لم يعد من الدقيق القول إن الفحم هو المستفيد الأكبر من أزمات الطاقة العالمية. فمع تصاعد التوترات حول مضيق هرمز، يتكشف واقع أعمق: أمن الطاقة لم يعد مجرد تأمين الإمدادات، بل أصبح مرتبطًا بالتحرر منها. وبينما قد يشهد الفحم انتعاشًا مؤقتًا، فإن الطاقة المتجددة، وعلى رأسها الطاقة الشمسية، تبرز كالرابح الاستراتيجي الحقيقي.
يُعد مضيق هرمز أحد أهم نقاط الاختناق في النظام الطاقي العالمي، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط والغاز المسال. وأي اضطراب فيه يؤدي فورًا إلى ارتفاع الأسعار، وتعطل سلاسل الإمداد، ودخول الدول المستوردة للطاقة في سباق لإيجاد بدائل. تقليديًا، كان هذا يعني العودة إلى الفحم، خاصة في دول مثل الهند التي تمتلك احتياطيات كبيرة منه. لكن هذا الحل بات يُنظر إليه بشكل متزايد على أنه مؤقت ومكلف اقتصاديًا.
ما يميز المرحلة الحالية هو التقدم الكبير في تنافسية الطاقة المتجددة. فالطاقة الشمسية، على وجه الخصوص، تقدم بديلاً جذابًا، إذ لا تعتمد على ممرات بحرية أو تقلبات جيوسياسية. وبمجرد تركيبها، توفر مصدر طاقة مستقرًا بتكلفة يمكن التنبؤ بها. بالنسبة للدول التي تعتمد على استيراد الطاقة، فإن ذلك يمثل تحولًا استراتيجيًا وليس مجرد خيار بيئي.
اقتصاديًا، لم يعد تجاهل الطاقة الشمسية ممكنًا. فقد انخفضت تكلفتها بشكل كبير خلال العقد الماضي، وأصبحت سرعة تنفيذ مشاريعها أعلى من أي وقت مضى. ومع ارتفاع فواتير استيراد الوقود، تتجه الحكومات إلى تسريع الاستثمار في الطاقة المتجددة لتقليل تعرضها للصدمات الخارجية. فكل مشروع شمسي جديد يعني تقليل الاعتماد على الأسواق العالمية المضطربة.
كما أن التباين بين أنظمة الطاقة القديمة والجديدة أصبح أكثر وضوحًا. ففي مواقع مثل محطة أجيوس ديميتريوس للطاقة، حيث تتجاور محطات الفحم مع الألواح الشمسية، يتجسد التحول العالمي. صحيح أن الفحم لا يزال يلعب دورًا في تلبية الطلب، لكنه يفقد مكانته تدريجيًا أمام البدائل النظيفة.
هناك اتجاهان رئيسيان يدعمان هذا التحول. الأول هو إعادة تعريف أمن الطاقة، حيث لم يعد الهدف فقط حماية طرق الإمداد، بل تقليل الاعتماد عليها. والثاني هو استمرار تأثير الالتزامات المناخية، حتى في ظل الأزمات. وهنا تبرز الطاقة المتجددة كحل يجمع بين الاستقرار والاستدامة.
إن اضطراب مضيق هرمز لا يرفع الأسعار فحسب، بل يسرّع التحول الهيكلي في سوق الطاقة. فالدول التي كانت ترى في الطاقة المتجددة خيارًا ثانويًا أصبحت تعتبرها بنية تحتية أساسية. ويتم الآن نشر مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وأنظمة التخزين ليس فقط لتحقيق أهداف بيئية، بل كدرع اقتصادي ضد التقلبات العالمية.
في هذا السياق، يبدو انتعاش الفحم مجرد حل مؤقت، بينما التغيير الحقيقي يحدث في توسع الطاقة المتجددة. قد تكون الأزمة قد بدأت كصراع على طرق الطاقة التقليدية، لكنها قد تنتهي بتسريع الابتعاد عنها.
الخلاصة واضحة: الأزمات الجيوسياسية لم تعد تهدد أسواق الطاقة فقط، بل أصبحت تدفع نحو إعادة تشكيلها. وفي هذا التحول، لا تكتفي الطاقة المتجددة بالازدهار، بل تعيد رسم مستقبل الطاقة العالمية.
وحدة الدراسات الاقتصادية / مكتب شمال امريكا
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية
