اياد العناز
لازالت أولويات المفاوضات الأمريكية الإيرانية قائمة على ثوابت واضحة ومعلومة لدى الطرفين، تتعلق بشروط أمريكية لتفكيك البرنامج النووي الإيراني وتسليم اليورانيوم المخصب بنسبة 60٪ وبوزن 440 كغم لواشنطن وفتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية والتجارة العامة وتحديد مديات الصواريخ الباليستية وانكفاء طهران عن دعم الفصائل والمليشيات المسلحة التي تتلقى الدعم من قبل قيادات فيلق القدس والحرس الثوري وتساهم في تنفيد أجندات المشروع السياسي الإقليمي الإيراني، فيما تتمسك إيران بدعوتها لفك الحصار البحري الأمريكي والمطالبة بتعويضات مالية بسبب الخسائر الكبيرة التي أوقعتها الضربات الجوية الأمريكية الإسرائيلية مع بداية المواجهة العسكرية في 28 شباط 2026.
أمام هذه المنعطفات الميدانية والثوابت السياسية يتقدم الموقف الباكستاني ليكون وسيطًا مهمًا ساعيًا لابقاء حالة التواصل بين واشنطن وطهران بعيدًا عن أي تطورات خلافية قد تفضي إلى عودة المواجهة من جديد، وهذا ما تسعى إليه الجهود السياسية والأمنية التي يحرص عليها الجنرال ( عاصم منير) رئيس أركان الجيش الباكستاني ولقاءاته المباشرة مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في اسلام آباد أثناء زيارة الاخير إليها في 25 شباط 2026 والتي أكد على ضرورة استمرار عملية الحوار الدبلوماسي والتفاوض السياسي، ولكن الرسالة التي أرسلها المسؤولين الإيرانيين بيد عراقجي لم تتضمن الرد الكامل على ما تطالب به إدارة الرئيس دونالد ترامب وما أشار إليه الوفد الأمريكي المفاوض في أولى جولات الحوار التي تمت بعد إيقاف القتال بحضور المسؤولين الباكستانيين، وهو ما آثار حفيظة الرئيس ترامب الذي أوقف عملية ارسال الوفد الأمريكي لعقد جلسة التفاوض الثانية في اسلام آباد واكتفى بالقول ( نحن ننتظر اتصال الإيرانيين بنا)، لأن الرد الإيراني بقي ثابتًا في عدم الموافقة على مناقشة عملية تخصيب اليورانيوم والنسب المنتجة منه والكمية المخزونة لديهم، وأن أي عملية معاودة للتفاوض لا تتم الا برفع الحصار البحري الأمريكي لموانئها وسواحلها البحرية، وهذا مالم يروق للرئيس الأمريكي دونالد ترمب الذي كان ينتظر الوصول إلى أولويات محددة بالبرنامج النووي تفضي لاتفاق شامل لجميع القضايا والنقاط المركزية في الحوار بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران.
الأبعاد الاقتصادية للحصار البحري الأمريكي قد حقق عديد من أهدافه ولامس تأثيره أدوات الاقتصاد الإيراني وزاد من حدة الأزمات الاجتماعية والاقتصادية التي يعاني منها النظام الإيراني والتي تنعكس بشكل مباشر على الأوضاع الداخلية وطبيعة الحياة المعاشية لأبناء الشعوب الإيرانية والتي يسعى المسؤولين الإيرانيين إلى عدم تصاعد حدتها والحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية دون حدوث أي اشكاليات تؤدي إلى حالة من التظاهر الاحتجاج الشعبي، فإيران تعتمد في تأمين احتياجاتها الأساسية على موانئها الممتدة في سواحل الخليج العربي وبنسبة 89٪ وهذا ما أثر على انسيابية وصول المواد الأساسية إليها بعد الحصار البحري الأمريكي على جميع السفن الإيرانية والناقلات والبواخر التي تنطلق من الموانئ الإيرانية أو التي تتجه إليها، وهو ما يؤثر على الصادرات والواردات الإيرانية التي تبلغ خسائرها يوميًا ما بين 400-500 مليون دولار في حين أن اعتمادها على وارداتها الغذائية وموادها الأساسية من ميناء أنزلي على سواحل بحر قزوين يكون بنسبة 11٪، وهذا ما شكل ضغطًا سياسيًا واقتصاديًا بدأت الولايات المتحدة الأمريكية تدركه وتعلم حقيقة المأزق الذي تعانيه إيران نتيجة الحصار البحري الذي أصبح أكثر فائدة وحضورًا لأمريكا وأقل تكلفة مادية بشرية في استمرار سياسة الضغط الأقصى على طهران لاجبارها بقبول الشروط الأمريكية والعودة لطاولة المفاوضات.
القناعة السياسية لدى إدارة الرئيس الأمريكي أن إيران تفتقد الرأي الواحد وأن الانقسام قائم في أروقة النظام السياسي الحاكم في طهران بسبب غياب القيادات الفاعلة والتي كانت لها حضورها في المشهد السياسي الإيراني، فمع بداية المواجهة العسكرية كان لصنع القرار في إيران ركائز واضحة بوجود المرشد الأعلى علي خامنئي وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني وعديد من القيادات الذين يمتلكون خبرة في التعامل مع الغرب وتحديدًا وزير الخارجية عباس عراقجي الذي يعتبر شخصية دبلوماسية متمرسة وله دور فعال مع محمد جواد ظريف في إتمام اتفاق تموز 2015 الخاص بالبرنامج النووي الإيراني، ولكن معظم هذه القيادات تم اغتيالها عبر عمليات استخبارية ومتابعة ميدانية من قبل القيادات الأمنية والاستخباراتية الإسرائيلية وتم تصفيتها بضربات جوية صاروخية استهدفت أماكنهم ومحل تواجدهم.
ويمكن استعادة الظروف الميدانية التي طرأت على النظام الإيراني بهيمنة وسيطرة قيادات الحرس الثوري على مقاليد الحكم واتخاذ القرارات الحاسمة المتعلقة بالعلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية والتفاوض معها، وهذا ما يمكن ملاحظته عندما أعلن وزير الخارجية عباس عراقجي فتح مضيق هرمز للملاحة الدولية وتسير السفن والناقلات الحاملة للطاقة، طبقًا لاتفاق وقف إطلاق النار واعتماد هدنة لمدة أسبوعين بطلب من القيادة الباكستانية مما أنعش حركة التجارة العالمية وسوق الطاقة الدولية بعد الاعلان الإيراني ، ليأتي قرار سياسي وعسكري من قبل الحرس الثوري ينقض ما أعلنه عراقجي خلال ساعات ولينشر موقع (تسنيم) التابع للحرس كلامًا أعلن فيه ما يلي : (تغريدة عراقجي السيئة والناقصة والغموض الكاذب بشأن إعادة فتح مضيق هرمز) والتي أدت إلى إعادة غلق مضيق هرمز ونتج عنها بدايات للحصار البحري الأمريكي.
جاء قرار الرئيس ترامب بعدم ارسال المبعوثين الخاصين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى العاصمة الباكستانية ( اسلام آباد) لعدم وجود من يمتلك القرار فعليًا في طهران مع ازدياد حالة الغموض بشكل لافت حول من يملك سلطة التفاوض وإمكانية توقيع اتفاق شامل في هيكلية النظام الإيراني، وأيقنت الولايات المتحدة أنها تتفاوض مع لجنة منقسمة تضم متشددين وبراغماتيين تفتقر إلى موقف موحد ومتماسك، كما أن وزير الخارجية عباس عراقجي ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف لا يمتلكان سلطة تحديد موقف إيران التفاوضي بشكل مستقل، وتصاعد حدة التصريحات مع أي اتفاق على موعد لإعادة الحوار الدبلوماسي الذي تتأخذه باكستان أساسًا في سعيها المحوري، ومنها ما صرح به نائب وزير الخارجية الإيراني سعيد خطيب زاده لوكالة أسوشيتد برس في 18 نيسان 2026 بالقول (إن نقل مخزون اليورانيوم المخصب إلى الولايات المتحدة غير مطروح) مع عدم إعطاء أي خيارات أخرى، وكذلك ما هدد به مستشار السياسة الخارجية الإيراني ( علي أكبر ولايتي) باعتماد صيغة استراتيجية واضحة، في تحريك الوضع القائم في باب المندب والتأثير أمنيًا على طبيعة استقبال ومرور الناقلات والسفن التجارية خلاله والتلويح بقوة الحوثيين هناك باعتبارهم حليفًا استراتيجيًا لإيران.
بدأت التوجهات الأوربية فاعليتها في اعتماد رؤية متوازنة في كيفية التعامل مع خزين إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة 60٪، ورأيها بعودة الوكالة الدولية للطاقة الذرية لعملها داخل الأراضي الإيرانية وأن تكون حالة ضرورية وعملية تقنية قبل معاودة المفاوضات الأمريكية الإيرانية، خاصة بعد أن إعلان الاستخبارات الأمريكية عن وجود 1200 كغم من اليورانيوم المخصب بنسبة 20٪ بعيدًا عن كمية المخزون من اليورانيوم البالغ (441) كغم بنسبة 60٪ الموزع في منشأت ( فوردو ونطنز وأصفهان) ، وهناك (6) آلاف من اليورانيوم المخصب بنسبة 5٪، وهذا ما يعيد الاهتمام الأوروبي ودوره في إمكانية إيجاد حلول مناسبة للحيلولة دون العوده للمواجهة العسكرية بين واشنطن وتل أبيب وطهران.
أن ما يحدث في باكستان ليس حدثًا سياسيًا ودبلوماسيًا بل هو بداية ميدانية وفق أصول منهجية ووسائل فاعلة قد تمتد لوقت طويل تتحدد بموجبها أوضاع سياسية ومتغيرات ميدانية تخص الأوضاع الدولية والإقليمية، وترى الولايات المتحدة الأمريكية وإيران أن القيادة الباكستانية هي الشريك المهم الموثوق لديهما كونه على حالة من التوازن والفهم المشترك والقاسم الاعظم للشروط الأمريكية والطروحات الإيرانية والقادر على المساهمة في عملية إدامة زخم المفاوضات ومنع العودة للقتال والسعي لتعزيز الأمن والسلم العالمي في منطقة الشرق الأوسط والوطن العربي.
وكان للعلاقة الوثيقة التي تربط الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالقيادة الباكستانية وخاصة الجنرال ( عاصم منير) دورًا رئيسيًا في قبول الهدنة العسكرية وإيقاف القتال والبدأ بمفاوضات مع إيران، مع العلاقات الوثيقة التي تربط اسلام آباد بالقيادة السعودية والثقة التي تحظى بها من قبل المسؤولين الإيرانيين، شكلت جميعها نقاط بارزة وأدوات فاعلة ليكون الدور الباكستاني ايجابيًا ومحوريًا وراعيًا للسلام وتحقيق اتفاق سياسي واقتصادي وأمني يفضي لحل جميع المعضلات القائمة بين واشنطن وطهران وينهي سلسلة من المواجهات العسكرية والبدأ بحوارات دبلوماسية لتحقيق آفاق مستقبلية لاتفاق شامل يرضي جميع الأطراف وينهي عملية تعطيل لإمدادات الطاقة التي من الممكن أن تدفع الاقتصادي العالمي لحافة الانهيار.
وحدة الدراسات الإيرانية
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجة
