حرب صامتة شرق سوريا بين الولايات المتحدة وإيران

حرب صامتة شرق سوريا بين الولايات المتحدة وإيران

تستمر إيران في محاولاتها تثبيت موطئ قدم لها في شرق سوريا، رغم الضغوط الخارجية والداخلية التي تواجهها، ويقول دبلوماسيون غربيون إن هذا الأمر متوقع ذلك أن المنطقة المتاخمة للعراق تكتسي أهمية استثنائية بالنسبة إلى طهران ومشروعها التوسعي في المنطقة.

وركزت طهران منذ تدخلها في سوريا عام 2013 على هذا الجزء ولعبت قواتها والميليشيات الموالية لها دورا أساسيا في المعارك التي خاضها الجيش السوري ضد فصائل سورية (سيطرت على منطقة الشرق عام 2012 قبل أن يفتكها تنظيم الدولة الإسلامية عام 2014)، ثم ضد جهاديي داعش.

ونجح الجيش السوري بفضل الدعم الإيراني والروسي عام 2017 في استعادة حوالي نصف مساحة المنطقة، فيما آل النصف الآخر إلى قوات سوريا الديمقراطية المدعومة أميركيا.

ومنذ ذلك الحين تحاول إيران عبر الوجود العسكري وحملات التشيع التي تقوم بها في صفوف المدنيين في محافظة دير الزور أساسا تثبيت نفوذها، وهذا الأمر يشكل أحد الأسباب الرئيسية في استمرار الوجود الأميركي سواء في قاعدة التنف عند المثلث الحدودي السوري العراقي الأردني، في محافظة حمص، أو في محافظة دير الزور حيث عززت واشنطن في الأسابيع الأخيرة انتشارها هناك وخاصة حول حقول النفط والغاز الرئيسية.

ويقول محللون إن حربا صامتة تدور حاليا في شرق سوريا بين إيران والولايات المتحدة التي أعادت في الأسابيع الأخيرة نشر قواتها بعد انسحابها من عدة قواعد عقب عملية “نبع السلام” التركية في شمال شرق البلاد.

حسم ملف الشرق السوري لا يمكن أن يكون خارج التسوية السياسية، وهنا سيكون لروسيا دور بالضغط على حليفتها

وكشفت مصادر سورية، الأربعاء، عن وصول تعزيزات عسكرية إلى مواقع إيران العسكرية في محافظة دير الزور، وتضمنت التعزيزات القادمة من العراق حوالي 100 عنصر، مزودين بمدرعات، وسيارات دفع رباعية مزودة بأسلحة.

ووفق المصادر توجه موكب التعزيزات إلى مركز محافظة دير الزور الخاضعة لسيطرة الحكومة السورية، عقب وصوله إلى منطقة البوكمال الحدودية. وأوضحت أن السيارات التي كانت في موكب التعزيزات، سيتم توزيعها على المجموعات المنتشرة في دير الزور.

ويؤشر هذا التطور على قلق إيران من إمكانية تعرض قواتها المنتشرة في أنحاء من المحافظة لهجمات، بيد أن متابعين يرون أن الدافع الأكثر وجاهة هو صراع النفوذ الأميركي الإيراني الجاري على شرق سوريا، والذي يشكل مصدر قلق روسي.

وكانت واشنطن قد أعادت جزءا مهما من قواتها التي سحبتها في أكتوبر الماضي، إلى العراق، وتمركزت تلك القوات في أنحاء من محافظة الحسكة، وحول حقول النفط والغاز الرئيسية في دير الزور. ويقول محللون إن تركيز واشنطن على منابع النفط يندرج في سياق رغبتها في منع روسيا، وخاصة إيران، من مصدر تمويلي مهم جدا.

وأكد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الثلاثاء، خلال افتتاح أعمال قمة حلف شمال الأطلسي في العاصمة البريطانية لندن، أن الولايات المتحدة وضعت النفط السوري تحت سيطرتها، وأصبح بإمكانها التصرف فيه بشكل كامل.

وقال ترامب “لقد حاول داعش حفظ سيطرته على النفط، أما الآن فأصبحنا نحن الذين نسيطر عليه بشكل كامل، ويمكننا أن نفعل به ما نشاء”. وأضاف “أقول بكل صراحة إننا نتمتع في هذا الشأن بدعم عدد كبير من الناس المختلفين، وفي حقيقة الأمر، لم يبقَ في هذه الأراضي السورية من عسكريينا سوى من يحمون النفط، النفط في أيدينا”.

صراع النفوذ الأميركي الإيراني على شرق سوريا يقلق روسيا
صراع النفوذ الأميركي الإيراني على شرق سوريا يقلق روسيا
وتزامنت تصريحات ترامب مع أخرى للمتحدث باسم قوات سوريا الديمقراطية كينو جبرائيل الذي قال في بيان إن “قوات تابعة للتحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة عادت إلى شمال شرق سوريا”. وأوضح أن قوات سوريا الديمقراطية أتمت إعادة الانتشار في منطقة الجزيرة السورية (مدن الحسكة وقامشلي وديريك) ودير الزور بصورة مشتركة مع التحالف الدولي.

وأعلن الرئيس الأميركي في أكتوبر الماضي، سحب قوات بلاده من منطقة عملية “نبع السلام” العسكرية، التي شنّتها تركيا، ضد وحدات حماية الشعب الكردي شمال شرقي سوريا، لكنه أكد نية واشنطن إبقاء الحقول النفطية في هذا الجزء من سوريا تحت سيطرتها.

ويستبعد مراقبون وقوع مواجهة عسكرية بين إيران والولايات المتحدة في شرق سوريا على الأقل على المدى المنظور، حيث أن الطرفين لا يريدان أن تصل الأمور إلى هذه النقطة، فضلا عن كون طهران تدرك أن مثل هذه المواجهة ليست من صالحها فهي غير متكافئة في ظل وجود سلاح الطيران الأميركي حيث سبق وأن تعرضت قوات لها أرادت التسلل إلى أحد المواقع في دير الزور لهجوم من قبل طيران التحالف الدولي، ما أدى إلى وقوع العشرات من القتلى والجرحى.

ويقول محللون إن هناك شبه اقتناع بأن حسم ملف الشرق السوري لا يمكن أن يكون خارج التسوية السياسية، وهنا سيكون لروسيا دور أساسي من خلال الضغط على حليفتها للانسحاب من هذا الجانب. ويشير هؤلاء إلى أن الأمر لن يكون سهلا، ذلك أن شرق سوريا يعد البوابة الرئيسية لإيران للوصول إلى البحر المتوسط، وقد شكل أحد الدوافع لانخراطها في الصراع السوري الذي كلفها غاليا عسكريا واقتصاديا، وبالتالي أي انسحاب من وجهة نظرها يجب أن يقابل بثمن أكبر.

العرب

Print Friendly, PDF & Email