تصاعد حدة التصريحات الرسمية والإعلامية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، تترافق مع وصول أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى العاصمة العُمانية ( مسقط) يوم الثلاثاء الموافق الرابع والعشرين من شباط 2026، حاملًا معه رد القيادة الإيرانية بشأن الملف النووي ولتأكيد المسار الدبلوماسي والحوار السياسي الذي تسعى اليه طهران ولا زالت ترى فيه إمكانية منع نشوب أي مواجهة عسكرية قادمة مع واشنطن، ولاعطاء مساحة من الوساطة الخليجية العُمانية وتثمين دورها في عقد المباحثات الثنائية والتي أعلن عن جولتها الثالثة في السادس والعشرين من شباط الحالي بمدينة (جنيف) وزير الخارجية العُماني ( بدر البوسعيدي).
وتأتي أهمية الزيارة بعد أن تم اختيار علي لاريجاني من قبل المرشد الأعلى علي خامنئي لمسؤولية إدارة الملفات السياسية والأمنية، بعد واجهت المدن الإيرانية احتجاجات ومظاهرات شعبية واسعة رافقتها تهديدات عسكرية أمريكية بتوجيه ضربات جوية داخل العمق الإيراني، وبعد أن تم اختياره لقيادة البلاد في حالة قيام القوات الأميركية باغتيال القيادات السياسية الإيرانية ومنها المرشد خامنئي،وبعد قيام المؤسسة العسكرية الإيرانية بوضع قواتها في حالة استنفار تام ونشر منصات إطلاق الصواريخ الباليستية قرب حدودها الغربية مع العراق وحدودها الشمالية الشرقية وعلى امتداد سواحل الخليج العربي.
وبغية نجاح زيارة لاريجاني إلى مسقط وإعطاء فسحة للحوار الثنائي في إمكانية التوصل لاتفاق سياسي وأمني مع الولايات المتحدة، فقد صرح قائلاً ( أن إيران لا تسعى للحرب، لكنها سترد إذا ما فرضت عليها)، في مسعى لممارسة المجلس الأعلى للأمن القومي الايراني دوره السياسي والإيراني في تعزيز دور القيادات العسكرية والأمنية في إدارة المرحلة، في وقت تسعى فيه إيران للتعامل الجدي مع احتمالية المواجهة العسكرية مع واشنطن واعتبارها من الأمور المهمة التي تتعلق بسيادة إيران وحماية أمنها القومي ومجالها الجوي.
أن القيادة الإيرانية تدرك جيدًا أن أي تأخير في تقديم أي مقترحات تساهم في تعزيز الثقة بينها وبين الإدارة الأمريكية، يجب أن تتضمن أمور مهمة موافقات صريحة وفق ما تضمنت الورقة الأمريكية وعدم اعتماد مبدأ إطالة الوقت وتعويم الأزمة، فالضغوط الاقتصادية والاجتماعية بدأت تأخذ مسارها عبر عودة الاحتجاجات الشعبية واتساع المخاطر التي تتعلق بالأوضاع المعيشية لأبناء الشعوب الإيرانية، مع اشتداد ظاهرة التضخم الاقتصادي واتساع البطالة وتراجع القدرة الشرائية وازدياد تأثيرات العقوبات، ستكون القيادة الإيرانية أمام منعطفات صعبة في إدارتها ولا يمكن لها أن تستوعب العديد من الأزمات والصدمات المتلاحقة مع صعوبة استمرار تصدير النفط وتفاقم الأزمة المالية وانهيار العملة المحلية والتي سيكون لها مفعولها الميداني في زيادة حدة الاحتجاجات الشعبية والتي تم مواجهتها في الأشهر الماضية.
لا زالت الإدارة الأمريكية متمسكة بأهدافها في تحديد مسار المفاوضات وإلا فإن الحل العسكري قائم ومستمر وهو ما أكده الرئيس الأميركي دونالد ترمب في حديث للصحفيين مساء الثالث والعشرين من شباط 2026 بقوله (أن عدم التوصل إلى اتفاق مع إيران سيجعلها تواجه يومًا شيئًا للغاية) وهو رسالة تحذير وتصاعد في حدة الخطاب السياسي ويمثل سياسة الضغط القصوى التي تتزامن مع الاعلان عن جولة المفاوضات الثالثة .
أن القاسم المشترك بين الأهداف السياسية والعسكرية الأمريكية الإيرانية يتحدد في قيام الولايات المتحدة الأمريكية بالضغط المستمر على إيران لاجبارها على تقديم تنازلات في عديد من ملفاتها النووية والصاروخية مع تحديد أولويات ميدانية في عمليات التموضع الميداني العملياتي بما يؤدي إلى رسم ملامح لتنفيذ ضربات جوية صاروخية دقيقة تستهدف المنشأت النووية والعسكرية والأمنية وتعزيز الجانب الإستخباري بعمليات داخلية واستخدام الجانب الفني والتكنولوجي عبر أدوات الأمن السيبراني والتأثير على مواقع القيادات الرئيسية والتحكم بمنصات إطلاق الصواريخ.
أما القيادة الإيرانية فلا زالت ترى أن الشروط الأمريكية تمس سيادتها وأنها تحد من قدرتها على حماية أمنها وحدودها وتعرض مستقبلها السياسي للخطر، عبر إنهاء عملية تخصيب اليورانيوم وتقليص مدى الصواريخ الباليستية ووقف دعم وكلائها وفصائلها المسلحة وامتداد مشروعها السياسي الإقليمي، وهو ما تنظر إليه القيادة الإيرانية ممثلة بالمرشد الأعلى علي خامنئي بأنها مكلفة سياسيًا لها ولكنها تمثل أقل خطورة في تحقيق المواجهة العسكرية وإعلان الاستسلام، فالمواجهة العسكرية كما تراها إيران مهما كانت تكلفتها قابلة للتحمل بينما التراجع الاستراتيجي سيكون أكثر خطورة على بقاء النظام السياسي الإيراني وتأثيراتها داخلياً وخارجيًا.
تحديد الأهداف الأمريكية بضرب مواقع إطلاق وتخزين الصواريخ البالستية المنشأت ذات الأنشطة النووية والقواعد العسكرية التابعة للحرس الثوري ووحدة الباسيج الإيراني، رافقها قيام إيران بإطلاق العنان لصواريخها البالستية والاعلان عن ومدياتها وأنها ستعمل على استهداف القواعد الأمريكية القريبة من الحدود الإيرانية واعتبار أي ضربات جوية حتى وإن كانت محدودة بوقت وزمن معين، أنها تشكل مواجهة مستمرة دائمة وسيتم استخدام جميع الإمكانيات والقدرات الصاروخية والجوية الإيرانية في ساحة المعركة وعبر عدة جبهات.
أن الأوضاع الميدانية في تطور مستمر مع تعزيز للحشود العسكرية، وهوما يعني استخدام الولايات المتحدة الأمريكية لسياسة الضغط القصوى وتحديد مهامها وأهدافها في ضربة محددة تستهدف فيها منشآت حيوية عسكرية ونووية بصورة حرب واسعة محددة الجهات، مع ابتعاد واشنطن وطهران عن حرب طويلة شاملة كونها ستكون مكلفة للطرفين بابعادها العسكرية والمالية، ولكنهما سيستمران في التصعيد الاعلامي والاستعداد العسكري لتحقيق مكاسب وأهداف مشتركة عبر التفاوض والحوار الثنائي، وستكون الجهة الأكثر فعالية من تتعامل بدقة وحرفية عبر سياسة الردع والدبلوماسية والاستعداد للمخاطرة الميدانية.
وحدة الدراسات الإيرانية
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجة
