الباحثة شذا خليل*
ماذا تكشف لنا نتائج المسح العالمي التاسع والعشرين للرؤساء التنفيذيين الصادر عن PwC حول الاتجاه الذي يسير فيه العالم؟
يدخل الاقتصاد العالمي مرحلة تحول حاسمة. لم يعد الذكاء الاصطناعي وعداً مستقبلياً أو ابتكاراً هامشياً، بل أصبح قوة اقتصادية مركزية تعيد تشكيل أساليب النمو، وتنظيم العمل، وخلق القيمة عبر مختلف القطاعات. وتُظهر نتائج المسح العالمي التاسع والعشرين للرؤساء التنفيذيين الصادر عن PwC عالماً يتسم بقدر عالٍ من عدم اليقين على المدى القصير، لكنه يشهد تحولات هيكلية عميقة على المدى الطويل. وتشير هذه النتائج بوضوح إلى حقيقة واحدة: اقتصاد المستقبل سيكون أكثر اعتماداً على التكنولوجيا، وأكثر تشظياً، وأكثر ارتباطاً بقدرة المؤسسات على إعادة ابتكار نفسها من أي وقت مضى.
اقتصاد تحت الضغط لكنه في حالة حركة
يفيد الرؤساء التنفيذيون في 95 دولة بأن ثقتهم في آفاق النمو قصيرة الأجل قد تراجعت بشكل ملحوظ. وأصبحت التقلبات الاقتصادية الكلية، والتوترات الجيوسياسية، والمخاطر السيبرانية، واضطرابات سلاسل التوريد، سمات دائمة في المشهد الاقتصادي العالمي وليست مجرد أزمات مؤقتة. كما أن التضخم، وعدم وضوح اتجاهات أسعار الفائدة، والصراعات الإقليمية، تعيد رسم أولويات الاستثمار وإدارة المخاطر.
ومع ذلك، لم يؤد هذا المناخ غير المستقر إلى التردد أو الجمود. بل على العكس، تتجه العديد من الشركات إلى تسريع وتيرة التحول. فبدلاً من انتظار وضوح الرؤية، بات القادة يتخذون قراراتهم في ظل عدم اليقين، مدركين أن المرونة والقدرة على التكيف أصبحتا من الأصول الاقتصادية الأساسية.
الذكاء الاصطناعي كقوة اقتصادية هيكلية
من أبرز ما كشفه المسح هو الدور المحوري للذكاء الاصطناعي في الاستراتيجيات المؤسسية. فالرؤساء التنفيذيون يواصلون الاستثمار في الذكاء الاصطناعي حتى في الحالات التي لا تظهر فيها عوائد فورية واضحة. ويعكس ذلك تحولاً في التفكير الاقتصادي، حيث لم يعد الذكاء الاصطناعي يُقيّم فقط كأداة لخفض التكاليف، بل كبنية تحتية أساسية تشبه في أهميتها الكهرباء أو الإنترنت في مراحل تاريخية سابقة.
وسيتميز الاقتصاد المستقبلي المدفوع بالذكاء الاصطناعي بتحقيق مكاسب إنتاجية ناتجة عن الأتمتة، واتخاذ القرار القائم على البيانات، وظهور أشكال جديدة من خلق القيمة. وتشهد القطاعات المعتمدة على المعرفة مثل الرعاية الصحية، والتمويل، والخدمات اللوجستية، والخدمات المهنية، إعادة تشكيل عميقة. وفي الوقت نفسه، يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى تلاشي الحدود التقليدية بين القطاعات، ما يتيح للشركات دخول مجالات جديدة وإعادة تصميم نماذج أعمالها.
واللافت أن نتائج PwC تشير إلى أن الشركات التي تتحرك بسرعة أكبر في مسار إعادة الابتكار المدعوم بالذكاء الاصطناعي تحقق أداءً أفضل من نظيراتها، ما يؤكد أن الميزة الاقتصادية في العقد القادم ستعتمد بدرجة أقل على الحجم أو الإرث المؤسسي، وبدرجة أكبر على القدرة على دمج الذكاء الاصطناعي بشكل استراتيجي ومسؤول.
إعادة تشكيل القطاعات الاقتصادية
يتجاوز التحول الذي يرصدُه المسح حدود التكنولوجيا وحدها. إذ يتوقع الرؤساء التنفيذيون بشكل متزايد إعادة تشكيل القطاعات الاقتصادية مع دخول الشركات إلى مجالات مجاورة أو حتى قطاعات جديدة بالكامل. فشركات الطاقة تتحول إلى شركات بيانات، وشركات التصنيع تصبح مزودي خدمات، ومؤسسات الرعاية الصحية تدمج المنصات الرقمية والتحليلات التنبؤية في صميم عملياتها.
ويشير هذا التحول إلى اقتصاد أكثر ترابطاً وقابلية للتجزئة. حيث ستتراجع أهمية التصنيفات القطاعية التقليدية، مقابل تصاعد أهمية النظم البيئية، والشراكات، والتعاون العابر للقطاعات. وستعتمد القدرة التنافسية الاقتصادية على الاتصال، والابتكار، والمهارات البشرية، أكثر من اعتمادها على الأصول المادية.
أي نوع من الاقتصاد يتشكل؟
تشير النتائج مجتمعة إلى أن اقتصاد المستقبل سيتسم بعدة خصائص رئيسية:
اقتصاد قائم على الإنتاجية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، حيث يتحقق النمو من خلال الأنظمة الذكية أكثر من التوسع في العمالة وحدها.
اقتصاد قائم على إعادة الابتكار المستمر، حيث يتعين على الشركات التكيف الدائم للبقاء.
سوق عمل أكثر استقطاباً، مع تزايد الطلب على المهارات الرقمية والتحليلية والعلائقية، مقابل تراجع الطلب على الأعمال الروتينية.
اقتصاد عالي المخاطر، تصبح فيه المرونة السيبرانية، وحوكمة البيانات، والوعي الجيوسياسي عناصر أساسية للاستقرار.
اقتصاد قائم على الغاية والمسؤولية، حيث يتوقع أصحاب المصلحة من الشركات تحقيق توازن بين الابتكار، والثقة، والأخلاقيات، والمسؤولية الاجتماعية.
القيادة في عصر الذكاء الاصطناعي
يستخدم مسح PwC استعارة لافتة لوصف القيادة الفعالة اليوم، إذ يحتاج القادة إلى امتلاك المجهر والتلسكوب معاً. فالمجهر ضروري لإدارة المخاطر الآنية، والضغوط التشغيلية، والتحولات في القوى العاملة. أما التلسكوب فهو أداة استشراف الفرص طويلة الأجل، والاستثمار المسؤول في الذكاء الاصطناعي، ووضع المؤسسات في موقع متقدم ضمن الاقتصاد العالمي المتحول.
القادة الذين ينجحون في تحقيق هذا التوازن المزدوج لا يكتفون بالاستجابة للتغيير، بل يسهمون في تشكيل النظام الاقتصادي المستقبلي من خلال دمج التكنولوجيا في الاستراتيجية، وإعطاء الأولوية للابتكار، وإعادة تعريف مفهوم النمو في زمن عدم اليقين.
الخلاصة
لا يؤدي عصر الذكاء الاصطناعي إلى نتيجة اقتصادية واحدة يمكن التنبؤ بها بسهولة. بل يخلق مشهداً ديناميكياً وغير متكافئ تتعايش فيه الفرص مع المخاطر. ويجعلنا المسح العالمي التاسع والعشرون للرؤساء التنفيذيين ندرك حقيقة لا لبس فيها: اقتصاد المستقبل سيكافئ من يتحرك مبكراً، ويفكر بشكل منظومي، ويقود بثبات ورؤية في ظل عدم اليقين.
الذكاء الاصطناعي لا يغير الشركات فقط، بل يعيد تشكيل الرأسمالية ذاتها.
وحدة الدراسات الاقتصادية / مكتب شمال امريكا
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية
