نهاية أوهام إسرائيل بشأن غزة

نهاية أوهام إسرائيل بشأن غزة

في الأسابيع الأربعة تقريباً التي تلت هجوم “حماس” الشنيع في 7 أكتوبر (تشرين الأول)، بدأت إسرائيل تحولاً عميقاً سوف يستمر تأثيره لسنوات مقبلة. وبينما تشرع القوات الإسرائيلية في المراحل الأكثر صعوبة من الغزو البري لهزم “حماس”، يبرز موضوعان مهمان بشكل خاص. أولاً، من الضروري أن نفهم أن هذه ليست مجرد جولة أخرى من الصراع في غزة. ومن أجل تحقيق النصر، يجب على إسرائيل أن تكون مستعدة للانخراط في حرب واسعة النطاق وفائقة الصعوبة قد تستمر لعدة أشهر.

لذا، سيتعين على إسرائيل أن تستخدم استراتيجيات عسكرية مستوحاة من أنماط الحروب الطويلة، تترافق مع حملة لمكافحة التمرد تمتدّ لسنوات طويلة وتتضمّن أيضاً أدوات دبلوماسية ومعلوماتية واقتصادية. وفي هذه المهمة الشاملة، يمكن للقوات الإسرائيلية أن تستخلص العبر من الحملات العسكرية السابقة، التي يعود بعضها إلى فترات ماضية من تاريخ البلاد. ولكنها سوف تحتاج أيضاً إلى التحلي بالصرامة، والصبر، والذكاء في حرب ستكون مختلفة في كثير من النواحي عن أي حرب سابقة خاضتها إسرائيل.
يتلخص الموضوع الثاني في أن المجزرة المروعة التي راح ضحيتها ما لا يقل عن 1200 إسرائيلي على يد فرق الموت التابعة لـ”حماس” كانت بمثابة انهيار كارثي للاستراتيجية الأمنية الإسرائيلية القائمة. في الحقيقة، شهدت أجهزة الاستخبارات وقوات الأمن والرقابة الحكومية في إسرائيل إخفاقاً كبيراً يعجز أي كلام عن وصفه. لقد انتهت صلاحية نموذج الردع القديم، الذي افترض إمكانية احتواء “حماس” من خلال التكنولوجيا الدفاعية وعمليات الردع المحدودة وغير الحاسمة التي كانت تجري في غزة من وقت إلى آخر. وسيتعين على مؤسسة الدفاع الإسرائيلية أن تفكر في أساليب جديدة جريئة على كافة المستويات من أجل منع حدوث مثل هذه الكوارث في المستقبل. لن يتكرر ذلك مرة أخرى على الإطلاق.

وفي هذا الصدد، فإن القيادة السياسية والأمنية في إسرائيل تتحمّل مسؤولية كبيرة وهي ملزمة بتقديم التوضيحات. وعلى رغم أن التفاصيل الكاملة لم يتم الكشف عنها بعد، إلا أن بعض الاكتشافات الصادمة قد ظهرت بالفعل. لقد تم تجاهل علامات التحذير المحتملة أو إغفالها أو التقليل من أهميتها، وربما تكون الأولويات الأمنية الخاطئة هي التي جعلت الهجوم أكثر فتكاً. وإضافة إلى التحقيق الشامل بعد الحرب حول الأخطاء التي ارتُكبت، فإن الشعب الإسرائيلي سوف يطالب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بتقديم شرح كامل ومفصّل عن دوره في الكارثة.

وسوف يعتمد الكثير على مدى نجاح إسرائيل في تحقيق أهدافها الحربية الصعبة ضد “حماس”، وعلى مدى سرعتها في خلق نموذج أمني جديد وفعّال في أعقاب الصراع. وإضافة إلى مشكلة غزة، ستحتاج إسرائيل إلى معالجة الشبكة الأوسع من التهديدات والجماعات المسلحة المدعومة من إيران والتي تشكّل خطراً على البلاد الآن على جبهات متعددة، وينبع بعض هذه التهديدات من العراق ولبنان وسوريا واليمن، ومن السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية.

وهم الردع

إن نموذج الردع الذي كان يوجه السياسات الأمنية الإسرائيلية تجاه غزة في السابق قد تبلور على مدى سنوات. بعد انسحاب إسرائيل من غزة في عام 2005 وسيطرة “حماس” بالقوة على القطاع في عام 2007، سعت الحكومة الإسرائيلية إلى احتواء “حماس” وحركة “الجهاد الإسلامي في فلسطين”، بالاعتماد على الإنذارات الاستخبارية المبكرة، والدفاعات الحدودية القوية، واستخدام القوة من حين إلى آخر لقمع الاعتداءات. بشكل متكرر، كان من شأن هذه الاشتباكات غير المتوقعة أن تؤدي إلى مزيد من المواجهات العسكرية الأوسع نطاقاً، كما كانت الحال في الأعوام 2006، و2008، و2012، و2014، و2021، و2022، ومايو (أيار) 2023. وفي كل من هذه العمليات، أصبح من الواضح أن “حماس” كانت تكتسب أسلحة أقوى وأفضل، بما في ذلك صواريخ طويلة المدى ورؤوس حربية أكبر حجماً، إلى جانب المسيرات التي يمكن أن تشكل تهديدات جوية وبحرية.

وكان من الواضح أيضاً أن “حماس” كانت تبني شبكة كبيرة ومتطورة بشكل متزايد من الأنفاق تحت الأرض. خلال كل صراع، بذلت “حماس” قصارى جهدها لاختراق الدفاعات الإسرائيلية والوصول إلى التجمعات السكانية المحيطة بحدود غزة. لكن بطريقة موازية، كانت دفاعات إسرائيل المضادة للصواريخ قد تطوّرت أيضاً، وتحسنت دفاعاتها المضادة للأنفاق، مما أدى إلى إفشال معظم عمليات “حماس” في البر، وتحت الأرض، وفي الجو، وفي البحر.

وعلى رغم قدرات “حماس” المتنامية، فإن هذه الإخفاقات أقنعت إسرائيل بأن استراتيجيتها الدفاعية كانت ناجحة: لم تكن “حماس” قادرة على شن هجمات فعالة ضد سكان إسرائيل، وفي الواقع، واجهت الحركة عقاباً كبيراً لمحاولتها تنفيذ مثل هذه الضربات، وكوفئت بدعم مادي مقابل حفاظها على الهدوء. كذلك، خلص المسؤولون الإسرائيليون إلى أن محاولة تدمير قوات “حماس” بشكل كامل ستكون مكلفة للغاية وقد تخلق مشكلات جديدة خطيرة، وقد أيد المسؤولون الغربيون هذا الافتراض على نطاق واسع، إذ كانوا يخشون أن تؤدي الإطاحة بـ”حماس” إلى فراغ في السلطة يتعين على إسرائيل أن تملأه من خلال حكم غزة مباشرةً، وهو احتمال تجنبته إسرائيل منذ فترة طويلة.

إن الحد من الصراع مع “حماس” خدم هدف نتنياهو المتمثل في تقسيم الفلسطينيين.

وهكذا، أبقت الحكومة الإسرائيلية صراعاتها مع “حماس” محدودة النطاق وبشكل عام قصيرة الأجل إلى حد ما. بالاسترجاع، استمرت جميع الاشتباكات السابقة لمدة تتراوح بين عدة أيام وبضعة أسابيع (واستمرّ صراع عام 2014 لمدة شهرين تقريباً) وكانت تنتهي عادةً بنوع من ترتيبات وقف إطلاق النار بوساطة مصرية إضافة إلى تدابير اقتصادية. إن مفهوم الصراع المحدود هذا، إلى جانب قبول إسرائيل الضمني لحكم “حماس” في غزة، خدم أيضاً هدف نتنياهو المتمثل في تقسيم النظام الفلسطيني، فمن خلال السماح لـ”حماس” بالحفاظ على سيطرتها على القطاع، تمكّنت إسرائيل من إضعاف السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وتجنب الحوار السياسي معها.

لكن هذا النهج سمح أيضاً لـ”حماس”، المدعومة من قطر، بالحصول على الموارد التي تحتاج إليها من أجل تحويل قوتها العسكرية إلى جيش مرعب عالي الكفاءة. وعلى رغم التهديد المتزايد الذي تمثله ترسانة “حماس” الصاروخية، على سبيل المثال، اختارت إسرائيل عدم إيقاف برامج أسلحة الحركة بالقوة إلا خلال هذه الصراعات المتقطعة والقصيرة الأجل. وفي الفترة الفاصلة بين هذه النزاعات، واصلت “حماس” تطوير استراتيجيات جديدة لتحدي إسرائيل من دون تجاوز العتبة نحو تصعيد أوسع. ابتداءً من عام 2018 مثلاً، بدأت “حماس” في تنظيم ما يسمى بـ “مسيرات العودة”، وشجعت أعداداً كبيرة من الفلسطينيين على التجمع بالقرب من السياج الحدودي مع إسرائيل. وكانت هذه المسيرات، التي ينظر إليها الغرب باعتبارها تظاهرات ضد الحصار الذي تفرضه إسرائيل على غزة، بمثابة وسيلة تستخدمها الحركة للتغطية على أنشطتها العسكرية. واستطراداً، عمدت “حماس” إلى دمج مقاتليها المسلحين في الحشود، واستخدمت أولئك المدنيين كغطاء للوصول إلى السياج الحدودي ومحاولة شن هجمات ضد وحدات من جيش الدفاع الإسرائيلي والمستوطنات الإسرائيلية القريبة من غزة.

0.png
منزل دُمر في هجمات “حماس” في 7 أكتوبر، في كيبوتس كفار عزة، إسرائيل، نوفمبر 2023 (إيفلين هوكشتاين / رويترز)​​​​​​​

​​​​​​​تمكن الجيش الإسرائيلي من صد هؤلاء المهاجمين ومنع اختراق الحدود من خلال تفريق الحشود بأسلحة غير فتاكة واستهداف القادة، مما أسفر عن مقتل المئات على مدى عدة أشهر، بيد أن تلك المسيرات منحت أيضاً مقاتلي “حماس” طريقةً للاستعداد لهجوم 7 أكتوبر. وهكذا، في الأسابيع التي سبقت هجمات أكتوبر، احتشدت مجدداً تجمعات كبيرة من الناس بالقرب من السياج الحدودي، ولقي ستة من سكان غزة حتفهم عندما انفجرت عبوة ناسفة في 13 سبتمبر (أيلول) في ما كان على الأرجح جزءاً من استعدادات الهجوم. وفي الأسابيع التي سبقت 7 أكتوبر أيضاً، أُحضرَت جرارات إلى المنطقة الحدودية بحجة العمل الزراعي والاستعداد للاحتجاجات على الحدود. وفي وقت لاحق، استُخدمت هذه الجرارات لهدم السياج وفتح الطريق أمام فرق الموت التابعة لـ”حماس”.

كارثة مزدوجة

صبيحة يوم 7 أكتوبر، اليوم الأخير من عيد “سوكوت”، أي عيد العرش اليهودي، استيقظت إسرائيل على كارثة مزدوجة. كان الهجوم الذي شنه حوالى 3 آلاف عنصر من إرهابيي “حماس” ضد المستوطنات الجنوبية وقوات الدفاع الإسرائيلية مدمراً تماماً للسكان الإسرائيليين، إذ أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 1200 إسرائيلي واختطاف أكثر من 240 شخصاً واحتجازهم في غزة. لكنه كان مدمراً أيضاً للسياسة الدفاعية الإسرائيلية.

لقد فشلت الحكومة والمؤسسة الأمنية في منع حركة متطرفة معروفة، وهي جماعة كانت تراقبها عن كثب لسنوات عدة، من ارتكاب فظائع مروعة ضد المدنيين الإسرائيليين. وطوال ساعات متواصلة، استمرّ الإرهابيون في اجتياحهم العنيف لعشرات التجمعات السكانية، مما هشّم شعور الإسرائيليين بالأمان في جميع أنحاء البلاد. كان المستجيبون الأوائل يقاتلون المهاجمين ببسالة، ودفع كثيرون منهم حياتهم ثمناً لذلك، ولكن مرت عدة ساعات قبل أن تتمكن القوات العسكرية الأكثر تنظيماً من الوصول إلى المستوطنات التي تعرضت للهجوم. وبالنسبة إلى عديد من الضحايا، كان الأوان قد فات.

وعلى الفور تقريباً، انهارت المفاهيم والسياسات والمعتقدات التي حكمت العقيدة الأمنية الإسرائيلية لفترة طويلة. وكان من بينها الافتراضات القائلة بأن الصراع الفلسطيني يمكن احتواؤه، وأن “حماس” قد وضعت حكمها ورفاهها الاقتصادي في قطاع غزة قبل أيديولوجيتها الجهادية وخططها الرامية إلى تنفيذ إبادة جماعية في إسرائيل، وأن مجرد وجود قوة عسكرية أقوى بكثير من “حماس” كان كافياً. وأصبح من المعروف كحقيقة بديهية تقريباً أن مجرد استخدام تقنيات الدفاع البري والجوي المتقدمة، مثل السياج الحدودي والقبة الحديدية، مع اللجوء في بعض الأحيان إلى غارات جوية من الخارج، يمكن أن يمنع هجمات كبيرة، مما يتيح للإسرائيليين احتواء “حماس” بتكاليف معتدلة وقوة بشرية محدودة نسبياً.

وفي الواقع، يدرك الإسرائيليون أنه لا عودة إلى النهج القديم. وفي الأول من نوفمبر، قال عضو المكتب السياسي لحركة “حماس” غازي حمد إن الحركة ستستمر في شن مثل هذه الهجمات إلى أن تبيد إسرائيل. إذاً، ما لم يتم القضاء على “حماس”، فإن أهوال السابع من أكتوبر قد تتكرر في كل بيت في البلاد. ولذلك، وخلافاً لما حدث في أي حملة عسكرية سابقة في غزة، يتعين على القوات الإسرائيلية ألا تكتفي بإعادة بناء قوة الردع فحسب، بل عليها أيضاً استئصال خطر “حماس” بالكامل.

منذ الهجمات، تتقدم هذه الحملة بشكل مطرد، خطوة تلو الأخرى. وفي الأيام التي تلت الهجمات، أغلقت القيادة الجنوبية الإسرائيلية حدود غزة، ومنعت أي هجمات إضافية داخل إسرائيل واعتقلت أو قتلت أي إرهابيين كانوا لا يزالون على الأراضي الإسرائيلية. ثم بدأت القيادة المركزية في اعتقال المئات من أعضاء “حماس” في الضفة الغربية، حيث تسعى “حماس” إلى تقويض السلطة الفلسطينية وتعزيز الإرهاب ضد إسرائيل، وأحبطت التهديدات النشطة النابعة من المدن الفلسطينية ومخيمات اللاجئين. وفي آن واحد، قصفت القوات الجوية الإسرائيلية الآلاف من أهداف “حماس” في قطاع غزة. وأخيراً، في 27 أكتوبر، دخلت القوات البرية الإسرائيلية إلى القطاع وبدأت تتقدم ببطء نحو مدينة غزة، مركز التنظيم السياسي والجيش الإرهابي التابع لـ”حماس”.

وفي الوقت نفسه، ما زالت إسرائيل تتعرّض لصواريخ من غزة، ولبنان، وسوريا، وحتى اليمن. وتخوض القيادة الشمالية للجيش الإسرائيلي مواجهات مستمرة مع “حزب الله” على الحدود الشمالية مع لبنان، حيث يطلق صواريخ وطائرات من دون طيار وينشر قناصة تستهدف القوات الإسرائيلية والمواقع والطائرات، وأحياناً السكان المدنيين، في محاولة لجذب القوات الدفاعية الإسرائيلية بعيداً من غزة. منذ 7 أكتوبر، قُتل أكثر من 50 مقاتلاً في “حزب الله”، إضافة إلى حوالى عشرة من مقاتلي “حماس” وحركة “الجهاد الإسلامي” الفلسطينية الذين كانوا يهاجمون إلى جانب “حزب الله”. وبطريقة موازية، أطلق الحوثيون في اليمن طائرات من دون طيار وصواريخ كروز وصواريخ باليستية، نجحت إسرائيل والسعودية والولايات المتحدة في اعتراض معظمها. وأُخليت المستوطنات الحدودية الإسرائيلية، وكثيراً ما تدوي صفارات الإنذار لتدفع الناس إلى الاختباء في الملاجئ والغرف الآمنة في جميع أنحاء البلاد. وسوف تستمر هذه التهديدات في المستقبل المنظور.

شهور لا أسابيع

وبينما تبدأ إسرائيل عمليات برية واسعة النطاق في غزة، لا بد من الاعتراف بأنه سوف يكون من المستحيل هزيمة “حماس” بسرعة. وعلى النقيض من معظم العمليات الإسرائيلية السابقة منذ حرب لبنان الأولى في عام 1982، سيكون من الضروري شن حملة طويلة لإضعاف “حماس” وعزلها، وبمرور الوقت، القضاء عليها في غزة، تماماً مثلما استغرق التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة سنوات لإلحاق هزيمة دائمة بتنظيم الدولة الإسلامية (أو داعش) في سوريا والعراق. علاوة على ذلك، في سبيل تحقيق نتائج دائمة، ليس من المفترض أن تعتمد الحرب الطويلة على القوة حصراً، بل يجب أن تشمل أيضاً جهوداً دبلوماسية وإعلامية وقانونية واقتصادية، بدعم من الشركاء الإقليميين والدوليين.

وبالتالي فإن إسرائيل في حملتها الحالية ضد “حماس” لن تكون قادرة على اعتماد النهج نفسه الذي كانت تنتهجه في العمليات السابقة في غزة. وعوضاً عن ذلك، على الاستراتيجيين الإسرائيليين أن يستمدّوا الوحي من الصراعات الأطول في التاريخ الإسرائيلي، بما في ذلك حرب الاستقلال 1948-1949، وحرب الاستنزاف 1967-1970، وعملية الدرع الواقي في عام 2002، التي سعت إلى استئصال خطر الإرهاب من الضفة الغربية، بعد مقتل مئات الإسرائيليين في الانتفاضة الثانية.

في الواقع، توفر هذه الحروب الطويلة دروساً قيّمة حول الطريقة المناسبة لإدارة حملة مماثلة. هذا النوع من الحروب يفترض تعبئة كاملة وجهوداً يبذلها المجتمع بأسره، كما يستلزم تنفيذ أعمال عسكرية متفاوتة الشدة عبر جبهات متعددة. إضافة إلى ذلك، فإن نتائجه الملموسة لا تظهر فوراً بل تتكشف على مدى فترة زمنية أطول. تؤكد هذه الحروب السابقة أيضاً على التكاليف المرتفعة والأخطار المحتملة للحملات الطويلة، بما في ذلك الموارد الاستثنائية اللازمة للمجهود الحربي واقتصاد الحرب والعزيمة الوطنية الصلبة الضرورية لمواصلة المسار على مدار أشهر وحتى سنوات.

على سبيل المثال، كانت عملية الدرع الواقي، التي استمرت من مارس (آذار) إلى مايو (أيار) 2002، عبارة عن عملية عسكرية موجهة تهدف إلى القضاء على الخلايا الإرهابية لـ”حماس” والسلطة الفلسطينية، ونشرت خمس فرق من جيش الدفاع الإسرائيلي في بلدات الضفة الغربية ومدنها. بعد أن نجحت هذه العملية الأكبر في قمع الانتفاضة الثانية بشكل فعال، أصبحت نقطة تحول لعبت دوراً، إلى جانب الجهود المستمرة لمكافحة الإرهاب، في خفض عدد الهجمات الإرهابية والضحايا. ولكن على النقيض مما واجهته إسرائيل في الضفة الغربية في عام 2002، فإن التهديد الحالي الذي تفرضه “حماس” في غزة أكثر تعقيداً، في ظل وجود عدو مدجج بالسلاح يختبئ في مناطق مأهولة كثيفة السكان وسط عدد كبير للغاية من المدنيين. لذا فمن الضروري استخدام القوة بشكل أكثر فعالية، جنباً إلى جنب مع الجهود الرامية إلى تجنب حدوث أزمة إنسانية، والجهود الإعلامية من أجل مواجهة الدعاية المكثفة التي تنشرها “حماس” في معركة كسب الرأي العام العالمي.

من أجل تحقيق نتائج دائمة، ليس من المفترض أن تعتمد الحرب الطويلة على القوة حصراً.

واستطراداً، في بعض جوانب الحرب الحالية يمكن الاستفادة أيضاً من العمليات الخاصة التي أجريت في العقود السابقة. على سبيل المثال، وفقاً للتقارير الواردة، أنشأ “شين بيت”، وهو جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي، غرفة عمليات لمطاردة مرتكبي هجمات 7 أكتوبر، وهذا شبيه بالحملة الإسرائيلية الرامية إلى القضاء على إرهابيي مجموعة “أيلول الأسود” الذين قتلوا 11 رياضياً إسرائيلياً في أولمبياد ميونيخ عام 1972، وقد تطلبت تلك الحملة جهوداً استخباراتية وعملياتية مستمرة في جميع أنحاء العالم ودعماً سياسياً في حملة استمرت سنوات عدة؛ وأسفرت عن بعض الحوادث المؤسفة، لكنها أوصلت فكرة راسخة بأن إسرائيل لن تقبل أي هجمات من هذا القبيل على شعبها. ومن الطبيعي أن يكون قادة “حماس” على رأس قائمة الأهداف الإسرائيلية، وسبق أن قُتل كثير من قادة “حماس” العسكريين، الذين شارك بعضهم في هجوم السابع من أكتوبر، أثناء القتال في غزة.

ولا شك في أن نموذج الحرب الطويلة ينطوي على أخطار خاصة به. وفي هذا السياق، تحمل المعركة الإسرائيلية الطويلة في لبنان عبراً يمكن الاستفادة منها. بدءاً من عام 1982 مع النجاح في القضاء على المنظمات الفلسطينية المسلحة في لبنان وترحيل الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات من بيروت، جرّت هذه العملية إسرائيل إلى المستنقع اللبناني وتحولت إلى حرب طويلة الأمد مع “حزب الله”، استمرت فعلياً حتى الانسحاب الإسرائيلي في عام 2000. ويوضح هذا الإرث سبب تردد إسرائيل الكبير على مدى العقدين الماضيين في شن عمليات برية كبيرة وحاسمة، مما يبرر الأساس المنطقي وراء اعتماد إسرائيل نهجاً محدوداً في صراعها في غزة.

لذا فمن المنطقي أن نتوقع ألا تقتصر الحرب الجارية ضد “حماس” في غزة على هجوم واحد محدود. عوضاً عن ذلك، فمن المرجح أن تتطور إلى سلسلة من العمليات العسكرية المطولة التي يؤدي كل منها إلى إضعاف قدرات معينة لدى “حماس”، إلى أن يصبح من الممكن هزيمتها. وكما أصبح واضحاً بالفعل، فإن المجهود الحربي يركز الآن على هجوم مكثف في غزة، يجمع بين وحدات القوة البرية المزوّدة بمدرعات ثقيلة وقوة نيران كثيفة من الجو والبر والبحر، وهو مدعوم من مجموعة كبيرة من المعلومات الاستخبارية. وتواجه القوات البرية أعداء مجهزين جيداً فوق الأرض وتحتها، يستخدمون المدنيين والمواقع الحساسة، مثل المستشفيات، كدروع بشرية ومادة للدعاية المناهضة لإسرائيل. إذاً، ستحتاج تل أبيب إلى هزيمة “حماس” في العراء وفي المناطق الحضرية، وفي الأنفاق، وعلى الشواطئ، وفي الجو، وفي وسائل الإعلام الدولية.

ولكن لا يمكن لإسرائيل أن تهمل جبهات أخرى في هذه الأثناء. بالتوازي مع عملية غزة، لا بد من الحفاظ على استراتيجية دفاعية قوية من أجل إحباط جميع التهديدات المقبلة. ونظراً للدعم الحاسم الذي تقدمه الولايات المتحدة في هذه الحرب، يتعين على إسرائيل أيضاً أن تستخلص بعض الدروس من حرب التحالف، وهذا يمثل خروجاً عن ثقافتها العسكرية والاستراتيجية المعتادة. وبالإشارة إلى الكلمات التي قالها رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل، يجدر بإسرائيل أن تتذكر أن الشيء الوحيد الأسوأ من وجود حلفاء هو عدم وجودهم، ويتعين عليها أن تبذل جهوداً مستمرة للتواصل والتنسيق مع شركائها في العالم وفي المنطقة.

ومن المهم أيضاً تحديد ما تعنيه هزيمة “حماس”. فبعيداً من الهزيمة العسكرية وإنهاء حكم “حماس” في غزة، تحتاج الحرب إلى معالجة قوة “حماس” في أماكن أخرى وأبعاد أخرى. في الواقع، إن القضاء على “حماس” كحركة أيديولوجية واجتماعية متجذرة بعمق الآن في المجتمع الفلسطيني، سوف يتطلب أكثر من مجرد سحقها في ساحة المعركة. فأيديولوجية “حماس” وخطاباتها المتطرفة، التي تشكل تهديداً للدول العربية المعتدلة وكذلك لإسرائيل، لا بد من أن تحاربها أصوات محلية وإقليمية. والجدير بالذكر أن انحياز قناة الجزيرة القطرية ودعمها لـ”حماس” يمنح الحركة ميزة مهمة بين السكان العرب في مختلف أنحاء المنطقة، الذين تحركهم مشاهد الدمار والمعاناة المستمرة في غزة. والانتصارات العسكرية الإسرائيلية الأولية يجب أن تتبعها جهود متواصلة للحؤول دون عودة ظهور “حماس” والسماح بصعود بديل معتدل. وبعبارة أخرى، يتعين على إسرائيل أن تجد السبل لحشد الأطراف الفلسطينية والإقليمية في سبيل التوصل إلى حل مستدام.

وصمة عار الإنسانية

إن الطبيعة غير المسبوقة لهجمات 7 أكتوبر قد تركت إسرائيل أمام معضلات إنسانية صعبة. الأولى هي الأعداد المتزايدة للقتلى الفلسطينيين، التي تجاوزت 9 آلاف وفق تقارير وزارة الصحة التابعة لـ”حماس”، إلى جانب عدد أكبر من الجرحى. وهذا العدد لا يفرّق بين المقاتلين والمدنيين. ومن أجل احترام القانون الدولي والحفاظ على شرعية حربها الضرورية في غزة، حذرت إسرائيل سكان شمال غزة بضرورة الإخلاء إلى الجزء الجنوبي من القطاع، مما قلل من خطر تحوّلهم إلى خسائر جانبية [ضحايا غير مستهدفين] جراء الضربات الإسرائيلية على أهداف تابعة لـ”حماس”. لكن “حماس” حثت السكان على البقاء في أماكنهم وواصلت استخدامهم كدروع بشرية.

واستكمالاً، من بين المسائل الحاسمة بالنسبة إلى إسرائيل، احتجاز “حماس” لأكثر من 240 رهينة في غزة، من ضمنهم إسرائيليون وأجانب. وإلى جانب عملياتها العسكرية، ستحتاج إسرائيل، بمساعدة الشركاء والوسطاء الدوليين والإقليميين، إلى بذل كل ما في وسعها لضمان إطلاق سراح الرهائن بشكل آمن. وفي هذا السياق، فإن العمليات العسكرية لها حسناتها وسيئاتها. فمن ناحية، يمكن أن تعمل على زيادة الضغط على “حماس” لإطلاق سراح الرهائن مما يزيد بالتالي من إمكانية القيام بعمليات إنقاذ، مثلما اتضح حين أنقذت القوات الإسرائيلية أحد الرهائن بعد ثلاثة أيام من بدء الهجوم البري.

لكن من ناحية أخرى، فإن العمليات العسكرية تزيد أيضاً من الأخطار التي يتعرض لها الرهائن أنفسهم، الذين تستخدمهم “حماس” كدروع بشرية. وقد تُعقد صفقات إطلاق سراح الرهائن قبل انتهاء القتال عن طريق هدنات موقتة لأسباب إنسانية أو فتح ممرات آمنة، وسوف تبذل “حماس” قصارى جهدها لاستغلال أي تعليق للقتال من أجل عرقلة العمليات العسكرية الإسرائيلية وتأجيج التوترات بين الشعب الإسرائيلي والحكومة والقوات المسلحة والدول الأجنبية التي يتواجد عدد من رعاياها بين الرهائن.

وفي الوقت نفسه، اضطرت الحكومة الإسرائيلية إلى إخلاء عشرات المستوطنات الإسرائيلية من منطقة الحدود الجنوبية حول غزة والحدود الشمالية مع لبنان. حالياً، هناك حوالى 130 ألف إسرائيلي، أي أكثر من واحد في المئة من السكان، نازحين داخلياً. ويجب على إسرائيل أن تعتني بهذا العدد الكبير من السكان النازحين وتضمن أمنهم من التهديدات عبر الحدود في غزة ولبنان قبل أن يتمكنوا من العودة إلى منازلهم. ولن يتطلب ذلك تبني موقف دفاعي جديد وقوي فحسب، بل أيضاً إقناع الإسرائيليين بأنهم لن يجدوا أنفسهم في محنة أخرى مثل تلك التي وقعت في السابع من أكتوبر، أو ما هو أسوأ من ذلك. سبق أن بدأت بعض الأصوات تدعو جيش الدفاع الإسرائيلي إلى إنشاء مناطق أمنية، تمتد إلى ما هو أبعد من المناطق الحدودية المباشرة مع غزة ولبنان، لإبعاد تهديدات العدو عن حدود إسرائيل الجنوبية والشمالية.

وعلى رغم أن إسرائيل تستطيع أن تحقق الكثير في هجومها الحالي على غزة، إلا أن لبنان يظل يمثل مشكلة كبرى. بعد حرب عام 2006، دمر “حزب الله” بشكل صارخ مفهوم المنطقة العازلة مع إسرائيل، وهو مفهوم فرضه قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 1701. وتثبت الأعداد المتزايدة من القتلى في صفوف مقاتلي “حزب الله” أن فرقة الرضوان، وهي من قوات النخبة في الحزب، منتشرة على حدود إسرائيل وأن الحزب يشكل خطراً وشيكاً يحدق بالمستوطنات الإسرائيلية الشمالية التي تم إخلاؤها الآن. وإذا فشلت الدبلوماسية والأدوات الاقتصادية، إلى جانب القوة المحدودة، في إزالة التهديد، فلا بد من النظر في خيارات أخرى أكثر تكلفة.

غزة جديدة وإسرائيل جديدة

بمجرد أن تحقق إسرائيل أهدافها العسكرية ضد “حماس”، سيتعيّن عليها التعامل مع مسائل أكبر. الأولى هي كيفية تحقيق الاستقرار في غزة. لا يمكن لإسرائيل أن تكون مسؤولة عن الحكم في غزة، ولكن يتعين على الحكومة الإسرائيلية أن تتصرف بمسؤولية وأن تسمح للأطراف المعنية والشركاء بتوفير حاجات السكان المدنيين الفلسطينيين هناك ومنع عودة التهديدات الإرهابية إلى الظهور. سيكون الشركاء العالميون والإقليميون، بما في ذلك دول الخليج، وكذلك الدول الأعضاء في اتفاقات أبراهام وشركاء إسرائيل الإقليميون الأقدم، مصر والأردن، أساسيين في تأييد إدارة فلسطينية معتدلة وشرعية ومسؤولة، وتوفير الدعم السياسي والمالي لها، ومساعدتها على مواجهة المهمة الشاقة المتمثلة في إعادة الإعمار والحكم ومكافحة التطرف وتحقيق الاستقرار.

كذلك، فإن الجهود المبذولة لتطبيع العلاقات بين إسرائيل والسعودية، التي شكّلت حتى وقت قريب محط اهتمام كبير لكل من الحكومتين الأميركية والإسرائيلية، تعرضت لضربة قوية جراء هجوم “حماس” الرامي إلى تعطيلها. وعلى رغم أنه من المستبعد أن تحقق السعودية تقدماً كبيراً ورسمياً طالما أن الحرب مستمرة، إلا أنها تظل لاعباً مهماً في المساعدة في رسم مستقبل غزة والعلاقات الإسرائيلية- الفلسطينية، لا بل ربما قد يصبح دورها أكثر أهمية في هذا الوقت. في المقابل، يجب أن يكون دور قطر محدوداً، إذ إنها ضخت مليارات الدولارات إلى غزة، وزودت “حماس” بالموارد التي استخدمتها في بناء جيشها الإرهابي، ودعمت قضية الحركة من خلال تأثير قناة “الجزيرة” القوي في مختلف أنحاء العالم العربي، واستضافت قيادة “حماس” السياسية في الدوحة.

وبشكل أساسي، لا بد من أن تخضع غزة في نهاية المطاف لحكم سكان غزة والفلسطينيين الأكفاء، الذين يتلقّون دعماً إقليمياً ودولياً، يترافق مع إشراف دقيق يمنع عودة ظهور الإرهاب. ويمكن أن يكون للسلطة الفلسطينية دور قيادي محتمل هناك إذا استطاعت توحيد جهودها وحشد الدعم الشعبي والإقليمي والدولي، والالتزام بمنع الإرهاب، والتغلب على الجهود المضادة العنيفة من جانب “حماس” التي ستحاول بالتأكيد إعادة تجميع صفوفها بعد انتهاء العمليات الإسرائيلية الكبرى. تجدر الإشارة إلى أن تفويض الأمن والحكم الأساسي للجماعات الفلسطينية المعتدلة سوف يتماشى مع النهج الذي تتبعه المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تجاه الضفة الغربية، حيث وضعت قوات الأمن الفلسطينية وإسرائيل أهدافاً مشتركة تتمثل في مكافحة “حماس” وغيرها من الجماعات المتطرفة، لكنّه لا يتماشى كثيراً مع طريقة تفكير أعضاء الجناح اليميني في الحكومة الإسرائيلية الحالية، الذين ينظرون إلى السلطة الفلسطينية باعتبارها وكيلاً للإرهاب ليس أفضل بكثير من “حماس”.

عاجلاً أم آجلاً سوف يطالب الشعب الإسرائيلي بالمحاسبة والتغيير.

وعلى رغم أن الرئيس الأميركي جو بايدن أعرب عن أمله في حل الدولتين، إلا أن الظروف الحالية جعلت هذه الرؤية تبدو بعيدة المنال. وفي الحقيقة، كان الحفاظ على خيار حل الدولتين في المستقبل يشكل تحدياً بالفعل، نظراً للوضع المزري الذي تعيشه السلطة الفلسطينية والانقسامات السياسية الإسرائيلية المتزايدة في السنوات والأشهر التي سبقت السابع من أكتوبر. وبعد هذا التاريخ أصبح هذا الخيار مستبعداً أكثر. ومع ذلك، يصر الزعماء العرب والغربيون على أن السلطة الفلسطينية يجب أن تكون جزءاً من التسوية النهائية في غزة. وعلى رغم أن السلطة الفلسطينية نفسها غير متحمسة لحكم غزة فعلياً، إلا أنها تربط دورها هناك بإطار أوسع يتناول المشهد الفلسطيني برمته. إذن، يمكن الافتراض أن سيناريو ما بعد الحرب سيشمل عملية سياسية بمشاركة السلطة الفلسطينية والجهات الفاعلة الإقليمية، ربما كجزء من جهود التكامل الأوسع.

والأهم بالنسبة إلى إسرائيل هو ابتكار نهج أمني جديد لحماية حدودها والحفاظ على سلامة سكانها. وفي نهاية المطاف، فإن الأمن القومي الإسرائيلي يبدأ من الداخل. بعد تشكيل حكومة نتنياهو في ديسمبر (كانون الأول) 2022، شهدت البلاد شهوراً من الاضطرابات السياسية والاحتجاجات الواسعة النطاق المرتبطة بالتعديلات التي أجرتها الحكومة في النظام القضائي، مما أضعف قدرتها على الصمود والدفاع والردع وأسهم في منح أعدائها شعوراً بأنها لقمة سائغة. لقد أدّى الصراع في الضفة الغربية إلى تحويل الموارد والانتباه إلى الضفة، وإهمال حدود غزة، وفي الوقت نفسه، فإن الاتفاقيات مع “حماس” بشأن التدابير الاقتصادية عززت التصوّر السائد بأن التصعيد غير مرجح. كل هذه العوامل أسهمت في الفشل الاستخباري والعسكري والسياسي الكارثي الذي سمح بوقوع أحداث السابع من أكتوبر.

لقد تحمل وزيرا الدفاع والاستخبارات الإسرائيليان المسؤولية عن دورهما في ما حدث، ومن المؤكد أنهما سوف يستقيلان بعد انتهاء الحرب. في المقابل، رفض نتنياهو لغاية الآن تحمل المسؤولية عن الكارثة التي وقعت تحت قيادته وهو يناور بين التهرب والإنكار، واعداً “بإجابات بعد الحرب”. ويمكن لمفهوم الحرب الطويلة التي ما زالت غير محددة المدة حتى الآن، أن يسمح للحكومة الحالية بالبقاء في السلطة على رغم الأزمة غير المسبوقة في إسرائيل. ولكن، مع أنّ الجدول الزمني لا يزال غير معروف، فإن الشعب الإسرائيلي، المنخرط حالياً في المجهود الحربي، سوف يطالب عاجلاً أم آجلاً بالمحاسبة والتغيير.

الحرب في الداخل

مر شهر تقريباً منذ هجمات أكتوبر، ولكن الحرب في غزة لا تزال في بدايتها. ومن خلال شن هذه الحرب سيكون على إسرائيل أن تحقق أهدافها وأن تستمر في القتال من أجل إلحاق الهزيمة الدائمة بـ”حماس” على مدى الأعوام المقبلة. وحتى لو تم تجنب حرب أوسع نطاقاً الآن، بما في ذلك في الشمال ومع إيران، سوف يكون من الضروري تفكيك شبكة جيوش طهران الإرهابية المحيطة بإسرائيل، وذلك بالتأكيد قبل أن تحاول إيران التحول إلى قوة مسلحة نووياً. سوف تحتاج القيادة الدفاعية المقبلة في إسرائيل إلى إعادة بناء وتعزيز قدراتها في مجال الاستخبارات والإنذار المبكر، وقوتها العسكرية الحاسمة، وجيش الدفاع الخاص بها، ودفاعها المدني وقدرتها على الاستجابة الأولية، ودفاعاتها الحدودية، وترتيبات حماية المجتمع.

ونظراً لأن إيران تشن حرباً متعددة الجبهات ضد إسرائيل وأن التهديد الذي تشكله جيوشها الإرهابية بالوكالة يتزايد، فسوف يتعيّن على إسرائيل أن تولي أولوية وطنية قصوى لمواجهة “محور المقاومة” الإيراني خلال سنوات مقبلة. وفي الوقت نفسه، يتعيّن على إسرائيل تجنّب أن يعاني اقتصادها من أزمة “عقد ضائع”، كما حدث في منتصف سبعينيات القرن العشرين في أعقاب المفاجأة الاستراتيجية التي تسببت فيها حرب يوم الغفران في عام 1973. وإلى جانب استعراض قوتها العسكرية، لا بد من أن تعمل إسرائيل على تنمية وتعزيز علاقاتها مع الشركاء الإقليميين والعالميين، وتعزيز البنية الأمنية التي تقودها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، والبحث عن مسارات جديدة جريئة للخروج من الصراع الذي وصل إلى طريق مسدود مع الفلسطينيين.

ستحتاج إسرائيل إلى عملية تعافٍ طويلة ومؤلمة لاستعادة توازنها وتموضعها الدفاعي ورباطة جأشها. ولكن أولاً وقبل كل شيء، عليها أن تتصالح مع حقيقة أن هذه الحرب تختلف عن أي حرب خاضتها منذ سنوات عدة، وأنها يجب أن تغير نهجها في التعامل مع الأمن، وهما أمران سيستغرقان وقتاً طويلاً وجهداً استثنائياً. ولكن ما لم تلتزم إسرائيل بهذه المهام الأساسية بثبات، فقد تجد نفسها قريباً أمام أزمة مروعة أخرى. لكنّ الطاقة الموحدة التي جمعت البلاد منذ وقوع الهجمات تعطي الأمل في أن إسرائيل قادرة على الارتقاء إلى مستوى التحدي.