أسبقية الردع أهداف إيرانية وتوازنات ميدانية

أسبقية الردع أهداف إيرانية وتوازنات ميدانية

بتاريخ 7 حزيران 2026 عاودت إيران ضرب العمق الإسرائيلي في عدة مناطق شملت خليج حيفا والجليل الأوسط وصفد وكرمئيل وطبريا والناصرة والعفولة، ردًا على الاستهداف العسكري المستمر من قبل القوات الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية في لبنان، استهدف القصف بشكل رئيسي قاعدة رامات الجوية الإسرائيلية بصواريخ باليستية، عبر أربع دفعات في سعيها لفرض معادلات ميدانية جديدة وهو ما يعني الاتجاه نحو إجراءات فعلية دون أن تكون رمزية مما عرض النظرية الاستراتيجية للأمن الإسرائيلي لازمة عميقة.
أن الأبعاد السياسية والعسكرية للضربات الصاروخية الإيرانية تعيد للاذهان حقيقة الاتجاه الأمريكي الإسرائيلي لفرض حالة الاستسلام على إيران وعدم تمكنهما من تحقيق الأهداف المعلنة التي ابتدات مع أولى الضربات في 28 شباط 2026، كما أرادت القيادات العسكرية في الحرس الثوري الإيراني تأكيد تماسك الجبهة اللبنانية وتلازم مسارها بين قاعدة الشراكة والتحالف الاستراتيجي لحزب الله اللبناني مع إيران، و إعطاء رسالة واضحة للولايات المتحدة الأمريكية بعدم تنفيذ أي اتفاقيات أو التوقيع على مذكرة التفاهم المشتركة دون أي عوائد وفوائد إيرانية كونها لا زالت تمتلك القدرة على التحرك ومواصلة التأثير على مجريات الأحداث ومنها استهداف الكيان الإسرائيلي ودعم وكلائها وادواتها في منطقة الشرق الأوسط والوطن العربي.
إتسم القصف الإيراني بتحقيق حالة المواجهة المباشرة، ولأول مرة تبدأ طهران بالضربات وتحقيق أسبقية الردع وتنفيذ التهديدات لاثبات وجودها ودعم تماسكها الداخلي وإعادة حيوية الثقة مع وكلائها وحلفائها ومحاولة ربط جميع المسارات وساحات المواجهة مع واشنطن وتل أبيب في دائرة واحدة وإعادة تأثيرها وقدرتها على إدارة التوازن الميداني في الإقليم، وهي تدرك جيدًا أن من أهم الأمور التي تهتم بها إسرائيل هي حفاظها وقدرتها على التمسك بحالة الردع والقرار الموحد والتضامن المشترك مع الولايات المتحدة الأمريكية والتي تعتبرها مصدر نفوذها وتعزيز دورها في الإقليم، وهي النقطة الرئيسية التي خاطرت بها إيران عندما ابتدأت بتوجيه الضربات الصاروخية وهي تعلم أنه مهما كانت خسائرها فإنها حققت غايتها في إثبات قدرتها على الردع مع معرفتها بأن القوة الإسرائيلية ستستخدم طاقاتها لاسترجاع حالة تفوق الردع لديها.
وتحققت الغايات الإسرائيلية عندما انطلقت أدوات الردع المماثل نحو مطار مهاباد حول مدينة طهران والذي يعتبر مركز جوي مزدوج الاستخدام للحرس الثوري الإيراني، واستهداف مستودع تجميع الطائرات المسيرة في منطقة (نجف آباد) في إصابة مباشرة لقدرة إيران على إنتاج هذه النوعية من الطائرات، وطال القصف الإسرائيلي مواقع إطلاق الصواريخ الباليستية في مدينة (تبريز) وهي التي كان لها السبق في إصابات أهداف محددة في مناطق الجليل شمال العمق الإسرائيلي، وكان من أهم الأهداف الاقتصادية هو الهجوم على شركة كارون ماهشهر للبتروكيماويات والذي اصاب منشآتها بأضرار بالغة والتي كانت تستخدم لإنتاج وتصدير مواد خام مخصصة لصناعة الوسائل القتالية ، مع تعزيز الغارات الجوية الإسرائيلية على مواقع عسكرية في غرب ووسط إيران مستهدفة وتحديداً في مدن ( طهران وتبريز وأصفهان).
وجاء الرد الإيراني على الضربات الجوية الإسرائيلية ليعيد مبدأ (وحدة الساحات) بإعلان جماعة الحوثيين إطلاق عدة صواريخ باليستية نحو أهداف عسكرية واقتصادية في مدينة تل أبيب، وإعلان حظر تام وشامل على حركة الملاحة البحرية الإسرائيلية في البحر الأحمر، وهو الهدف الثاني لإيران كونها لم تهاجم إسرائيل ردًا على استهداف الضاحية الجنوبية أو الدفاع عن حزب الله اللبناني، بل أرادت إعادة قوتها في منع أي محاولة تقوم على فصل الساحات عن بعضها والدفع باتجاه تحريكها متى ما شاءت، والحفاظ على وكلائها وأدواتها من التآكل والتشرذم، والعمل سياسيًا على عدم تجاهل الدور الإيراني في أي متغيرات سياسية وتطورات ميدانية واتفاقيات تُعقد تخص الملفين اللبناني واليمني ولا يمكن تحقيق أي استقرار في المنطقة إلا بمراعاة المصالح الإيرانية.
أعادت الضربات الإيرانية الاذهان إلى تمسك طهران بطموحاتها وانشطتها النووية وعدم تنازلها عن برنامج الصواريخ الباليستية أو تحييد مدياته وإنتاجه ولا استغنائها عن وكلائها خاصة ( حزب الله اللبناني) وهي رسالة واضحة للوسيط الباكستاني والمفاوض الأمريكي باخذ الاعتبار عند اقرار مذكرة التفاهم القادمة.
تعمل قيادات الحرس الثوري الإيراني ووفق ما تراه الآن على تجاوز ما تراه خطأ استراتيجيًا في عدم وقوفها عندما استهدفت القيادات السياسية والعسكرية والأمنية التابعة لحزب الله اللبناني وعدم الدفاع عنها وعن حلفائها في ساحات أخرى والخسارة الكبيرة في ضياع المربع الذهبي لمشروع إيران السياسي الإقليمي بسقوط نظام بشار الأسد وفراره لروسيا، وتحاول استعادة دورها الميداني بربط مسارات الجبهتين اللبنانية واليمنية بتفعيل دور الحوثيين وإسنادهم لضرباتها الصاروخية نحو العمق الإسرائيلي ومساندة الفعاليات العسكرية لحزب الله اللبناني.
استغلت إيران أيام الهدنة المؤقتة التي أعلن عنها في 8 نيسان 2026 بعد أسابيع من المواجهة الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية في إعادة تنظيم هيكلية مؤسستها العسكرية وتموضعها وترتيب خططها الأمنية وتوجهاتها الاستخبارية واستعادة إمكانياتها في الردع الصاروخي وإعادتها للخدمة، حيث أظهرت الأقمار الصناعية أن إيران نجحت في إعادة فتح وتأهيل عشرات المواقع الصاروخية التي كانت قد تعرضت للإضرار، وتمكنت من تحويل أيام الهدنة لورشة عمل ميدانية بإعادة فتح أكثر من (50) مدخلًا لمنشآت تحت الأرض مما جعل خزينها من الصواريخ الباليستية في مواجهة جديدة وعودة لحالة الردع المقابل، ومنها صواريخها من سلسلة (خرمشهر) التي يصل مداها إلى (2000) كم وقدرتها على حمل رؤوس حربية بوزن (1800) كغم، ومعها صاروخ (فتاح) فرط صوت الذي يتصف بالمناورة وتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، ثم صاروخ ( سجيل) الذي يصل مداه إلى (2500) كم وبسرعة تتجاوز 17000كم في الساعة، وهناك صاروخ (خيبر شكن) بمدى (1450) كم الذي يتصف بقدرته على اختراق المواقع الحصينة.
استخدمت إيران في هجماتها الأخيرة على إسرائيل صواريخ باليستية شديدة الانفجار، وكان من أبرزها صاروخ (قاسم) الباليستي برأس حربي يزن طناً ونصف، إلى جانب أجيال أخرى من الصواريخ الباليستية الإيرانية المتطورة التي تعمل بالوقود الصلب مثل صواريخ (سجيل) (خرمشهر) و(عماد وقدر وخيبر) في الهجمات التى شنتها داخل العمق الإسرائيلي وبلغت (30) صاروخًا، واستهدفت عدة مواقع حسب ما اوردته قيادة الحرس الثوري الإيراني من أهمها مجمع صناعات بتروكيماوية في مدينة حيفا وقاعدتي نيفاتيم وتل نوف الجويتين.
هل ستكون الضربات العسكرية المتبادلة بين إيران وإسرائيل مفتاحًا لنجاح الوساطة الباكستانية بدعم مشترك من القيادة الصينية ودول مجلس التعاون الخليجي العربي، وهل ستنجح إيران في مبتغاها بالعودة إلى ( وحدة الساحات) وتحقيق ردع متبادل ومتوازن، أم هي محاولة لاستنشاق الحياة من جمود طال امده بمفاوضات لإعداد مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية، هذا ما سنراه في الأيام القادمة…

وحدة الدراسات الإيرانية 

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجة