العلاج الباكستاني لسلام مستدام

العلاج الباكستاني لسلام مستدام

إياد العناز

أعطت المبادرة الباكستانية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران دورًا سياسيًا اقليميًا مهمًا للقيادة الباكستانية لطبيعة العلاقة الوثيقة والمصالح المشتركة التي تربطها بالبلدين، فهي تتمتع بحضور دبلوماسي وتقدير من قبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وخاصة الجنرال ( عاصم منير) رئيس أركان الجيش الباكستاني، وتمتلك علاقة اقتصادية تجارية مهمة مع إيران وكونها إحدى الدول المجاورة لها وهناك العديد من المواضيع الامنية التي تهم البلدين في حماية الحدود وتبادل المعلومات ذات الطابع الإستخباري وخاصة فيما يتعلق بالنشاطات المسلحة التي يقوم بها المسلحون البلوش الباكستانيين الذين يستخدمون في بعض الأحيان العمق الإيراني كملاذ آمن لهم من ملاحقة ومتابعة القوات العسكرية والأمنية الباكستانية.
أن المواجهة العسكرية الأمريكية الإيرانية الإسرائيلية أدت إلى ظهور مسارات من التأثير الدولي والإقليمي في الأحداث الميدانية وما يتعلق بحماية المصالح والمنافع الاقتصادية لبلدان العالم، التي رأت نفسها أمام مشكلة كبيرة تتعلق بالطاقة وارتفاع أسعارها وحالة الحصار الذي تفرضه إيران في مضيق هرمز والذي كان من نتائجها فرص الحصار البحري الأمريكي في البحر العربي ومضيق هرمز وعمان على كل ما يتعلق بالصادرات الواردات الإيرانية وعلى جميع السفن والناقلات التي ترسو في الموانئ الإيرانية، ومن هنا برزت العديد من المحاولات والاتصالات الإقليمية التي حاولت العمل على إيقاف القتال وجلوس كل من واشنطن وطهران إلى طاولة المفاوضات لإيجاد مخرج ملائم وقرار سياسي واقتصادي ينهي حالة المواجهة ويؤدي لاتفاق شامل لكل القضايا التي تتعلق بالنزاع العسكري والاسباب التي أدت إلى وقوعه، فكانت المبادرة الباكستانية التي حظيت بقبول الإدارة الأمريكية والمسؤولين الايرانيين والتي كشفت عن حقيقة العلاقة الوطيدة لاسلام آباد مع البلدين وقدرتها على التواصل بينهما في وقت تراجعت جميع الحلول السياسية والوساطات الدبلوماسية لعديد من الدول وانحصار تأثيرها وإمكانية قدرتها على إيجاد قنوات للحوار الأمريكي الإيراني.
وكان للدور الذي تتمتع به القيادة الباكستانية مع دول مجلس التعاون الخليجي العربي وخاصة المملكة العربية السعودية بعد توقيعها لاتفاقية الدفاع المشترك بينهما في آيلول 2025 بالرياض،والتي دخلت مرحلة التنفيذ في نيسان 2026 عبر نشر طائرات آف 16 وأفراد من القوات العسكرية الباكستانية في قاعة الملك عبد العزيز ، بهدف تعزيز الأمن الوطني والردع ضد التهديدات الإقليمية والارتقاء بالتعاون الاستراتيجي العسكري والدفاع المشترك للبلدين وتنص الاتفاقية على أن أي اعتداء على طرف يُعد اعتداء على الآخر، وتتضمن تعاوناً عسكرياً وثيقاً والقيام بنشر قوات جوية باكستانية في الأراضي السعودية، والتي تمت التوقيع عليها من قبل ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس وزراء باكستان شهباز شريف في 17 آياول 2025.
تهدف الخطوة الباكستانية إلى طمأنة المملكة العربية السعودية بأن القيادة الباكستانية على استعداد دائم للمساعدة في الدفاع عن المملكة في حال وقوع هجمات إضافية من إيران، بعد قيامها بشن سلسلة من الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة على الأراضي السعودية منذ بداية مواجهتها العسكرية مع الولايات المتحدة، مستهدفة مواقع استراتيجية تتعلق بالبنية التحتية العسكرية وشؤون الطاقة.
اتفاقية التعاون والدفاع المشترك مع الرياض منحت اسلام آباد مكانة وثقة كبيرة في العلاقة الخليجية العربية واسهمت في تعزيز دور الوساطة الدبلوماسية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، كما أعطت للباكستان دورًا اقليميًا حظي بمكانة مرموقة لدى الرئيس ترامب ورأت فيه الحكومة الباكستانية مجالًا واسعًا لتحسين علاقتها الاستراتيجية مع الإدارة الأمريكية وعودتها إلى بداياتها بعد سنوات من التوتر ورفع مستوى الدور السياسي للباكستان في علاقاتها الدولية وقدرتها على حل الأزمات التي تحيط بالاقليم.
تحاول الباكستان العمل باتجاه تخفيف حدة التصعيد بين واشنطن وإيران، وتمكنت من عقد الجولة الأولى من المفاوضات في عاصمتها ( اسلام آباد)، وتسعى جاهدة لعودة واشنطن وطهران إلى الحوار الدبلوماسي والمفاوضات السياسية ومنع أي عملية تؤدي إلى الأضرار بوقف إطلاق النار، بل تسعى إلى تمديده لإعطاء فسحة من الوقت لتحقيق غاياتها وأهدافها في نجاحها على مسارات محددة توصل لاتفاق شامل ينهي حالة القتال بين جميع الأطراف، وايقاف جميع التصريحات والتهديدات التي تطلق من الجانبين، خاصة التهديد الإيراني باستخدام الصواريخ المضادة للسفن وزرع الألغام البحرية واستخدام الزواق السريعة وتحويل الحصار القائم في مضيق هرمز لساحة قتال مفتوحة مما يزيد من حدة التوجه الأمريكي في العمل على التدخل العسكري المباشر وعبر زيادة انتشار القوات الامريكية في سواحل البحر العربي وعند مضيق هرمز والتلويح باستمرار الحصار البحري لإيران ومنعها من استخدام موانئها في عمليات التحميل والتجارة وتصدير النفط والغاز.
إيران تعمل على الهيمنة والسيطرة على مضيق هرمز التحكم به كممر بحري حيوي لإعادة صياغة قواعد الاشتباك في منطقة مهمة تعتبر من أكثر الأماكن أهمية في التجارة الدولية صادرات الطاقة من النفط والغاز والمواد الأساسية في الصناعات الثقيلة.
استطاعت القيادة الباكستانية أن تعيد صياغة جهدها الدبلوماسي بعد انتهاء جولة المفاوضات الأولى التي جرت بين الإدارة الأمريكية وإيران ولم تصل إلى حافة الانهيار أو طريق مسدود بل تم خلالها التوصل إلى تفاهمات إيجابية لعدد من النقاط، ويؤخذ التحرك الباكستاني مدياته الواسعة الان في مسألتين مهمتين تتعلق بانشطة تخصيب اليورانيوم والدور الإقليمي الإيراني، وتم التواصل مع الصين باعتبارها الحليف الاستراتيجي لإيران وتتمتع بعلاقة وثيقة مع باكستان من أجل دعم المبادرة الدبلوماسية الباكستانية والعمل سوية على إزالة الخلاف في النقاط الأساسية للبرنامج النووي الإيراني والسعي للتوصل لآلية ترضى الطرفين، منها ما يتضمن إمكانية معالجة عملية تخصيب اليورانيوم في الأراضي الإيرانية ووضع جدول زمني لها وتعطيل النشاط النووي لإيران ليكون تحت إشراف دولي من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتشعر القيادة الصينية ان استمرار المواجهة العسكرية الأمريكية الإيرانية الإسرائيلية تهدد النظام الدولي وتنذر بأزمة كبيرة تهدد فيها المصالح العليا لدول العالم، ولهذا فهي تساهم في عملية الوساطة والدبلوماسية لإعادة تشكيل النظام الإقليمي وتحقيق مصالحها والحفاظ على وجودها ودورها الاقتصادي في منطقة الشرق الأوسط والوطن العربي، تعتمد الصين على النفط الإيراني بنسبة 70-80٪ ويشكل جزءًا أساسيًا من وارداتها للطاقة، وتدرك جيدًا أن أن إيقاف بتدفق النفط الإيراني إليها سيكون ضربة اقتصادية كبيرة لها كون اغلب كميات النفط المصدرة نحوها ينقل عبر مضيق هرمز على متن ناقلات نفطية صينية، والحصار البحري الأمريكي وغلق المضيق من قبل الإيرانيين يشكل عائق كبير ومشكلة رئيسية لإمدادات الطاقة إليها، وهي لا ترغب عمليًا في إثارة الولايات المتحدة الأمريكية أو الخلاف معها في وقت تنتظر القيادة الصينية زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للعاصمة ( بكين) في لقاء تاريخي يعيد رسم العلاقات بين البلدين على أسس ومرتكزات مهمة تحدد مسار العمل المشترك بينهما ورسم ملامح التنسيق الميداني في الجوانب الاقتصادية والاستثمارات المالية والأبحاث العلمية والتقنية.
تحاول الصين العمل بشكل هادئ ومتوازن بدعم المبادرة الباكستانية ومنع إيران من زيادة رفع التكلفة المالية في إجراءاتها بغلق مضيق هرمز والتأثير على التجارة الدولية وسوق الطاقة العالمي، كما أن الصين في توجهها السياسي والاقتصادي لا ترغب في تعزيز الحضور الأمريكي في منطقة الخليج العربي والهيمنة على الممرات المائية كونه يشكل ضغطًا سياسيًا واقتصاديًا نحوها قد تستخدمه الولايات المتحدة الأمريكية في أي خلاف مستقبلي أو تفاوض وحوار دبلوماسي.
يبقى العامل الأساسي والرئيسي في الوصول لنتائج إيجابية تعزز المبادرة الباكستانية هي الدور المحوري الذي يضطلع به الجنرال ( عاصم منير) وقدرته على إدارة دفة الحوار والوصول لقناعات مشتركة لكل من واشنطن وطهران تساهم في حلحلة المشاكل بينهما معتمدًا على حضوره السياسي وشخصيته الفاعلة القريبة من الدولتين والعمل بشكل متوازي لمنع حالة أي انهيار للجهد الدبلوماسي الباكستاني وإيجاد نقطة تحول رئيسية في العقلية السياسية والقيادية للوفد الإيراني المفاوض مع ما يبديه من تشدد وتمسك بالأبعاد العقائدية والأيديولوجية، ولكن الجانب الباكستاني يفهم جيدًا خيارات إيران البراغماتية من أجل الحفاظ على نظامها السياسي ويعمل من خلالها لتوظيفها في نجاح مساعيه الدبلوماسية باقناعها عن التخلي عن السقف العالي الذي وضعته لإنهاء المواجهة العسكرية وبضمانات إقليمية وعدم العودة للخيار العسكري ومحاولة إقناع جميع الأطراف السياسية الإيرانية بمحمل الرؤية الباكستانية والتي كانت محور اللقاءات الثنائية التي إجراها الجنرال ( عاصم منير) خلال زيارته لإيران، كما يعمل جاهدًا في تحديد التوجهات الأمريكية ومحاولة إيجاد صيغ محتملة لتقريب وجهات النظر بين شروط الوفد المفاوض الأمريكي وما يسعى إليه من أهداف مع الغايات الرئيسة للإيرانيين في تفاوضهم حول رفع العقوبات الاقتصادية وإطلاق الأموال المجمدة وإعادة إيران لسوق الطاقة العالمي وتحديد الآفاق المستقبلية للعلاقة الأمريكية الإيرانية مع الوصول لاتفاق شامل برضى جميع الأطراف فيما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني وتحييد مسارات العمل في تطوير الصواريخ الباليستية والدور الإقليمي الإيراني في الإقليم.

وحدة الدراسات الإيرانية

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجة