يتساءل كثيرون عن السبب الذي يجعل العراق في مقدمة المتضررين كلما اندلعت أزمة إقليمية، وهو ما تؤكده بيانات الأزمة الراهنة التي كشفت أن العراق كان الطرف الأشد تضرراً من تداعيات الحرب. والإجابة لا تكمن في طبيعة الأزمة ذاتها، بل في طبيعة البنية الداخلية للدولة العراقية.
الهشاشة.. المفهوم الذي يفسّر الظاهرة
باتت كلمة “الهشاشة” متداولة على نطاق واسع، غير أن كثيرين يجهلون مضمونها الحقيقي. والهشاشة بمفهومها الدقيق تعني ضعف منظومة مؤشرات الدولة بالقدر الذي يجعلها أكثر انكشافاً وأسرع تأثراً بأي اضطراب داخلي أو خارجي. وقد جسّد هذا المفهوم مؤشرُ الدول الهشة العالمي (FSI)، الذي صنّف العراق عام 2024 في المرتبة الحادية عشرة من بين 176 دولة ضمن قائمة الدول الأشد هشاشة في العالم.
أربعة محاور تحكم درجة الهشاشة
يرتكز المؤشر على أربع مجموعات رئيسية، لكل منها ثلاثة عناصر فرعية:
المجموعة الأمنية،
المجموعة الاقتصادية،
المجموعة السياسية،
والمجموعة الاجتماعية.
وتتمثل عوامل المجموعة الاقتصادية تحديداً في ثلاثة محاور هي: التدهور الاقتصادي، والتفاوت في التنمية، وهجرة الكفاءات والعقول — وهي محاور تعاني منها البيئة العراقية بصورة مزمنة.
حكومات ردود الأفعال.. جذر الأزمة
لطالما حذّرنا من خطر إهمال ترسيخ مبادئ الدولة وتعزيز مصادر قوتها. ومنذ أزمة أسعار النفط عام 2017، دأبت الحكومات المتعاقبة على نهج رد الفعل، إذ ظلت قراراتها رهينة التحديات اللحظية بدلاً من أن تنبثق من رؤية استراتيجية مستقبلية. وبهذا النهج تراكمت الأزمات الآنية، وتضخّمت الاستجابات الارتجالية، حتى باتت البرامج الحكومية لا تعدو كونها آلية لإخماد الحرائق، خالية من أي رؤية حقيقية للنمو والتنمية والاستدامة — مما أسهم بصورة مباشرة في تعميق هشاشة الدولة العراقية.
إن أردنا عراقاً أقل انكشافاً وأكثر قدرةً على تحمّل الصدمات الداخلية والخارجية، فلا مناص من العمل على تقوية المجموعات الأربع بصورة متوازنة ومتزامنة، مع إيلاء المجموعة الاجتماعية أولويةً خاصة باعتبارها الركيزة الأساسية للتماسك الوطني. والأهم من ذلك أن تُعالَج الأسباب الجذرية التي أوصلت البلد إلى هذا المستوى من الهشاشة، لا أن تُكتفى بمعالجة أعراضها في كل مرة تضرب فيها أزمة جديدة.
المهندس منار العبيدي
