الصراع على السلطة والثروة ينذر بحرب قبلية في السودان

الصراع على السلطة والثروة ينذر بحرب قبلية في السودان


الخرطوم – لا تزال عملية اعتقال زعيم قبيلة المحاميد موسى هلال تلقي بظلالها على الساحة السودانية، وسط مخاوف من أن يؤدي ذلك إلى اشتعال حرب داخل القبائل العربية.

وكانت وحدات من الدعم السريع قد اعتقلت هلال بعد مواجهات دامية الأحد سقط فيها العشرات من القتلى والجرحى من كلا الجانبين في مستريحة.

وقد تضاربت تصريحات المسؤولين السودانيين بشأن أسباب الهجوم على هلال واعتقاله وهو الذي كان من المقربين للرئيس عمر حسن البشير وأحد مستشاريه.

ومن بين الروايات التي ساقها المسؤولون الرسميون هو أن موسى هلال كان يعارض حملة جمع السلاح التي بدأها النظام قبل أشهر، وفي رواية أخرى ذكر أحد المسؤولين وهو قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو المعروف بـ”حميدتي” أن السبب هو قيام مجموعة هلال بكمين استهدفت قواته.

وآخر الروايات التي تعكس عمق التضارب هو أن الزعيم القبلي والذي يتزعم كيانا يسمى مجلس الصحوة الثوري، متهم بالعمالة لدول أجنبية تسعى لهز استقرار السودان.

ويرى مراقبون أن هذا التضارب يشي بأن مسألة اعتقال هلال هي أبعد من ذلك، وأنها مرتبطة برغبة في وضع حد لهذا الرجل الذي بات يشكل مصدر إزعاج كبير لدوائر نافذة داخل النظام، في ظل صراع على السلطة والثروة الموجودة في دارفور.

ومعلوم أن موسى هلال، الذي يقود مجموعة مسلحة يطلق عليها “حرس الحدود”، يسيطر على مناجم الذهب في جبل عامر بإقليم دارفور شرق السودان، ويرفض السماح لأي طرف أو جهة حتى وإن كانت رسمية بدخول المنطقة دون موافقته.

وهناك حالة صراع معلنة بين الرجل المؤسس لقوات الدعم السريع المعروفة بميليشيات الجنجويد قبل أن يقوم الرئيس عمر البشير بضمها إلى المؤسسة العسكرية، وبين زعيم الدعم السريع الحالي محمد حمدان حميدتي وهما ينحدران من ذات القبيلة أي الرزيقات.

وسبق وأن نشر هلال شريط فيديو اتهم فيه حميدتي بمحاولة استفزازه في أكثر من مرة، وآخرها ملاحقة قواته لعناصر تشادية حتى معقله، في منطقة مستريحة.

واعتقلت قوات الدعم السريع قبل فترة، بعض رجال زعيم مجلس الصحوة الثوري بينهم حرسه الشخصي، على الحدود الليبية، كما قتلت بعدها نحو 19 شخصا من رجاله على ذات الحدود. واتهم “المجلس” آنذاك ما سماه جهات نافذة في السلطة بالسعي لإثارة الفتنة وتصفية الحسابات، مع موسى هلال.

الصراع في مركز السلطة وأجنحتها المختلفة يوضح أن عمليات جمع السلاح تهدف إلى إدارة أزمات النظام والسيطرة عليها
وحميدتي كان عنصرا فاعلا في قوات الدعم السريع خلال إشراف هلال عليها، وقد نجح في فرض نفسه كرقم صعب في هذه القوات نتيجة الضربات القاصمة التي وجهها للمتمردين في دارفور على وجه الخصوص.

وعلى خلفية توتر في العلاقة بين النظام وموسى هلال انسحب الأخير مع مجموعة له من الدعم السريع ليفرض حميدتي نفسه كقائد عليها وقد تمت ترقيته بسرعة كبيرة ليصبح برتبة فريق، كما تم توفير امتيازات عسكرية ومادية كبيرة لقواته فاقت ما تحصل عليه مؤسسة الجيش.

وهناك اليوم من يقول إن حميدتي هو الرجل الأقوى بلا منازع في السودان، مستدلا على ذلك بتهديده قبل سنوات قليلة باجتياح الخرطوم، على خلفية توتر بينه وبين النظام، الذي تراجع أمام تهديداته وقبل بشروطه فكان أن تحول الدعم السريع إلى القوة العسكرية الأبرز على الساحة السودانية.

وأوكلت مهمة جمع السلاح التي أعلن عنها البشير قبل أشهر إلى قوات الدعم السريع بقيادة حميدتي، في مسعى على ما يبدو لضبط حالة الانفلات، وتسويق صورة عودة الهدوء إلى دارفور، والأهم هو إعادة السلاح من الأطراف التي شقت عصا الطاعة ومنها هلال، وهو ما رفضه الأخير.

ويشير معارضون إلى أن حملة جمع السلاح التي تتم اليوم في دارفور الهدف منها الأساس هو إعادة ترتيب الأمور ووضع السلاح في أيدي سلطة واحدة، بعد أن ثبت أن هذا السلاح الذي سلمه النظام للقبائل العربية في العام 2003 لاستهداف متمردين ينتمون لقبائل أفريقية باتت تشكل تهديدا للنظام.

واعتبرت جبهة القوى الثورية المعارضة في بيان لها أن الصراع في مركز السلطة وأجنحتها المختلفة يوضح أن عمليات جمع السلاح تأتي بهدف إدارة أزمات النظام الداخلية والسيطرة عليها، وليس بغرض إحلال السلام وأمن المواطنين، فالسلاح نفسه وزعته الحكومة حماية لمصالحها وهي تتخوف من أن يوجه إليها، وبناء على ذلك فإن ما يحدث هو نتاج طبيعي لسياسات حزب المؤتمر الوطني الفاشلة، وأجهزته القمعية التي تسعى للتخلص من مسؤولية ممارساتها، وإلصاقها بقبائل أو مجموعات إثنية.

وشددت الجبهة على أن اليوم هناك محاولة من السلطة لخلق توازنات للقوة بين الأجسام التي صنعتها بدءا من الدفاع الشعبي وسلسلة متواصلة من الميليشيات العقائدية ومن ثم القبلية.

ويخشى السودانيون من أن يؤدي اعتقال هلال المنتمي لأحد أكبر القبائل العربية إلى إشعال فتنة قبلية قد تأخذ دارفور نحو منزلق جديد من العنف.

ويلفت العديد إلى أن حملة جمع السلاح ضرورة لوضع حد للعنف ولكن الطريقة التي يتم بها تجميع ذلك السلاح، مع الشكوك حول غاياتها، قد لا تؤدي إلى الهدف المنشود وهو السلام، وأنه لا بد قبل القيام بهذه الخطوة جمع كل الأطراف على طاولة حوار حقيقية لرسم مسار سياسي ينخرط فيه الجميع وبتلك الطريقة فقط يمكن فرض الاستقرار.

العرب اللندنية