السوري.

وفق الأمم المتحدة، يعاني نحو ستين في المئة من سكان سوريا حاليا، من انعدام الأمن الغذائي، في ظل الأزمة الاقتصادية الحادة التي فاقمتها عقوبات “قيصر” الأميركية، فقد خسرت الليرة 98 في المئة من قيمتها خلال عقد من الزمن. وقدّر تقرير لمنظمة الرؤية العالمية هذا الشهر كلفة الحرب السورية بنحو 1.2 تريليون دولار.

ولا يجد العديد من السوريين ما يتطلعون إليه في بلد باتت مقدراته بيد المنتفعين من الحرب والأجهزة الأمنية. ووسط هذا المشهد المحزن، شكّلت إمكانية تحقيق نوع من العدالة لضحايا النزاع بارقة أمل لشريحة واسعة من السوريين.

ففي أواخر فبراير الماضي، قضت محكمة ألمانية بالسجن أربع سنوات ونصف السنة لعضو سابق في الاستخبارات السورية بعد إدانته بتهمة “التواطؤ في جرائم ضد الإنسانية”، في إطار أول محاكمة في العالم تتعلق بانتهاكات منسوبة إلى نظام الأسد.

لكنّ بشار الأسد البالغ 55 عاما والموجود في السلطة منذ العام 2000 ودائرته الضيقة ما زالا بعيدين عن أي مساءلة، لا بل يستعد لخوض انتخابات لولاية رئاسية رابعة الصيف المقبل يرجح أن يفوز بها، في وقت لم تثمر الجهود الدولية المبذولة في التوصل إلى تسوية سياسية لإنهاء النزاع.

ومن دون تسوية سياسية تحت سقف الأمم المتحدة، لن تتمكن دمشق من استقطاب المنظمات الدولية والجهات المانحة لدعمها في عملية استنهاض الاقتصاد المنهك وتمويل عمليات إعادة الإعمار، فيما يبدو أن حلفاء دمشق لا يملكون موارد كافية لذلك.

ويقول رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي إلى سوريا جيل برتران “سوريا واحدة من البلدان الشابة في المنطقة، ونسبة كبيرة من سكانها لم تكن قد ولدت حتى في العام 2011”.

ويضيف “هؤلاء الفتيات والفتيان سيصبحون شبابا في سوريا خلال خمس أو 10 سنوات، وسيريدون بدورهم مستقبلا وآفاقا اقتصادية وحريات سياسية لا يمكن للنظام أن يمنحها لهم إذا لم يجر إصلاحات”.

العرب