تركيا مقابل «وحدات حماية الشعب»: ماذا بعد؟

تركيا مقابل «وحدات حماية الشعب»: ماذا بعد؟

بينما تدرس أنقرة وموسكو إمكانية تبادل عمليات التوغل على الحدود السورية مقابل تنازلات في إدلب، يخاطر أردوغان بتعريض أهدافه المتشابكة لتحسين الاقتصاد التركي وتقليل التوترات مع واشنطن، للخطر.

في تشرين الأول/أكتوبر، أقرّ البرلمان التركي مشروع قانون يجيز تنفيذ المزيد من العمليات العسكرية في سوريا، مما يزيد من احتمال حدوث توغل آخر عبر الحدود لإضعاف «وحدات حماية الشعب» الكردية. وجاء هذا القرار ليردّد تصريحاً سابقاً للرئيس رجب طيب أردوغان قال فيه إن أنقرة “مصممة على القضاء على التهديدات القادمة من [سوريا]”. غير أن إطلاق مثل هذه العملية يتطلب موافقةً ضمنية من موسكو وواشنطن لتجنّب مشاحنة دبلوماسية، علماً بأن لكلتيهما علاقات مع «وحدات حماية الشعب» والقوات على الأرض. فهل تستطيع أنقرة ضمان موافقتهما؟ وما هي استراتيجية تركيا الأوسع تجاه «وحدات حماية الشعب»؟

العمليات التركية ضد «وحدات حماية الشعب»

«وحدات حماية الشعب» هي الفرع المسلح السوري لـ «حزب العمال الكردستاني»، وهذا الأخير هو تنظيم كردي تركي مصنّف رسمياً على قائمة التنظيمات الإرهابية من قبل واشنطن وأنقرة وغيرهما من أعضاء حلف “الناتو”. وفي عام 2013، أخرج بشار الأسد قواته من المنطقة الحدودية الشمالية لسوريا بهدف صرف انتباه تركيا عن محاولة الإطاحة بنظامه. فسارعت «وحدات حماية الشعب» إلى الاستيلاء على تلك المنطقة ذات الغالبية الكردية، والتي سُمّيت في البداية “روج آفا” ثم أعيد تسميتها عام 2018 بـ “الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا”. وفي أوج سيطرة «وحدات حماية الشعب»، كانت المناطق التابعة لها ولحلفائها تستحوذ على أكثر من ثلاثة أرباع الحدود الممتدة على مسافة 558 ميلاً مع تركيا.

وساعدت «وحدات حماية الشعب» في إنشاء «قوات سوريا الديمقراطية» (“قسد”)، وهو تحالف يقوده الأكراد واعتمدت عليه الولايات المتحدة بشكل كبير لمحاربة تنظيم «الدولة الإسلامية» منذ عام 2014. وفي البداية، تساهلت أنقرة مع هذه السياسة الأمريكية وحتى شاركت أيضاً في محادثات السلام مع «حزب العمال الكردستاني». ولكن بحلول عام 2015، انهارت المحادثات واستأنف «حزب العمال الكردستاني» هجماته داخل تركيا. ونظراً إلى تنامي «وحدات حماية الشعب» في الوقت نفسه على مقربة من تركيا، اصبحت أنقرة ترى في تلك الجماعة السورية امتداداً لـ «حزب العمال الكردستاني» واعتبرتها بالتالي تهديداً وجودياً. وعلى هذا الأساس، شنّ الجيش التركي منذ عام 2016 سلسلةً من العمليات داخل سوريا هدفت جميعها، بصورة كلية أو جزئية، إلى منع وصول «وحدات حماية الشعب» إلى الحدود.

عملية “درع الفرات” (آب/أغسطس 2016 – آذار/مارس 2017): صُممت هذه العملية جزئياً لانتزاع جيب جرابلس من تنظيم «الدولة الإسلامية» ومنع «وحدات حماية الشعب» من إحكام قبضتها على طول الحدود. وانطلقت عملية “درع الفرات” بعد ستة أسابيع فقط من محاولة الانقلاب على أردوغان وبعد أسبوعين من اجتماعه مع فلاديمير بوتين في سانت بطرسبرغ، فأسفرت العملية عن سلسلة من ترتيبات تقاسم السلطة والاتفاقيات الضمنية في سوريا بين روسيا وتركيا. وفي ذلك الوقت تقريباً، أعطت أنقرة الضوء الأخضر لتكثيف هجمات نظام الأسد على شرق حلب الخاضع لسيطرة المتمردين، وهو ما أتاح لدمشق استعادة السيطرة على المدينة الأكثر كثافة في البلاد.

عملية “غصن الزيتون” (كانون الثاني/يناير- آذار/مارس 2018): في عملية أخرى نُفّذت بمباركة بوتين، استهدفت القوات التركية جيب عفرين الخاضع لسيطرة «وحدات حماية الشعب» في شمال غرب سوريا، ونجم عن ذلك تطهيرٌ عرقي للمدنيين الأكراد المحليين. وفي المقابل، وافق أردوغان ضمنياً على السماح لنظام الأسد بالهجوم على الغوطة الشرقية والاستيلاء عليها، ووافقت قوات المتمردين هناك على الرحيل بهدوء والانتقال في النهاية إلى الملاذ الآمن في محافظة إدلب.

عملية “نبع السلام” (تشرين الأول/أكتوبر 2019): استهدفت هذه العملية مناطق «وحدات حماية الشعب» الواقعة في شمال شرق سوريا بين تل أبيض ورأس العين، حيث رحّب الكثير من السكان العرب بالقوات التركية بعد أن أرهقهم تبنّي «وحدات حماية الشعب» للقومية الكردية. ونظراً إلى قُرب مكان التوغل من مناطق تواجد القوات الأمريكية، التمست أنقرة موافقة الرئيس ترامب قبل اتخاذ أي خطوة، وحصلت عليها. وفي الفترة التي سبقت الهجوم، أخلت القوات الأمريكية الممر بين تل أبيض ورأس العين ومناطق حدودية أخرى – من ضمنها منبج وكوباني – حيث اندمجت هناك مع «وحدات حماية الشعب» منذ عام 2014. وفي النهاية، تمكّنت تركيا من الاستحواذ على مساحة حدودية كبيرة من «وحدات حماية الشعب» وتقسيم “الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا” على أساس المناطق. وبعد انسحاب القوات الأمريكية وانتهاء الأعمال العدائية بين تركيا و«وحدات حماية الشعب»، انتقلت روسيا إلى منبج وكوباني وأقامت دوريات مشتركة مع القوات التركية وقوات «وحدات حماية الشعب» في المناطق التي يسيطر عليها كل طرف.

عملية “درع الربيع” (شباط/فبراير – آذار/مارس 2020): جاء هذا التوغل بسبب قرار نظام الأسد باستهداف القوات التركية في محافظة إدلب التابعة للمتمردين، ويُشتبه بأنها تمت بمساندة من الطائرات الروسية. وحيث قُتل في هذه العملية 33 جندياً تركياً، دمّرت أنقرة أجزاء كبيرة من المناطق التي تواجد فيها الجيش السوري في حملةٍ من الهجمات بالطائرات المسيرة. وسرعان ما تدخّل بوتين لإنهاء القتال ثم وضع أجزاء من محافظة إدلب تحت سيطرة الأسد بعد أن كانت سابقاً تابعة للقوات التركية أو للجماعات المتمردة الوكيلة عنها. وبقيت الأجزاء الأخرى من المحافظة في أيدي أنقرة أو شركائها المحليين أو التنظيمات الراديكالية أمثال «هيئة تحرير الشام».

نهاية لعبة أردوغان

تهدف استراتيجية أنقرة الأوسع نطاقاً إلى تحويل “الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا” إلى مرادف سياسي لنموذج “الجبنة السويسرية”، أي تقسيم المنطقة بشكل يحول دون حصول «وحدات حماية الشعب» على منطقة حدودية مستدامة ومتاخمة لتركيا. وبما أن نظام الأسد يعارض استقلالية الأكراد بقدر ما تعارضها أنقرة، تأمل الحكومتان بعد حلّ النزاع السوري في النهاية أن تتمكّن دمشق من إعادة المناطق المفككة التابعة لـ «وحدات حماية الشعب» قسراً إلى سيطرتها.

ومن حيث احتمالات حدوث عمليات عسكرية تركية أخرى، من غير المرجح في الوقت الحالي أن تشن تركيا عملية ضد القامشلي أو مناطق أبعد شرقاً لأن القوات الأمريكية لا تزال منتشرة هناك إلى جانب «وحدات حماية الشعب». وبينما كان الرئيس بايدن يحضر قمة مجموعة العشرين في 31 تشرين الأول/ أكتوبر، أفادت بعض التقارير أنه طلب من أردوغان تجنّب تعريض القوات الأمريكية للأذى خلال أي توغل محتمل.

إن ذلك يترك ثلاثة أهداف أخرى محتملة هي جيب منبج وجيب كوباني وجيب تل رفعت الأصغر حجماً والمحصور بين جرابلس وحلب. وأفادت بعض التقارير أن روسيا تعارض سيطرة تركيا على المنطقة الأخيرة كونها ضرورية للدفاع عن حلب، وقد امتنع بوتين عن إعطاء مباركته للهجمات على الجيوب الأخرى أيضاً، على افتراض أنه يريد دفع أردوغان إلى اتفاق آخر لتقاسم السلطة – فقد يطلب مثلاً من تركيا التخلي عن أجزاء أخرى من محافظة إدلب لصالح دمشق، على غرار الطريق السريع الاستراتيجي “إم 4” (M4) – حيث أن هذه المقايضة ستساعد الأسد على إنشاء رابط طريق مباشر بين حلب واللاذقية، أكبر مدينة ساحلية في سوريا.

ومع ذلك، قد تؤدي عقبات مختلفة إلى تعقيد مثل هذا الاتفاق. فقد يؤدي من جهة إلى سيل جديد من اللاجئين نحو الحدود التركية، وهو ما يفضّل أردوغان بلا شك تجنّبه. فقد سبق أن عانى الكثير من سكان إدلب، البالغ عددهم نحو ثلاثة ملايين نسمة، من التطهير العرقي على يد نظام الأسد، لذا من غير المرجح أن يبقى المدنيون في أماكنهم إذا أعطت موسكو الضوء الأخضر لتغيير تقسيم المناطق حولهم. وربما يأمل أردوغان أيضاً أن ينال موافقة روسيا على التوغل عبر إنهاء الدعم العسكري التركي لأوكرانيا أو تقليله. إلا أن أنقرة ملتزمة بحزم بسيادة أوكرانيا منذ بعض الوقت، لذلك يبدو إضعاف هذا الدعم هدفاً صعب المنال.

التداعيات السياسية

على افتراض أن أردوغان وبوتين سيتمكّنان من التوصل إلى اتفاق، فإن الهدف الذي تختاره تركيا سيحدد مدى حدة رد الفعل الأمريكي. فإدارة بايدن تنظر إلى شمال شرق سوريا (حيث تشكل القوات الأمريكية جزء لا يتجزأ من «وحدات حماية الشعب») وشمال غرب سوريا (حيث لا يوجد للولايات المتحدة قوات برية) بشكل مختلف حين يتعلق الأمر بعلاقتها مع أنقرة. ومع أن شمال شرق سوريا لا يزال منطقة خلاف بين الحكومتين، فإن الوجود العسكري التركي في شمال غرب سوريا يصبّ في خدمة واشنطن لأنه يوفّر أداة ترهيب تحدد سلوك نظام الأسد.

ويقيناً، أن رد الفعل العلني للإدارة الأمريكية على أي توغل تركي سيكون سلبياً. لكن من المرجح ألا تتضايق واشنطن بالقدر نفسه من عمليةٍ تستهدف مناطق الشمال الغربي كتل رفعت أو منبج. وفي المقابل، من شأن الهجوم التركي على كوباني أن يستحث الرد الأقوى من الولايات المتحدة، بما في ذلك إدانة من الكونغرس حيث وصلت مكانة تركيا إلى أدنى مستوياتها منذ عقود. والواقع أن كوباني تحمل قيمة خاصة – فهي ترمز بالنسبة لـ «وحدات حماية الشعب» إلى الانتصار على تنظيم «الدولة الإسلامية» عام 2015، في حين تشكل بالنسبة للجيش الأمريكي الشراكة الأمريكية الناشئة مع «وحدات حماية الشعب» بشكل كامل ورسمي في نظر الرأي العام.

ومن وجهة نظر بوتين، قد يبدو الوضع أشبه بموقف آخر يمكن فيه استغلال النزاع السوري لإبعاد أنقرة عن واشنطن. وإذا صحّ ذلك، قد يأذن بتوغل تركي يستهدف كوباني حصرياً لقاء تنازلات في إدلب، وقد تكون هذه الجائزة أكبر من أن تتخلى عنها أنقرة بما أن «وحدات حماية الشعب» لم تعد تسيطر على غالبية الحدود.

غير أن القرار النهائي هو بيد أردوغان، ولعل أسباباً سياسية داخلية تردعه. ومن المحتمل أن يجد نفسه مضطراً، من أجل استعادة قاعدة دعمه المتقلصة، إلى ابتكار سردية عن علاقاته الجيدة مع الرئيس بايدن وإعادة تركيا إلى نموها الاقتصادي السابق – مما يعني تهدئة مخاوف السوق من نوايا تركيا العسكرية وتحفيز التدفقات المالية إلى البلاد. لكنّ أي توغل جديد في سوريا قد يقوّض هذه الاستراتيجية عبر تأجيج التوتر مع واشنطن وربما تحفيز عقوبات من الكونغرس. لذلك قد يختار أردوغان تأجيل العمل العسكري في الوقت الحالي، أو على الأقل إبقائه ضيّق النطاق من أجل تخفيف رد الفعل السلبي من الولايات المتحدة إلى حدّه الأدنى.

سونر چاغاپتاي

معهد واشنطن