الباحثة شذا خليل*
لم يعد ارتفاع أسعار النفط خبراً اقتصادياً عادياً… بل تحوّل إلى أزمة معيشية حقيقية داخل العراق. فبينما تقف الأسعار العالمية فوق حاجز 90 دولاراً للبرميل، يجد المواطن العراقي نفسه أمام موجة جديدة من الغلاء، لا ترحم دخله ولا تترك له مساحة للتكيف.
المفارقة الصادمة أن العراق، وهو أحد أكبر المنتجين للنفط، لا يعيش وفرة بل يواجه ضغطاً متزايداً في أسواقه الداخلية. فكلما ارتفعت أسعار النفط عالمياً، ترتفع معها كلفة الحياة محلياً. النقل، الغذاء، الخدمات… جميعها تتحرك صعوداً، وكأن السوق العراقية مرتبطة مباشرة بأزمات الخارج أكثر من ارتباطها بقدراتها الداخلية.
الأزمة لا تقف عند حدود الأسعار فقط، بل تمتد إلى عمق البنية الاقتصادية. اعتماد العراق شبه الكامل على الاستيراد يجعل أي ارتفاع عالمي ينتقل فوراً إلى جيب المواطن. ومع كل زيادة في تكاليف الشحن والطاقة، ترتفع أسعار السلع في الأسواق المحلية، بينما يبقى دخل المواطن ثابتاً، بل يتآكل تدريجياً تحت ضغط التضخم.
أما مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من نفط العالم، فقد تحوّل من ممر تجاري إلى نقطة اختناق تهدد استقرار السوق. أي توتر فيه يعني ببساطة: أسعار أعلى، قلق أكبر، وسوق أكثر اضطراباً. ومع كل خبر عن إغلاق أو تهديد، تقفز الأسعار عالمياً… ويبدأ تأثيرها فوراً في الأسواق العراقية.
وفي الوقت الذي تسجل فيه الدولة إيرادات نفطية أعلى، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: أين يذهب هذا الفائض؟ ولماذا لا ينعكس على حياة المواطن؟ الواقع يشير إلى فجوة واضحة بين تحسن الإيرادات العامة وتدهور القدرة الشرائية للأفراد، وهو ما يعكس خللاً هيكلياً في إدارة الموارد وتوزيعها.
الاستثمار أيضاً ليس بمنأى عن هذه الفوضى. فالتوترات الأمنية والسياسية في المنطقة تدفع المستثمرين إلى التراجع، وتزيد من حالة الحذر، ما يعني فرص أقل للنمو وفرص عمل أضعف، في وقت يحتاج فيه الاقتصاد العراقي إلى كل فرصة ممكنة للخروج من دائرة الاعتماد على النفط.
الحقيقة القاسية أن ما يحدث اليوم ليس مجرد أزمة أسعار، بل اختبار حقيقي لهشاشة الاقتصاد العراقي. اقتصاد يعتمد على مورد واحد، ويتأثر سريعاً بأي صدمة خارجية، دون وجود شبكة أمان تحمي المواطن.
وفي النهاية، يبقى المواطن العراقي هو من يدفع الثمن. لا لأنه جزء من الصراع، بل لأنه يعيش في اقتصاد يتأثر به دون أن يملك أدوات مواجهته. وبين ارتفاع النفط عالمياً وغلاء الأسعار محلياً، تتسع الفجوة… ويزداد العبء.
وحدة الدراسات الاقتصادية / مكتب شمال امريكا
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية
