أميركا تترك أفغانستان على شفا الانهيار

أميركا تترك أفغانستان على شفا الانهيار

ثمة صورة انتشرت كالفيروس على مواقع التواصل الاجتماعي الأفغانية. ولولا بندقية الكلاشينكوف فيها لما كانت الصورة لتُلحظ. فالإطار خارج المركز، ويمكن رؤية ظل المصور في الأسفل. وفي الخلفية تظهر البوابة الغربية لمزار شريف، على بعد حوالي 15 كم فقط من وسط رابع أكبر مدينة في أفغانستان. وفي المنتصف يظهر رجل يبدو وكأنه يشعر بالملل، يرتدي الزي المحلي التقليدي وعلى رأسه عمامة برتقالية. لكن البندقية التي يرفعها عالياً في يده اليمنى هي التي تجعله ينتسب إلى طالبان. وكان هذا، والتعليق المصاحب للصورة هما اللذان جعلاها تشق طريقها عبر الهواتف المحمولة لسكان المدينة أواخر الشهر الماضي: “طالبان على الأبواب”، حذر التعليق.
وسرعان ما اجتاح الذعر المدينة. في الأيام السابقة، سقطت منطقة تلو أخرى في مقاطعة بلخ المجاورة لتنتقل من سيطرة الحكومة وإلى أيدي طالبان. وعانت مناطق شاسعة في شمال أفغانستان مصيرا مماثلا في الأسابيع الأخيرة. وكان هذا مثيراً للقلق البالغ بالنظر إلى أن بلخ تتمتع بسمعة كونها معقلًا للمقاومة المناهضة لطالبان. وهي تقع على مسافة بعيدة من معاقل المتمردين الجنوبية. وبدا الظهور المفاجئ للمسلح في الصورة المذكورة إشارة واضحة إلى أن الهجوم بات وشيكاً. ويتذكر أمير محمدي، وهو تلميذ يبلغ من العمر 18 عامًا في المدينة: “في ذلك اليوم، أُغلق كل شيء وذهب الجميع إلى منازلهم”.
بعد أقل من ثلاثة أشهر من إعلان الرئيس جو بايدن خروج آخر القوات الأميركية من أفغانستان بحلول 11 أيلول (سبتمبر)، أصبح الانسحاب قريباً من الاكتمال. وكانت المغادرة من قاعدة باغرام الجوية، الواقعة على بعد ساعة بالسيارة تقريباً إلى الشمال من العاصمة كابول، بمثابة نهاية للحرب الأميركية التي استمرت 20 عامًا. لكن هذا لا يعني نهاية الحرب في أفغانستان. وإذا كان ثمة شيء، فسوف يزداد الأمر سوءًا فحسب.
أنفقت الولايات المتحدة وحلفاؤها في حلف “الناتو” مليارات الدولارات على تدريب وتجهيز قوات الأمن الأفغانية، على أمل أن تتمكن يومًا ما من الوقوف بمفردها. ولكن، بدلاً من ذلك، شرعت هذه القوات في التعثر حتى قبل مغادرة أميركا. وهناك الكثير من المناطق التي لا يتم الاستيلاء عليها بالقوة، وإنما يتم تسليمها ببساطة. وقد استسلم الجنود ورجال الشرطة الأفغان بأعداد كبيرة، تاركين أكوامًا من الأسلحة والذخائر المشتراة من أميركا وأساطيل من المركبات. وحتى عندما كانت آخر القوات الأميركية تغادر قاعدة باغرام في عطلة نهاية الأسبوع في 3 تموز (يوليو)، كان أكثر من 1.000 جندي أفغاني منهمكين بالفرار عبر الحدود إلى طاجيكستان المجاورة أثناء سعيهم للهروب من هجوم طالبان. ويقول دبلوماسي غربي: “الجميع مصدومون من السرعة التي تتداعى بها الأشياء”.
على الورق، يجب أن يكون الجيش والشرطة الأفغانيين أكثر عددًا وأفضل تجهيزًا من خصومهم. أما على أرض الواقع، فإنهم غالبًا ما يخضعون لقوى أصغر بكثير. وهبوط المعنويات سبب كبير. فالجنود يشتكون من تخلي قادتهم عنهم ومن العمل من دون أجر أو طعام أو ذخيرة. وقد أدى الانسحاب الأميركي إلى تقليص الدعم الجوي من حلف شمال الأطلسي، الذي كانت القوات الأفغانية تعتمد عليه. وتشكل القوة الجوية المحلية الوليدة بديلاً ضعيفاً فحسب.
ويقدر إحصاء مستمر تجريه “مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات”، وهي مؤسسة فكرية في واشنطن، سيطرة طالبان على ما يقرب من نصف المقاطعات الأربعمائة في البلاد. وتنفي الحكومة في كابول ذلك بشدة وتقول إن أي انسحاب حدث كان مؤقتًا فقط وسيتم التراجع عنه. وقد تمت استعادة بعض المناطق، أو تغيرت الأيدي التي تسيطر عليها مرات عدة. والكثير منها بعيد وليس لها وجود حكومي أو أهمية استراتيجية تذكر. لكنَّ سلسلة الانتصارات أعطت حركة طالبان الزخم. ويشعر الدبلوماسيون بالقلق من أنه سيستمر.
كما قامت حركة طالبان بحملة دعاية ماكرة لتأكيد تقدمها الذي لا يلين على ما يبدو، وهي تُظهر أن الذين يستسلمون يُعاملون بشكل جيد. وقد سئم العديد من الأفغان من حكومة فاسدة ونائية لا تقدم فائدة تذكر للمواطنين. وقد لا تعجبهم قيود طالبان، لكنهم ليسوا مهتمين كثيرًا بالوضع الحالي للأمور أيضًا.
لم يحدث الهجوم الذي يُخشى منه كثيراً على مزار الشريف حتى كتابة هذه السطور. وقد نشر الجيش الأفغاني بسرعة صوره الخاصة على مواقع التواصل الاجتماعي لإظهار سيطرته الكاملة على البوابة الغربية. وشرعت المدينة في تهدئة نفسها، لكن رسائل الحكومة لا تصل إلى أبعد من بضعة أميال قليلة خارجها. وقد تدفق الآلاف من سكان الريف على المدينة بحثًا عن ملاذ من طالبان.
يقول مرتضى سلطاني، وهو سائق يبلغ من العمر 22 عامًا من حي قريب، إن قريته سقطت في منتصف حزيران (يونيو) من دون إطلاق رصاصة واحدة. وقد غادر القرية لأن طالبان كانت تبحث عن متطوعين للانضمام إليها. ويقول: “حتى لو لم يقتلونا، فإنهم يقيدون الناس ولا توجد طريقة للعيش”. ومن دون عمل، يقضي سلطاني الوقت في باحة مسجد مزار الشريف الأزرق المهيب: “ليست لدي نقود لأغادر والحدود مغلقة”.
والرحيل هو الشغل الشاغل للكثيرين. في مكتب الجوازات في كابول، ينتظر آلاف الأفغان في طوابير، أحيانًا لأيام، للحصول على وثائق السفر، إما للاستخدام الفوري أو من باب الاحتياط في حال لزمت لاحقاً. ويعرف الكثير من الأفغان من التجربة المريرة معنى أن تكون لاجئًا؛ وهم لا يأخذون هذا الخيار باستخفاف. ومع ذلك، فإن مشهد تقدم طالبان الذي يكاد يكون من دون رادع يساعدهم على اتخاذ القرار.
يقول جمال الدين بهبودي، وهو رسام محلي يبلغ من العمر 34 عامًا، ويجلس خارج مكتب الجوازات مع أطفاله: “أريد أن أذهب إلى طهران”. وتُعد إيران، إلى جانب باكستان وتركيا وآسيا الوسطى، خيارًا شائعًا للهروب. لكن الوباء جعل السفر صعبًا على الجميع. وفي مزار الشريف نفسها، أدى تدهور الوضع الأمني إلى قيام العديد من الدول، بما في ذلك إيران، بإغلاق قنصلياتها.
بينما تبدو التوقعات بالنسبة للجيش والمدنيين يائسة بشكل متزايد، كذلك تبدو الإجراءات التي اقترحتها الحكومة. ويحاول الرئيس أشرف غاني حشد الميليشيات لدعم الجيش الضعيف. وقد لجأ إلى طلب المساعدة من شخصيات مثل عطا محمد نور، الذي صعد إلى السلطة كقائد مناهض للسوفيات ومناهض لطالبان، وهو الآن حاكم ورجل أعمال في مقاطعة بلخ. وقال السيد نور في قاعة استقباله المذهبة في مزار الشريف: “مهما حدث، سوف ندافع عن مدننا وكرامة شعبنا”.
وسوف تكون مثل هذه التعبئة إجراءً مؤقتًا لمنح الجيش مساحة للتنفس والسماح له بإعادة تجميع صفوفه، كما يقول. وسوف تنسق القوات الجديدة مع القوات الحكومية. لكن احتمال إطلاق العنان للجيوش الخاصة لأمراء الحرب يملأ الكثير من الأفغان بالرعب، ويذكرهم بالفوضى التي سادت في فترة التسعينيات. وتميل هذه الميليشيات، التي نشأت على أسس عرقية، إلى الانقلاب على بعضها بعضا وعلى عامة الناس.
ويعتقد مطيع الله تراخيل، وهو جندي من ولاية لغمان الشرقية، أن تشكيل الميليشيات هو بمثابة تسليم للسلطة. وقال وهو يصطف للحصول على جواز سفر لوالده المريض: “كنا قد مررنا بهذا في السابق. للناس أعداء. وربما يريد رجال الميليشيات هؤلاء قتل خصومهم، لكنهم سيقولون إنها طالبان هي التي فعلت”.
مع رحيل أميركا وانهيار القوات الأفغانية، تتخيل طالبان آفاقها. وهي لا تظهر سوى القليل من الدلائل على الانخراط في مفاوضات جادة مع إدارة السيد غاني. ومع ذلك، لا تسيطر طالبان على بلدات أو مدن رئيسية. وتشكل السيطرة على مناطق متجاورة من الريف ضغطاً على المراكز الحضرية، لكن طالبان قد لا تكون في عجلة من أمرها لفرض قضيتها. فهي تفتقر عموماً إلى الأسلحة الثقيلة. وربما تفتقر أيضًا إلى الأعداد اللازمة للاستيلاء على مدينة في مواجهة مقاومة مستمرة. وفي 7 تموز (يوليو) فشلت في الاستيلاء على كالا-إي-ناو، وهي بلدة صغيرة. وإلى جانب ذلك، سيكون من شأن السيطرة على مدينة أن تجلب للحركة صداعاً جديداً؛ فطالبان ليسوا جيدين في تقديم الخدمات الحكومية.
وقال المتحدث باسم طالبان، سهيل شاهين، لمحطة “بي بي سي” في الخامس من تموز (يوليو) إن الاستيلاء على كابول بالقوة “ليس سياسة طالبان”. وقد يكون أفضل مسار لهم هو تشديد الخناق وانتظار الحكومة حتى تتعثر. ولا تني التوقعات الأميركية لمصير المدينة تزداد قُتامة. وتعتقد وكالات الاستخبارات أن حكومة غاني يمكن أن تنهار في غضون ستة أشهر، وفقًا لصحيفة “وول ستريت جورنال”.
ويقول أمير محمدي، المراهق في مزار الشريف، إن العديد من معاصريه يخشون أن المستقبل سيكون قاتماً. ويضيف: “يبدو أن الأمور ستزداد سوءًا. من الأفضل المغادرة”. وهذا هو الشعور نفسه السائد في واشنطن أيضاً.

الغد