احتدام الصدام الفرنسي التركي بسبب تعارض المصالح في أفريقيا

احتدام الصدام الفرنسي التركي بسبب تعارض المصالح في أفريقيا

احتدت المشادات الكلامية مؤخرا بين الرئيس الفرنسي ونظيره التركي لتكشف عن توجس فرنسي من تصاعد نفوذ تركيا في أفريقيا الغنية بثرواتها التي لطالما مثّلت مخزونا استراتيجيا يؤمّن لفرنسا الكثير من حاجياتها الاستهلاكية. وتزداد مخاوف فرنسا أكثر بعد إبرام حكومة الوفاق الليبية لمذكرة تفاهم عسكرية وأمنية مع تركيا.

لندن – شهدت قمة حلف شمال الأطلسي تلاسنا جديدا بين ساكن الإليزيه، إيمانويل ماكرون ونظيره التركي رجب طيب أردوغان لتكشف من جديد عن تفاقم خلافات البلدين التي تغذيها معركة المصالح بينهما خاصة في أفريقيا.

ومثّلت تصريحات للرئيس الفرنسي حول حلف الناتو القطرة التي أفاضت الكأس بعد أن قال إن الحلف يعيش حالة ’’موت سريري’’ وهو التوصيف الذي اقتبسه أردوغان لمهاجمة ماكرون.

وأخرج هذا التصريح الصراع التركي الفرنسي حول العديد من الملفات، وأبرزها الملف الليبي إلى العلن، حيث تدفع أنقرة بكامل ثقلها لمساعدة حكومة الوفاق على الصمود أكثر في مواجهة الجيش الوطني الليبي.

وتحاول تركيا حشد الدعم الدولي لحكومة الوفاق وهو ما دفع بالطرفين إلى توقيع مذكرة تفاهم أمنية وعسكرية طالتها الانتقادات من كل حدب وصوب.

وتشير العديد من المصادر إلى أن المذكرة تهدف إلى تمكين أنقرة من استغلال المياه البحرية الليبية، وكذلك لأجوائها وحتى أراضيها لإنشاء قواعد عسكرية.

وتُضاف تركيا إلى قائمة الدول التي تزاحم فرنسا على ليبيا، حيث واجهت باريس قبل ذلك إيطاليا التي تسعى بدورها إلى أخذ نصيبها من ’’الكعكة الليبية’’ كون ليبيا مستعمرة إيطالية سابقة.

وترجم الرئيس ماكرون غضبه على أردوغان بتوجيه سهام نقده من جديد إليه ولكن هذه المرة بأشد حدة، حيث اتهم بلاده بالتعامل مع ”وكلاء داعش”، في إشارة إلى الأزمة الليبية والسورية معا.

والواضح أن الغضب الفرنسي على أردوغان تصاعد أكثر إثر توقيع المذكرة بين طرابلس وأنقرة.

ولعل الغضب الفرنسي ليس من هذه المذكرة التي قد تفتح الباب على مصراعيه على تعاون بين ميليشيات حكومة الوفاق وتركيا، بقدر ما هو من الاتهامات التي يلقيها الإعلام الموالي لحكومة الوفاق لفرنسا بالتدخل في الشأن الليبي من خلال دعم الجيش الوطني بقيادة المشير خليفة حفتر، وهو ما تنفيه باريس. ولم يقف الصراع المحموم بين باريس وأنقرة على أفريقيا وعلى ليبيا بل وشمل كامل منطقة القرن الأفريقي.

فتاريخيا كان أردوغان أول رئيس غير أفريقي يزور الصومال في العام 2011، وكان البلد الأفريقي آنذاك يرزح تحت وطأة مجاعة مهلكة.

ومثّلت هذه الزيارة للرئيس التركي منطلقا ليتخذ من العمل الإنساني ومن استعطاف مسلمي هذا البلد بداية لعمل على توسعة نفوذ بلاده واستعادة ما فقدته الإمبراطورية العثمانية.

ولم يكن أمام أردوغان خيارات كثيرة لكنه سلك الطريق الأقرب لبلوغ هدف أنقرة المنشود وهو حشد تأييد وولاء أفريقي لتركيا، وترسيخ اسمها كقوة منافسة لفرنسا على القرن الأفريقي، وكان ذلك من خلال الاستثمارات وبعث بعض المشاريع وهو ما أثار حفيظة باريس.

ومنذ وصول أردوغان وحزبه العدالة والتنمية للحكم عام 2002 شهدت الدبلوماسية التركية الأفريقية نقلة نوعية، حيث ارتفعت عدد سفارات أنقرة في أفريقيا من 12 إلى 42 وهو ما يؤكد محاولة تركيا تعزيز حضورها في أفريقيا الغنية بثرواتها.

وكان نائب أردوغان فؤاد أوقطاي قد أعرب في وقت سابق عن عزم بلاده دعم الاستثمار في السودان والنيجر في مغازلة لقادة هذين البلدين بعد أن أعطت سياسة الانفتاح التركية على الصومال وغيرها من دول أفريقيا أكلها.

وبالحديث عن الأسباب الكامنة وراء الحضور اللافت الذي باتت تحظى به تركيا في أفريقيا فإن الخطاب الديني الذي ينتهجه أردوغان كان له عميق الأثر، إذ قال في 19 أكتوبر الماضي ’’نحن المسلمون سنراعي وعي الأمة وحقوق الأخوة دائمًا ولا يمكن للحدود المصطنعة أن تحصر آفاقنا’’.

ولا يفوت أردوغان الفرصة لانتقاد ممارسات الدول الغربية وتنافسها على نهب ثروات أفريقيا، حيث أشار خلال القمة الثالثة للزعماء الدينيين بأفريقيا في أكتوبر ’’الدول الغربية لا تريد لأفريقيا أن تنهض وتستفيد من إمكاناتها الهائلة وتنعم بالسلام’’.

والظاهر لم يعد التواجد العسكري لفرنسا في منطقة الساحل الأفريقي، الذي اخترقته تركيا من خلال مالي، يفي بالغرض لاسيما بعد تأكيد باريس على أن “معركتها في الساحل ستستغرق وقتا طويلا”.

وبالرغم من الأبوية السياسية والاقتصادية التي أنشأتها فرنسا في بلدان الساحل وفي مقدمتها مالي، إلا أنها باتت تدرك اليوم الخطر الذي يتربص بنفوذها في ظل تصاعد مقاومة الجماعات الإسلامية المتشددة هناك.

والأبوية، شكل من أشكال السلطة السياسية التي يكون فيها الحاكم أو ممثلو الدولة الآخرون بمثابة الأب، ويكون المواطنون بمثابة الأبناء، وهنا يعني أمرين أحدهما سياسي والثاني اقتصادي.

ومن أجل تكريس أبويتها على أفريقيا تعتمد فرنسا بالأساس على التدخل العسكري بذريعة مواجهة الإرهاب وكذلك على الجماعة المالية الأفريقية التي تأسست منذ 60 عاما،

وتسعى إلى ترسيخ الثقافة الفرنسية ورعاية مصالح باريس الاقتصادية من خلال التعامل بالفرنك الذي فرضته فرنسا لحماية مصالحها الاقتصادية في أفريقيا.

ومن المؤكد أن المعركة بين أنقرة وباريس ستشهد فصولا أخرى في المستقبل بالرغم من الانحياز الأميركي لتركيا في بعض الأحيان في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب الذي يضع مصالحه قبل أي تحرك.

العرب

Print Friendly, PDF & Email