حظر النقاب من جديد.. أوروبا أمام امتحان الحريات

حظر النقاب من جديد.. أوروبا أمام امتحان الحريات

خلطت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة الثلاثاء أوراق سياسة السلطات الفرنسية ودول أوروبية أخرى بشأن حظر ارتداء النقاب في البلاد، بعد أن أكدت أن الحظر يمثل انتهاكا لحقوق الإنسان، معيدة هذا الملف الحارق إلى الواجهة، ليس في فرنسا فقط بل في القارة العجوز كلها.

ورغم أن قرار اللجنة غير ملزم لحكومة إيمانويل ماكرون فإنه يثقل كاهلها حقوقيا، خاصة أنه قد حظي بتغطية إعلامية بارزة في وسائل الإعلام الفرنسية والأوروبية لأهمية الموضوع للفرنسيين.

ولم تكتف اللجنة بذلك، بل حرصت في قرارها على أن تأمر باريس بمراجعة التشريع وأمهلتها 180 يوما لإبلاغها عن الإجراءات التي اتخذتها.

وقرارات اللجنة، التي تضم مجموعة من الخبراء يراقبون التزام الدول بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ليست ملزمة قانونا، لكن فرنسا عليها التزام دولي بموجب بروتوكول اختياري بتنفيذ القرارات من منطلق “حسن النية”.

وجاءت النتائج التي توصلت إليها اللجنة بعد شكاوى قدمتها امرأتان فرنسيتان أدينتا عام 2012 بموجب قانون صدر عام 2010 وينص على أنه “لا يحق لأحد أن يضع في مكان عام أي قطعة بغرض إخفاء الوجه”

وقالت اللجنة إن الحظر أضر بشكل غير متناسب بحقهما في التعبير عن معتقدهما الديني وقد يدفعهما للبقاء بالمنزل ويقود إلى تهميشهما. وأمرت فرنسا كذلك بدفع تعويض للمرأتين.

وحسب رئيس اللجنة يوفال شاني (وهو إسرائيلي) فإن النتائج لا تمثل تبنيا لارتداء النقاب، وإنه وغيره من أعضاء اللجنة البالغ عددهم 18 شخصا يرونه من أشكال القمع.

بداية الحكاية
علاقة فرنسا -التي توصف بأنها رائدة العلمانية في أوروبا- بالنقاب وبالأزياء ذات الدلالة الدينية -وبينها الحجاب- لم تكن دائما على ما يرام، في العقود الأربعة الأخيرة تحديدا.

البداية التشريعية كانت عام 2004 مع بدء تطبيق قانون يمنع ما وصف بالرموز والملابس التي تعبر بشكل ظاهر عن الانتماء الديني داخل المؤسسات الدراسية الفرنسية.

وجاء في عرض حيثيات القرار أن الرموز الدينية الظاهرة هي “العلامات والملابس التي يؤدي ارتداؤها إلى التعرف الفوري على انتماء صاحبها الديني”، والمقصود بها “الحجاب الإسلامي أيا كان الاسم المعطى له، أو القلنسوة، أو الصليب ذو الحجم المبالغ به”.

لكن مسلمي فرنسا أكدوا أن التركيز انصب على المحجبات، وتحدثوا عن حالات عديدة لمنع تلميذات فرنسيات من دخول مدارس ومعاهد بحجابهن، واضطرت بعضهن لارتداء قبعات نسائية للحفاظ على رؤوسهن مغطاة.

ولم يتوقف الأمر عند أبواب المدارس والمعاهد، بل تجاوزه إلى سوق العمل، إذ وجدت مسلمات كثيرات أنفسهن مضطرات لترك وظائفهن بسبب المضايقات التي يتعرضن لها في سوق العمل بسبب حجابهن.

وفي 2011 بدأ رسميا تطبيق بنود قرار حظر النقاب في فرنسا، وفرض غرامات على من يرتدينه.

وفي مايو/أيار 2018 تفجرت ضجة كبرى في فرنسا بخصوص حجاب رئيسة الاتحاد الوطني لطلبة فرنسا بجامعة السوربون مريم بوجيتو (19 عاما)، التي ظهرت متحدثة على التلفزيون الفرنسي وهي ترتدي حجابها، وعلق وزير الداخلية بنفسه عن ذلك وعبر عن “صدمته” من رؤية هذه المسؤولة عن نقابة طلابية بالحجاب وعلى تلفزيون فرنسي.

وفي وقت سابق، اعتبرت الكاتبة وعالمة الاجتماع الفرنسية المتخصصة في مسائل التمييز ضد النساء الفرنسيات المحجبات حنان كريمي -في حديث مع الجزيرة نت- أن الحكومات الفرنسية المتعاقبة تستخدم العلمانية سلاحا قانونيا لإقصاء المحجبات من سوق العمل، ومن الظهور كقوة فاعلة ومندمجة في المجتمع الفرنسي، مؤكدة أن فرنسا تهدر ثروة بشرية مهمة بسبب إقصائها المحجبات ذوات الكفاءات العالية.

البوركيني أيضا
فرنسا ليست على علاقة جيدة أيضا حتى بالبوركيني لباس البحر النسائي الساتر، الذي يتيح للمرأة السباحة مع تغطية جسمها باستثناء الوجه والكفين والقدمين، ويتألف من ثلاث قطع؛ قميص وسروال وغطاء للرأس، وهو لباس شائع بين المسلمات المحجبات أثناء ارتيادهن الشواطئ.

البوركيني ظهر عام 2003، وينسب إلى مصممة الأزياء الأسترالية من أصل لبناني عاهدة زناتي، وحصل على براءة اختراع، وصار علامة تجارية عام 2007.

لكن بلاد فولتير لم تستسغ ارتداء عدد من المسلمات للبوركيني في الشواطئ، وأقامت في 2016 ضجة كبرى حيث رفضت مسابح عدة السماح لمسلمات بارتدائه، كما شوهد رجال شرطة فرنسيون في أحد الشواطئ وهم يجبرون مسلمة على نزعه.

عدوى بأوروبا
عدوى حظر النقاب في فرنسا عام 2011 سرعان ما انتقلت إلى دول أوروبية أخرى، حيث بادرت بلجيكا في العام نفسه لحظر النقاب في الأماكن العام تحت تهديد العقوبات بالغرامات والسجن.

كما قرر البرلمان الهولندي حظر النقاب عام 2016 تحت تهديد غرامة تقدر بأربعمئة يورو.

وانضمت النمسا للقافلة، وبدأت تطبيق قانون حظر النقاب في أكتوبر/تشرين الأول 2017.

وكانت الدانمارك آخر الملتحقين بالركب، إذ بدأت في أغسطس/آب الماضي تطبيق قانون حظر ارتداء النقاب، ويلزم المخالفات بدفع غرامة قدرها 135 يورو.

وما تزال دول أوروبية أخرى مثل ألمانيا وسويسرا والنرويج تناقش إصدار مثل هذا القانون، بينما إيطاليا لديها قانون منذ السبعينيات يحظر ارتداء ملابس تجعل من الصعب تحديد هوية الشخص.

المثير في الموضوع أنه في يوليو/تموز من العام الجاري أكدت تقارير إعلامية ألمانية أن نسبة المنقبات في بلجيكا وهولنداضئيلة جدا، إذ لا تكاد تتجاوز 300 امرأة في بلجيكا، و100 امرأة في هولندا.

آمال
قرار لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان الذي أكد أن حظر النقاب في فرنسا انتهاك لحقوق الإنسان يمثل خطوة معاكسة للتيار الجارف في أوروبا، ويعلق عليه المواطنون الفرنسيون والأوروبيون المسلمون آمالا كبيرة لوقف تيار حظر النقاب والحجاب والبوركيني، أو على الأقل التخفيف من “سرعته”.

علما بأنها ليست المرة الأولى أن تتدخل لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في النقاش حول العلمنة في فرنسا تحديدا.

ففي أغسطس/آب أعطت اللجنة الحق لفرنسية مسلمة طُردت من عملها لأنها ترفض نزع حجابها في مكان العمل. واعتبر الخبراء أن الأمر يتعلق “بانتهاك حرية الدين” وطلبوا من فرنسا تعويض الشاكية خلال 180 يوما.

اللافت في الموضوع أنه رغم تطبيق قانون حظر النقاب في فرنسا مثلا، لكن هذا اللباس لم يختفِ في الأماكن العامة داخل البلاد.

فالقضية لها جذورها الثقافية والاجتماعية التي لا يمكن لـ”قانون” أن يحلها، وفرنسا التي اشتهرت بكثرة فقهائها القانونيين، ربما نسيت -حسب مراقبين- أن تطبيق “قانون” لا يحل مشاكل ذات امتدادات اجتماعية عميقة، ومن ثم فلا مناص من اللجوء إلى “روح القانون”، حسب تعبير مونتسكيو، لمحاولة خلق توازن في معادلة تضمن أمن فرنسا من جهة واحترام الحقوق الحريات العامة من جهة أخرى.

علما بأن كثيرين يشككون في حقيقة نوايا السلطات الفرنسية، إذ لو أن الأمر يتعلق بحظر النقاب لأنه يخفي الوجه، وهذا له محاذيره الأمنية، فما علاقة ذلك بحظر الحجاب والبوركيني؟

صحيح أن قرار اللجنة الأممية لحقوق الإنسان غير ملزم، لكنه بالنسبة لفرنسا والدول الأوروبية التي لا تكف عن التأكيد أنها تسخر كل إمكانياتها لحماية حقوق الإنسان، يشكل امتحانا حقيقيا لمصداقية أقوالها وأفعالها.

الجزيرة