هل تستطيع روسيا أن تكون وسيطا نزيها بين إسرائيل وإيران؟

هل تستطيع روسيا أن تكون وسيطا نزيها بين إسرائيل وإيران؟

أصبحت سياسة موسكو الخارجية -التي تشكل قدرتها على التعامل على أساس شروط الشراكة مع الجميع أحد أعمدتها الرئيسية- عالقة وسوف تصبح عالقة أكثر وسط هذه الرياح المتقاطعة. لكن روسيا لم تعد تمتلك أي طريق للخروج الآن منذ وضَعها انتصارها في سورية تحت عبء لعب دور الوسيط النزيه –وهي مهمة غير مجزية كما تعلَّم بسمارك بعد العام 1978- بين خصوم يصبحون أقل قابلية للتوفيق بينهم باطراد.
*   *   *
عادة ما يجلب النصر في المعركة في ركابه تحديات والتزامات غير متوقعة. وتتعلم روسيا الآن أن إدامة الانتصار الذي حققته في الحرب الأهلية السورية أصبح يفرض عليها أن تلعب دور المحكم أو الوسيط النزيه بين إيران وإسرائيل في حال انفجرت الخصومة بينهما وتحولت إلى قتال واسع النطاق، والذي يمكن أن يلف كامل المنطقة، ويقوض المكانة التي كسبتها روسيا حديثاً هناك. وسوف يكون من شأن مثل هذه الحرب –في حال نشوبها- أن تربك تماماً مصلحة روسيا في تحقيق الاستقرار لسورية ما بعد الحرب تحت حكم بشار الأسد، والاحتفاظ بالقواعد العسكرية والعقود المربحة التي فازت بها هناك، وكذلك مكانتها الإقليمية كقوة عظمى رئيسية لا يمكن تحقيق أي شيء من دونها.
بعيدا عن الدمار الذي ستحدثه، فإن حربا تنشب بين إيران وإسرائيل سوف تستنفد روسيا، وتعيد جلب الولايات المتحدة إلى الشرق الأوسط إلى حد كبير، وتجبر روسيا على الاختيار بين هاتين الدولتين فيما يتعارض مع تفضيلاتها الخاصة. وبعبارات أخرى، يمكن أن تؤدي هذه الحرب إلى القضاء على كل المكاسب الأخيرة التي حققتها روسيا من تدخلها في سورية.
يمكن أن يحدث هذا في وقت أقرب مما يتوقع أحد. وفي حين أن موسكو مهتمة بجلب الاستقرار إلى سورية -وربما إصلاح حكومة الأسد لتحقيق الاستقرار المحلي- فإن إيران تعرِّف مصلحتها الأساسية بضمان أن يحكم الأسد كل سورية كدولة عميلة لإيران، وحيث يمكنها أن تنشر القوات في طريق غير منقطع يمتد من إيران إلى البحر الأبيض المتوسط. ولا يخيف ذلك الأنظمة السنية التي ستصبح أهدافاً لقدر أكبر من الضغوط والتهديدات الإيرانية فحسب، وإنما يهدد بشكل مباشر وجود إسرائيل أيضاً.
لذلك، لم تكتفِ إسرائيل بمجرد توجيه الضربات الاستباقية والوقائية إلى المواقع الإيرانية المضادة للطائرات والقواعد العسكرية في سورية، وإنما حذر المسؤولون الإسرائيليون بصوت عالٍ وبالكثير من التصميم من أنهم سيضربون إيران أولاً قبل أن تتمكن من امتلاك قواعد عسكرية في سورية، والتي تستطيع منها التحريض على شن الهجمات الإرهابية أو توجيه الضربات المباشرة إلى إسرائيل.
يقول جوناثان شانزر من مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات أن القوات الإيرانية النظامية، والحرس الثوري الإيراني، ووكيل إيران حزب الله، وكذلك العشرات من الميليشيات الشيعية الأخرى التي أعلنت الولاء لجمهورية إيران الإسلامية، دخلت مؤخراً إلى سورية. وفي حين قامت إسرائيل بقصف أكثر من مائة هدف في سورية خلال العام الماضي، فإن ذلك لا يشكل سوى شذرة صغيرة فقط من الأهداف الموجودة والممكنة هناك. وفي الأثناء، عملت القوات الإيرانية على اختراق سورية بعمق بحيث جعلت الأسد معتمداً عليها إلى درجة لا يستطيع معها مواجهة هذه التحركات -على الرغم من المخاطر التي يعرف أنها تنطوي عليها بالنسبة لسورية.
لذلك، يجب على روسيا –التي تتمتع هي الأخرى بعلاقات قوية مع كل من إيران وإسرائيل- أن تتعهد لإسرائيل الآن بأنها ستعمل على كبح جماح إيران، ويجب أن تضطلع بذلك خشية أن تظهر بمظهر القوى العظمى الزائفة.
مع ذلك، سوف تعمل موسكو بالتزامن على دعم إيران ضد أي جهد أميركي أو غربي لتقويض خطة العمل الشاملة المشتركة –الاتفاق النووي مع إيران- التي تم توقيعها في العام 2015.
وبالإضافة إلى ذلك، تتشابك جهود روسيا وإيران عميقاً لإدامة الأسد في سورية. ولم تواجه موسكو أي مبادرة إيرانية منذ دخولها المعترك السوري بناء على طلب من إيران في العام 2015. وفي حين أنهما كانتا بالكاد حليفتين في السابق، فإنهما تعملان حالياً بانسجام على الأرض. وثمة الكثير من المصالح الروسية القوية التي توجد الآن حول تلك العلاقة. وبالإضافة إلى ذلك، ثمة شكوك عميقة فيما إذا كان بوسع موسكو أن تمارس ضغطاً كافياً على إيران لكي لا تهدد الأخيرة إسرائيل بالنظر إلى أن هوية الحكومة الإيرانية ووجودها في إيران مرتبطان بحمل قضية معادية لإسرائيل عبر الشرق الأوسط والتزام بالقضاء عليها.
ومن جانبها، ربما تكون إسرائيل بصدد ركوب مسألة التهديد الإيراني بقوة لتحقيق غايات محلية وتعزيز الدعم المحلي لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وحكومته الائتلافية، وتحريض الولايات المتحدة على فعل ما تود إسرائيل أن تفعله هي، ولكنها لا تستطيع فعله –والذي يتضمن بالتحديد إن لم يكن تغيير النظام في إيران، فعلى الأقل تحقيق احتواء رئيسي للقوة الإيرانية، وهو هدف يلاقي قبولاً كبيراً لدى الدول العربية السنية في المنطقة أيضاً.
لقد أصبحت سياسة موسكو الخارجية -التي تشكل قدرتها على التعامل على أساس شروط الشراكة مع الجميع أحد أعمدتها الرئيسية- عالقة وسوف تصبح عالقة أكثر وسط هذه الرياح المتقاطعة. لكن روسيا لم تعد تمتلك الآن أي طريق للخروج، بما أن انتصارها في سورية وضَعها تحت عبء لعب دور الوسيط النزيه –وهي مهمة غير مجزية كما تعلَّم بسمارك بعد العام 1978- بين خصوم يصبحون أقل قابلية للتوفيق بينهم باطراد.
بما أن إسرائيل تعتبر بقاءها نفسه مرتبطاً بالقضاء على التهديد الإيراني –أو ردعه على الأقل- فإن هوية إيران المعلنة نفسها ترتبط بالقضاء على إسرائيل، ويجعل التضارب المباشر للمصالح الاستراتيجية الحيوية لكلا الجانبين من خصومتهما واحدة من القضايا الأكثر استعصاء على الحل في منطقة عنيفة مسبقا من العالم. وتمارس إسرائيل بكل وضوح ضغطا مباشرا على موسكو وضغطا غير مباشر أيضا من خلال صلاتها مع واشنطن في سبيل فرض الانضباط على إيران. لكن موسكو لم تحاول أي كبح لجماح الأجندة الإيرانية حتى الآن في الشرق الأوسط، ولا يمكنها أن تتحمل خسارة إيران كشريك. وبذلك، ربما يكون الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ملزماً بقبول ما سيتبين أنها مهمة غير مثمرة، والتي يمكن أن تضع مكاسب انتصاره في سورية تحت التهديد في حال فشلت روسيا في منع نشوب مواجهة مباشرة بين إيران وإسرائيل.
كان الراحل زبيغنيو بريجنسكي قد شبه الشرق الأوسط الراهن بالبلقان الأوروبي. ويشبه الوضع الموصوف هناك بوضوح وضع البلقان بعد أن حاول بسمارك لعب دور الوسيط النزيه في مؤتمر برلين في العام 1878. وقد غادرت سانت بطرسبرغ ذلك المؤتمر ساخطة ومع شعور بالخيانة. وبعد ذلك، وجد بسمارك وخلفاؤه من الأصعب باطراد لعب دور الوسيط بين فينّا وسانت بطرسبرغ إلى أن تخلى خلفاؤه عن جهودهم في تسعينيات القرن التاسع عشر –بما انطوى عليه ذلك من عواقب مصيرية.
وبالمثل، سوف يكون في غاية الصعوبة بالنسبة لروسيا التي تحالفت مع إيران في سورية، والتي تعتبر هذه الشراكة حجز زاوية في سياستها الخارجية، أن تفرض عليها كبح نفسها من أجل الحفاظ على السلم الإقليمي وعلاقات موسكو المزدهرة مع إسرائيل. ومع ذلك، قد تجد موسكو نفسها عالقة في تعقيدات لا تستطيع حلها، وأنها بدلاً من أن تصبح قوة عظمى تلعب دور الحكَم في الشرق الأوسط، أصبحت في الحقيقة تركب نمراً أفلتَ تماماً من عقال السيطرة.

ستيفن بلانك

الغد