ساحة حرب: دور وسائل الإعلام العربية في عاصفة الحزم

ساحة حرب: دور وسائل الإعلام العربية في عاصفة الحزم

3251

بينما تشن المملكة العربية السعودية مدعومة بتحالف من عشر دول حربا على الحوثيين في اليمن دفاعا عن شرعية الرئيس عبد ربه منصور هادي وحماية لليمن من السقوط في يد الحوثيين، وبينما تتناقل الأخبار أن ثمة نجاحا يتحقق على الأرض بفعل الضربات الجوية المكثفة على معاقل الحوثيين، وبينما تتحصن العملية التي أطلقت عليها السعودية اسم “عاصفة الحزم” بدعم دولي هائل تقوده الولايات المتحدة، بينما يحدث كل ذلك يبدو مهما للغاية فإن ما يحدث وما سيحدث في ساحة الإعلام لا يقل أهمية عن كل ما سبق. ذلك أن الحرب لا تدور فقط على الأرض باستخدام أحدث تقنيات الحروب التقليدية من طائرات ودبابات ومعدات حربية، ولكنها تدور أيضا في ساحة الإعلام التي يعتمد عليها الخصم “الحوثيون” بشكل كبير. وحتى اللحظة الراهنة فمن الواضح أن الإعلام العربي منشغل بدعم ساحة الحرب التقليدية من خلال متابعة ونشر تفاصيل العملية الجوية، ويبدو واضحا أن خطابه مكرس فقط للشعوب العربية في محاولة لضمان تأييدها للعملية العسكرية ضد الحوثيين، بينما يغيب عن المشهد الخطاب الموجه للشعب اليمني.

فرغم أهمية تأييد الرأي العام العربي والدولي للعملية، فإن تأييد الرأي العام اليمني يبدو في تلك المرحلة أهم بكثير. إذ أن جماعة الحوثي المستهدفة بالعمل العسكري ستعمل على تعبئة الرأي العام اليمني ضد العملية باستخدام خطاب يقوم على أن ما يحدث هو انتهاك لسيادة الدولة اليمنية، وأن هذا العمل يأتي لخدمة الأهداف الغربية وأنه يأتي انتقاما من الحوثيين بسبب كونهم شيعة. وفي هذا السياق، فقد جاء أول رد فعل من قبل عبد الملك الحوثي زعيم جماعة الحوثيين اليمنية عقب بداية العملية في كلمة بثتها قناة المسيرة التلفزيونية التي تديرها جماعته قائلا “إن الشعب اليمني سيتصدى لهذا العدوان الإجرامي الظالم الآثم الذي لا مبرر له على الاطلاق”. وكما هو واضح فإن الحوثي يحاول إدخال الشعب اليمني طرفا في المعادلة ليظهر أمام الرأي العام اليمني على أنه يدافع عن كرامة وسيادة اليمنيين في مواجهة ما يراه عدوانا على الشعب. أي أنه يحاول تصوير الأمر وكأنه عدوان على الشعب اليمني وليس على جماعته فقط، في محاولة منه لتأمين حاضنة شعبية سيكون مضطرا للجوء إليها والاحتماء بها في حال طال أمد المعركة.

ويبدو واضحا أن الحوثيين يدركون منذ اللحظة الأولى لتمردهم أهمية السيطرة على الإعلام لتكتمل لهم عملية السيطرة على اليمن. إذ أكد عبد الملك الحوثي أن كثيرا من وسائل الإعلام وكثير من الإعلاميين يتحركون في الاتجاه المضاد لشعبنا اليمني العظيم وثورته المباركة بوضوح وبأساليب كثيرة”. ومن ثم، رأى الحوثيون ضرورة العمل على محورين أساسيين للسيطرة على الإعلام:

الأول: اطلاق أو امتلاك قنوات تليفزيونية وصحف والسيطرة على القنوات والصحف الخاضعة للحكومة أو إسكاتها. إذ يسيطر الحوثيون بمساعدة الرئيس السابق علي عبد الله صالح على الجزء الأكبر من الساحة الإعلامية اليمنية، حيث يمتلك الحوثيون قنوات “المسيرة”، “الساحات”، “صنعاء” ويسيطرون على قنوات الفضائية اليمنية، “عدن”، “سبأ”، “الإيمان”، وتنضم إليهم القنوات التابعة لعلي عبد الله صالح وهي “اليمن اليوم”، “ازال”، “العقيق” إضافة إلى قناة “سهيل” التابعة للشيخ القبلي حميد الأحمر المحسوب على حزب الإصلاح. ومن هذه القنوات يشير إلى خمس قنوات تمولها إيران وثبث من بيروت.

ويضاف إلى كل تلك القنوات القنوات الإيرانية مثل “العالم” وقناة حزب الله “المنار” الداعمة بشكل أو بآخر للحوثي. وجدير بالذكر هنا أن الحوثيين قد احتلوا مقر تلفزيون اليمن، المحطة اليمنية الرسمية في سبتمبر الماضي. وعلى مستوى الصحافة، يمتلك تحالف الحوثي- صالح أهم أربع صحف شعبية في اليمن هي “اليمن اليوم”، “الشارع”، “الأولى”، “المسيرة”. أما صحيفة “أخبار اليوم” الشهيرة والمنافسة لهم فقد احتلوا مقرها وأغلقوها كما احتلوا موقع صحيفة “الثورة”.

الثاني: إقصاء الإعلاميين المناوئين للتمرد الحوثي واستهدافهم بشكل مستمر ومحاولة التحكم في السياسة التحريرية للإعلام الحكومي. وبالفعل شهد الإعلام الرسمي تغيرا في سياساته التحريرية بعد دخول جماعة الحوثي صنعاء وسيطرتهم على مؤسسات الإعلام الرسمية وإجراء تغييرات إدارية، وتعيين محسوبين على الجماعة في مناصب حساسة داخلها. وقد أدت الضغوط التي مارسها الحوثيون على الصحفيين إلى مغادرة العديد من الصحفيين والمحللين السياسيين للعاصمة، وبدأوا يقدمون مشاركاتهم وكتاباتهم من مدن يمنية بعيدة عن صنعاء مثل تعز وإب وعدن.

إذن، نجح تحالف الحوثي صالح بالاستحواذ على الساحة الإعلامية اليمنية بشكل شبه كامل. وقد نجحوا بشكل كبير في استخدام تلك “المنصات” الإعلامية في التأثير على الرأي العام اليمني وحرفه في اتجاه وجهة نظرهم. فتضليل الرأي العام اليمني كان واحدا من أهم أهداف الحوثيين لتأليب الرأي العام على الحكومة والقوات المسلحة اليمنية، وصوروا المعركة وكأنها حرب في مواجهة الإخوان المسلمين باليمن وليس ضد الدولة.

وفي هذا السياق، تأتي عملية عاصفة الحزم بينما يسيطر الحوثي على الإعلام اليمني. ومن ثم، فإن السيطرة على المنصات الإعلامية التابعة للحوثي تمثل أهم التحديات التي تواجه عملية التخلص من التهديد الحوثي أو على الأقل السيطرة عليه لدفع الحوثيين باتجاه التفاوض بجدية. فحتى اللحظة لا توجد قياسات يمكن الاعتماد عليها لمعرفة موقف الرأي العام اليمني من عاصفة الحزم، كما لا يمكن الاعتماد حتى على توجهات الرأي العام اليمني التي كانت سائدة قبل بدء عملية عاصفة الحزم سواء كانت مؤيدة أو رافضة للتمرد الحوثي، فبدء العملية سيؤثر بكل تأكيد على تلك التوجهات.

استراتيجية مضغوطة:

أما الاتجاه الذي سيأخذه منحنى توجهات الرأي العام من الحوثي ومن عملية عاصفة الحزم سيتوقف إلى حد بعيد على قدرة التحالف على مخاطبة الرأي العام اليمني وحمايته من الدعاية السوداء التي سيمارسها الحوثي وجماعته خلال مراحل العملية العسكرية. ومن ثم فلابد من استراتيجية متعددة الأبعاد تقوم على:

أولا: تطوير خطاب إعلامي عبر القنوات الإقليمية العربية يستهدف الرأي العام اليمني لإقناعه بأهمية العملية العسكرية في حماية اليمن ووحدته، وأن الهدف الحقيقي من تلك العملية هو استهداف الحوثيين فقط وليس الشعب اليمني.

ثانيا: حرمان الحوثيين من منصاتهم الإعلامية ولو بشكل مؤقت تماما كما حدث في الحالة المصرية حينما تم إغلاق القنوات التابعة للإخوان المسلمين في يوم 3 يوليو 2013.

ثالثا: توفير مساحات إعلامية للإعلاميين والمحللين اليمنيين للتواصل مع الرأي العام اليمني، إضافة إلى التفكير في ضرورة تأمين وسائل الإعلام اليمنية والإعلاميين اليمنيين المناهضين للتمرد الحوثي.

رابعا: تكثيف نشر الفيديوهات والصور التي تظهر استهداف العملية للمقار الأمنية الاستراتيجية للحوثيين فقط دون استهداف المدنيين، حيث أن الحوثي وجماعته سيعتمدون خلال فترة العمليات العسكرية على إظهار الصور والفيديوهات التي تبرز أن العملية العسكرية تستهدف المدنيين في محاولة للتأثير على الرأي العام.

خلاصة القول، أنه إذا كانت بداية العملية عاصفة الحزم تشير إلى أن ثمة تخطيطا واستراتيجية واضحة للتعامل مع التمرد الحوثي، وإذا كان نجاح العملية في تصد التمدد الحوثي ليس محلا للشك أو الاختلاف بشأنه، فإن المؤكد أيضا أنه لا توجد حتى اللحظة المؤشرات الكافية للإقرار بأنه ثمة استراتيجية إعلامية لدعم العمل العسكري وتأمين الوصول إلى الهدف الرئيسي وهو إنهاء الحالة الحوثية وحماية اليمن من الوصول إلى حالة الحرب الأهلية. فتحقيق الهدف النهائي بضمان سلامة الدولة اليمنية لا يكون فقط بالعمل العسكري على أهميته ولكن أيضا بالعمل في الساحة الإعلامية والتواصل مع الرأي العام اليمني لضمان تأييده للعمل العسكري ضد الحوثيين وللدولة اليمنية ومؤسساتها الشرعية. وفي كل الأحوال، يمكن القول أنه مع التسليم بأنه من المرجح أن تطول المعركة الحقيقية مع الحوثيين بأكثر مما يتصور البعض، فإن ثمة ضرورة للتعامل مع الإعلام باعتباره أحد أهم الميادين الأساسية لتلك المعركة.

المركز الاقليمي للدراسات الاستراتيجية