
أعطت المواجهة العسكرية الأمريكية الإيرانية الإسرائيلية فسحة من تباين المواقف السياسية الدولية والإقليمية وكانت لها وقعها الميداني الذي اتصف بعديد من التصريحات الدبلوماسية والإعلامية التي أعلنت عنها جهات رسمية َووزارات سيادية اهتمت بمتابعة حثيثة لمجمل التطورات على الأصعدة كافة وعلى طبيعة سير ونتائج الضربات الجوية والصاروخية التي انطلقت منذ يوم 28 شباط 2026 وآثرها على المتغيرات السياسية والموابف الميدانية.
وكانت القيادة التركية من الدول الإقليمية التي تابعت باهتمام بالغ وحضور سياسي فاعل ما حدث من عمليات قتالية وتصعيد عسكري بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران وإسرائيل، وتبنت خطابًا دبلوماسيًا هادئًا ومتوازنًا رافضًا للتصعيد داعمًا للاستقرار حاضرًا للمشاركة في الحوار السياسي والتفاوض الدبلوماسي لحل جميع الخلافات بين الأطراف المتنازعة وصولًا لحل سياسي واتفاق شامل يرضي الجميع.
أكد الموقف الرسمي التركي على احترام سيادة البلدان والالتزام ببنود مضامين القانون الدولي والحفاظ على الأطر الاستراتيجية للعلاقات السياسية التي تحكم العلاقة بين الدول والرفض الدائم لعملية تغيير الأنظمة الحاكمة باستخدام القوة العسكرية لما له من تأثيرات وتداعيات تهدد الأمن والسلم الدولي في منطقة الشرق الأوسط، وهو الموقف الذي عبر عنه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالقول ( أن الهجمات الآمريكية الاسرائيلية تنتهك سيادة إيران وتهدد سلامة الشعب الإيراني)، مع التأكيد على أهمية اعتماد الدبلوماسية حلًا لأي خلاف وفي غيابها تذهب المنطقة إلى ( حلقة من نار)، في حين وجه انتقادًا للعمليات الهجومية الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيرة على دول مجلس التعاون الخليجي العربي، معتبرًا أنها (غير مقبولة).
ترى القيادة التركية أن تداعيات المواجهة العسكرية سوف لا يكون لها تأثير سلبي ونتائج سيئة وخسائر كبيرة على واشنطن وطهران وإنما نتائجها سيكون لها انعكاس خطير على جميع مصالح دول الإقليم ومنها تركيا ومكانتها، لهذا أخذت على عاتقها قرارًا باعتماد مبدأ عدم الاصطفاف مع أي دولة تشارك في القتال والاحتفاظ بموقعها وتأثيرها الإقليمي للقيام بأي خطوات مناسبة تخفف من عمليات التصعيد العسكري والعمل على تقديم كل ما تستطيع أن تفعله من وساطة سياسية لحل الأزمة القائمة.
قرأت القيادة التركية التوجه الأمريكي بصورة دقيقة القائم ليس على تغيير النظام السياسي الإيراني وإنما إعادة بناء الإقليم على أسس جديدة، عبر هيمنتها على المنطقة والسيطرة على ثرواتها وتعزيز نفوذها باعتماد الحرب الشاملة، ولطبيعة العلاقة الوثيقة التي تربطها مع الولايات المتحدة فإنها سعت إلى استخدام الدبلوماسية في محاولة لاقناع الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتسوية تفاوضية تقيد الأنشطة النووية الإيرانية وبرنامج الصواريخ الباليستية من دون أن تؤدي إلى انهيار وسقوط النظام الإيراني، وعملت على دعم المبادرة والوساطة الباكستانية في الدعوة لإيقاف القتال والبدأ بمفاوضات عملية بين واشنطن وطهران.
وجاء توجيه الرئيس أردوغان لوزارة الخارجية التركية التي أصدرت بيان أكدت فيه على احترام سيادة إيران ورفض استهداف دول الخليج العربي والتحذير من توسع الصراع اقليميًا، ودعت جميع الأطراف ( الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وإيران) إلى (وقف الأعمال العدائية فورًا) محذرة من أن التطورات المستمرة تعمل على ( المخاطرة بمستقبل المنطقة وبالاستقرار العالمي).
احست تركيا أن استمرار المواجهة العسكرية قد يقوض أمنها القومي رغم وقوفها واتخاذها سياسة الحياد ولكنها تعلم أن الأمر لا يخلو من خطورة أمنية وأن سياسة النأي بالنفس قد لا تأتي بنتائجها المطلوبة وأنها قد تشكل حالة من القلق وعدم الاطمئنان، خاصة إذا ما أدى استمرار التصعيد العسكري الى حالة من الفوضى الداخلية في عموم المدن الإيرانية تؤدي بالنتيجة إلى لجوء الملايين من أبناء الشعوب الإيرانية إلى تركيا وبدأ موجة جديدة من النزوح التي سبق للحكومة التركية وأن عاشت ظروفها بنزوح الملايين من أبناء الشعب السوري والافغاني، والخشية من تداعيات الأوضاع الداخلية في إيران واحتمالية نشوب خلافات بين أبناء القوميات الإيرانية ( الفرس والأكراد والعرب والتركمان والبلوش والأذريين) تنعكس على توسيع دائرة الصراع الاهلي.
ولهذه الأسباب الميدانية والتداعيات الأمنية، فإن القيادة التركية تفضل العمل المباشر على توقيع اتفاق شامل يتناغم مع الشروط الأمريكية والمتطلبات الإيرانية ويكون قريبًا بشكله السياسي والاقتصادي عما اتفق عليه في تموز 2015، وهي بذلك تتمكن من الاطمئنان إلى بقاء إيران بحالة من الاستقرار ولكن بتقييد دولي وإقليمي ومراقبة دائمة من مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية للتحقق والوقوف على برنامج إيران النووي وتحديد مديات صواريخها البالستية بعيدة المدى ومتابعة نفوذها الإقليمي ودعمها للفصائل والمليشيات والوكلاء التابعين لقيادة فيلق القدس والحرس الثوري.
تعمل القيادة التركية إلى الالتزام المرحلي بالحياد في النزاع الأمريكي الإيراني وتجنب أي تصريحات قد تُفهم أنها دعوة لتغيير النظام في إيران أو الدفاع عنه أو الإشارة إلى قيادة جديدة تحكم إيران، ولكنها تبقي جميع الأبواب مفتوحة لأي احتمالات تفضي إليها نهاية المواجهة العسكرية من متغيرات سياسية وتطورت ميدانية، تهئ نفسها للتعامل معها بما يضمن مصالحها ومكانتها ودورها الإقليمي.
وتبقى الأهمية الأبرز في المتابعة الجادة والاهتمام التركي بما ستنتهي إليه المواجهة بين واشنطن وطهران، هي حماية الأمن القومي التركي والاستعداد لأي عمليات داخل العمق الإيراني بما يخص القضية الكردية وإعادة تركيب وضعيتها مع احتمالات تؤدي لانهيار النظام الحاكم والدعوة الترتيبات تعلن فيها الحكم الذاتي للاكراد الإيرانيين بدعم أمريكي وأوربي، بما يؤثر على طبيعة العلاقة القائمة بين الحكومة التركية وأحزاب ( العمال الكردستاني والمساواة وديمقراطية الشعوب) وإعادة إحياء مطالبهم القومية من جديد.
وأشار وزير الخارجية التركي ( هاكان فيدان) إلى خطورة المتغيرات الداخلية الإيرانية وتصاعد عمليات النزوح التي قد تتحول إلى مشكلة لجوء كبرى، فالحدود التركية الإيرانية تمتد بمسافة 534 كيلومتر، عندما صرح قائلاً ( جرى تشييد جدران على طول الحدود مع إيران خلال السنوات الماضية مستفيدين من دروس الأحداث في سورية).
وحدة الدراسات الإيرانية
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجة