الحرس الثوري الإيراني.. بداية التشكيل ومآلات النهاية

الحرس الثوري الإيراني.. بداية التشكيل ومآلات النهاية

تمثل مؤسسة الحرس الثوري الإيراني أحد ركائز النظام الأساسية والتي يعتمد عليها في الحفاظ على تماسك الدولة واستمرار مشروعها السياسي الإقليمي وتنفيذ الأهداف والغايات التي دعى إليها الخميني في التمدد والنفوذ في منطقة الشرق الأوسط والوطن العربي،وأخذت أهميتها البارزة من ارتباطها المباشر بمكتب المرشد الأعلى مما جعلها في موقع بارز يختلف عن باقي مؤسسات وتشكيلات الدولة الإيرانية.
تم الاعداد لتشكيل قيادة الحرس الثوري منذ أكثر من (45) سنة بدأت أولى مراحلها بقوة صغيرة ثم امتدت لتكون عبارة عن شبكة واسعة ممتدة لها واجباتها الاستخبارية والأمنية وتحيطها عقيدة قتالية تجمع مابين السياسية والاقتصاد عبر مجاميع من الفصائل والمليشيات المسلحة في العديد من عواصم ومدن الوطن العربي وقارتي آسيا وإفريقيا.
واهتمت القيادة الإيرانية بتعزيز مكانة الحرس الثوري واعتبرتها قوة موازية للمنظومة العسكرية للجيش الإيراني واهتمت بما أطلق عليه ( تصدير الثورة الإسلامية)، ووسعت من دائرة أعمالها ونوعها بحيث أصبحت لديها قوتها الصاروخية والدفاعية واوكلت مهمة تطوير البرنامج النووي الإيراني لمجموعة من ضباط الحرس المعروفين بولائهم التام لقيادة المرشد الأعلى.
يتألف الهيكل التنظيمي للحرس الثوري من ( القوة البرية والجوية والبحرية والباسيج وفيلق القدس) وأضافت إليه مؤسسة ( خاتم الأنبياء) التي اعتبرت الذراع الاقتصادي للحرس الثوري واوكلت إليها مهمام تنفيذ مشاريع النفط والغاز والإنشاءات والاتصالات والتجارة العامة عبر العديد من الشركات والمؤسسات الاقتصادية والخدمية التي تم انشاؤها في محاولة للالتفاف على العقوبات الدولية، وأصبحت ترتبط ب(100) شركة وخصص لها ميزانية سنوية قُدرت ب (12) مليار دولار، وبدعم مباشر من المرشد الأعلى تمكن بعض من قيادات الحرس الثوري من دخول العمل السياسي والحصول على مقاعد كبيرة في مجلس الشورى والسيطرة على (12) لجنة من مجموع ( 23) أهمها لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية.
واتسعت دائرة الاهتمام السياسي والاجتماعي والاقتصادي لتشكيلات الحرس الثوري وأصبحت لديها من المؤسسات الخدمية ما تعنى بشؤون الشهداء والمضحين ورعاية عوائلهم وتقديم المعونات المالية والخدمات التعليمية والاجتماعية لهم ولافرادهم، ثم مؤسسة (تعاون الحرس الثوري) والتي تدير الاستثمارات الخاصة في مجالات العمل والتنمية الاقتصادية والتي تدر لهم أموال كثيرة تساهم في تحسين الأحوال المعيشية لأفراد الحرس وعوائلهم، وتأتي ( مؤسسة الكوثر الاقتصادية) بمسؤولياتها عن إدارة شركات متعددة في مجالات الزراعة والصناعة والخدمات العامة، وآخرها ( مؤسسة خاتم الأنبياء) وتعد من أهم الأذرع ذات النشاطات الاقتصادية في تنفيذ مشروعات ضخمة تهتم بانشاء الطرق والجسور وتصدير النفط والغاز وتعزيز التنمية الاجتماعية واستدامتها في قطاعات عامة.
وتنوعت اهتمامات القيادة الأمنية والعسكرية للحرس في توسيع اهتماماتها بالجوانب العلمية والمعرفية فأنشات ( جامعة الإمام الحسين) الخاصة بالدراسات العسكرية والعلوم الإنسانية والدينية وتعتبر مركزًا مهمًا لإعداد الكوادر المهنية التابعة لتنظيمات الحرس، ثم تشكيل ( منظمة التوجيه السياسي) التي تعنى بالإشراف على التثقيف الديني والفكري داخل وحدات الحرس وتنظيم دورات دينية وخطابات سياسية تعزز الولاء للمرشد الأعلى والنظام السياسي، وإعداد (منظمة تعبئة المستضعفين) وتمثل الركيزة الأساسية في تعزيز الجوانب الاجتماعية والأمنية والفكرية للمنضومين في تشكيلات الحرس وتمارس عملها داخل المساجد والجامعات والمدارس والهيئات الحكومية والأحياء السكنية وتنظيم الأنشطة الدينية وإحياء المناسبات الثورية وإعداد البرامج التعبوية للشباب.
الهدف الرئيسي لإنشاء الحرس الثوري هو حماية النظام ومكتسباته والدفاع عن مبادئه وتنفيذ مشاريعه السياسية وتعزيز قدراته ومهاراته للقيام بدوره على جميع الأصعدة الأمنية والعسكرية والاقتصادية، وبتقادم الزمن تحول إلى شريك رئيسي وفاعل في قطاعات البنية التحتية والطاقة والاتصالات والتجارة والذي كان له الأثر البالغ والكبير في الحفاظ على هيكلية النظام واستقراره والتمسك بمصالحه والدفاع عن أهدافه وتحقيق غاياته.
وانطلقت قيادة الحرس من هذا المنظور الميداني من التعامل مع المجتمع الإيراني بإعتباره قاعدة ثورية متماسكة يمكن توجيهها فكريًا وفق الرؤى التي تخدم سلامة النظام وديمومته، ولكن بسبب الأزمات الاقتصادية والاجتماعية تكررت العديد من الاحتجاجات الشعبية والمظاهرات الطلابية التي عبرت عن رفضها لسياسة النظام واسلوبه في إدارة الدولة وتعامله السياسي الإقليمي والدولي والذي أضرت بمصالح الشعوب الإيرانية التي اكتشفت أجهزة النظام الأمنية والاستخبارية ومنها الحرس الثوري أن المجتمع الإيراني لا يمثل كتلة واحدة في موالاة النظام، بل هناك من يؤديه وآخر يعارضه ومنها غالبية صامتة محايدة تنتظر أي متغير سياسي في المشهد الإيراني، كما أن تعدد القوميات في المجتمع وخصوصياتها جعل قيادة الحرس الثوري واجهزتها الاستخبارية تعيد نظرتها الميدانية في التعامل معها، فتم تشكيل وحدات أمنية تتولى الإشراف على العمليات الأستخبارية والمتابعات والأنشطة الأمنية، فجاء تأسيس ( مقر القدس) ليتولى المهمة في جنوب شرق إيران بمواجهة أنشطة الجماعات المسلحة في مناطق ( بلوشستان وسيستان) ومراقبة الحدود مع جمهورية باكستان وافانستان ، وإعداد مقر ( حمزة سيد الشهداء) في الشمال الغربي الإيراني لمتابعة نشاط الحركات والأحزاب الكردية ومواجهة أي تظاهرات احتجاجات لها، مما أدى إلى استحداث معسكرات ثابتة للحرس في مرتفعات شاهو وكوسالان بمحافظتي كردستان وكرمانشاه، وهناك إقليم الأحواز في جنوب غرب إيران الذي يعتبر من أهم المناطق الاقتصادية بموارده النفطية وموقعه الاستراتيجي المطل على الخليج العربي والذي لم تحسن أجهزة النظام التعامل مع سكانه وسعت إلى تغيير ديموغرافي فيه ليضم عدد من الأقليات ذات الانتماءات العرقية والمذهبية في سياسة استهدفت سكانه العرب مما أدى إلى مواجهة هذه الإجراءات والاضطهاد القومي بنشاط حركتي ( كتائب الأحواز) و ( الحركة العربية في الأحواز) الأمر الذي أدى إلى تعزيز الحمايات الأمنية من قبل تشكيلات الحرس الثوري، وثم التركيز على الجانب الأمني في حماية العاصمة (طهران) بإنشاء مقر ( ثأر الله) للتعامل مع كافة التهديدات الأمنية والاحتجاجات والاضطرابات داخل المدينة وحماية المؤسسات السيادية والأمنية والحساسة فيها، واعتماد مقر قيادة الحرس الثوري في العاصمة الإيرانية مركز لإدارة الأزمات وحلقة الوصل بين القوة العسكرية والسلطات السياسية والاقتصادية، وإدامة التواصل مع مقر ( ثامن الأئمة) الذي يتولى قيادة القوات البرية في شمال شرق إيران بتأمين حماية وسلامة الحدود.
تقدر أعداد قوات الحرس الثوري (125) ألف عنصر وتشمل مجموع الوحدات البرية والبحرية والجوية التابعة له، مع اشرافه على قوات الباسيج وهي قوة شبه عسكرية تستخدم في مواجهة وقمع الاحتجاجات الشعبية.
وأمام هذه المهام الواسعة والتشكيلات العسكرية والأمنية والأهداف والغايات التي تسعى إليها القيادات العليا في الحرس الثوري الإيراني، تأتي المهمة الأكبر والأكثر حضورًا في الميدان بتولي جميع الصفوف العسكرية التابعة لتشكيلات الحرس مسؤولية قيادة المواجهة مع الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل بتوجيه واسع للصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة نحو العمق الإسرائيلي وإطلاقها على عواصم دول مجلس التعاون الخليجي العربي والأردن والسيطرة على مضيق هرمز والتأثير على التجارة الدولية صادرات الطاقة العالمية، بعد أن امتلك أنظمة صواريخ بإمكانها حمل رؤوس عنقودية وصواريخ بعيد المدى ( خيبر شكن وشهاب وفتاح وقاسم 1) ومنظمومات للدفاع الجوي أسلحة للحرب الإلكترونية، وترى هذه القيادات أن النظام الإيراني لا يزال قائمًا ومتماسكًا ولم يفقد قاعدته الشعبية ولكنه بحاجة إلى اتخاذ إجراءات كفيلة تساهم في استقرار الأوضاع الداخلية وتعزيز الأمن بعيدًا عن التوتر والقلق وتهدئة الرأي العام بتصعيد الخطابات الشعبوية وتعزيز العلاقة بين مؤسسات الدولة وأبناء الشعوب الإيرانية، وهنا يمكن لنا أن نحدد مسار واضح بأن العلاقة التي سعت إليها قيادات الحرس الثوري في ترسيخها مع المجتمع الإيراني قد تحولت من طبيعة ثورية تعبوية إلى إدارة أمنية وافتقدت لروح المبادئ الأساسية التي بشر بها وعمل على تعزيزها في دعم النظام ومؤسساته كما كانت في أولى سنوات قيامه، فاغلبية المجتمع يتمثل بها حالة الصمت وأنها غير راضية عن سياسات النظام وتتعاطف مع مطالب الجماهير الغاضبة ولكنها لا تساهم في الاحتجاجات الشعبية ولكنها في نفس الوقت لا تنتمي لدعم أي تيار وجهة سياسية مؤيدة للنظام ولا تنتمي لأي فصيل من فصائل المعارضة الإيرانية وهي في غالبيتها من الموظفين العاملين في القطاع العام والخاص والتجار الذين يمثلون الطبقة الوسطى في المجتمع، ولكن يبقى لسكان المحافظات الكبرى دورًا فاعلًا في تشكيل أسس وركائز لمعارضة سياسية وأراء ثقافية علمية وخاصة في مدن ( طهران وأصفهان وشيراز وتبريز) ذات الكثافة السكانية العالية والتي تتميز بجامعاتها ومراكزها العلمية والمعرفية والثقافية وحضورها الاجتماعي المتطور، وكان لانتشار التعليم العالي في جموع الشباب الجامعيين والخريجين الجدد والذين يشكلون نسبة كبيرة من سكان إيران حيث متوسط العمر فيها يبلغ ( 35) سنة وهو ما يجعلها أكثر قدرة على الإصلاح والتغيير والتجديد.
افصحت المواجهة العسكرية الأمريكية الإيرانية الإسرائيلية عن الملامح التي بدأت تتمثل في طبيعة حركة وتوجهات قيادات الحرس الثوري فقد انتقل من عملية حماية النظام وعقيدته السياسية والفكرية من التهديدات الخارجية إلى أكثرها أهمية في العمل على إدارة التفاعل بين هذه التهديدات وتداعيات المواجهة العسكرية ونتائجها داخليًا واحتوائها ومنع أي أزمات اجتماعية اقتصادية قد تؤثر على ديمومة واستمرار النظام بالحفاظ عليه، تحسبًا من أي تغيير في مواقف أبناء الشعوب الإيرانية نتيجة الضغوط النفسية والمصاعب المعيشية التي قد تدفع بالغالبية منهم في تغيير مواقفهم من الدولة ونظامها السياسي الذي تعتبر حمايته جزء مهم من استراتيجية العمل الأمني والسياسي لقيادات الحرس الثوري، لأنها ترى في سقوط النظام تفكك لشبكاتها وهياكلها التنظيمية وإجراءاتها وضياع لأهدافها التي اعتمدتها في مسارها التنفيذي لمشروعها السياسي الإقليمي في الدعم المالي والعسكري الذي تقدمه للفصائل والمليشيات المتحالفة معها في الإقليم.
سقوط النظام الإيراني يعني تحول كبير في إعادة هندسة الأوضاع ضمن توزيع الأدوار في المشهد السياسي الداخلي، وتفكيك لشبكة الوكلاء المتحالفين مع الحرس الثوري مع وجود اقصاء وابعاد كبير للجهات والشخوص المرتبطة بقيادات الحرس، وأي تغيير قادم على الساحة الإيرانية مهما كانت أشكاله، يعني فتح ملفات تتعلق بأساليب القمع والتعسف والقتل والاغتيال والاعتقالات التي كانت تقوم بها عناصر الحرس وتشكيلاته الأمنية، والتي تعرضها للمحاسبة والقضاء والإحالة للمحاكم، وانهيار واسع لهذه المرجعية الحاكمة التي هيمنت على القرار السياسي وإدارة الدولة بالدعم الذي قُدم لها من قبل الدوائر المحيطة بالمرشد الأعلى والتي ضمنت لها الحماية الخاصه منه.
أن القيادات الميدانية العسكرية للحرس الثوري تسعى إلى إطالة زمن المواجهة العسكرية مع الولايات المتحدة وإسرائيل واعتماد سياسة ( الاستنزاف المستدام) مع التحوط في حماية الجبهة الداخلية واستقرارها ومنع أي تهديدات تأثيرات خارجية عليها، وهذا ما اقرته هذه القيادات في بيان لها في الأول من آذار 2026 باعتبار أي تعاون من قبل المواطنين على اختلاف قومياتهم ومذاهبهم مع أي استجابة خارجية تهدد الأوضاع الداخلية، أنها تعاون مباشر مع العدو وسيواجه من قبل استخبارات الحرس الثوري بأشد حالات الحزم.
أن عملية المواجهة أصبحت حالة وجودية اثبتها صحة الوقائع على الأرض، فقيادات الحرس ترى في استمرارها وجودًا لها رغم التضحيات والخسائر الكبيرة التي تتحقق بفعل الضربات الجوية الأمريكية والإسرائيلية والصواريخ بعيدة المدى في جميع المدن الإيرانية والمواقع العسكرية والأمنية والمنشآت النووية والتعليمية وما تم تصفيته من قيادات عليا في الدولة الإيرانية على كافة مستوياتها السياسية والعسكرية والأمنية، وأن بقائها وتمسكها بنظامها وعقيدتها العسكرية إنما يأتي من حالة الاستمرار وإثبات الوجود مهما طال أمد المواجهة العسكرية.

وحدة الدراسات الإيرانية 

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية