الصين.. ضغط على طهران وتأييد لاسلام آباد

الصين.. ضغط على طهران وتأييد لاسلام آباد

أبرزت المواجهة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية مواقف دولية وإقليمية، افرزتها استمرار العمليات الحربية والقصف الجوي والصاروخي الذي طال العمق الإيراني في كافة الأصعدة وما نتج عنه من خسائر كبيرة، كان منها ما أصاب القيادات السياسية والعسكرية والأمنية الإيرانية وفي مقدمتها المرشد الأعلى علي خامنئي، ثم ما أصاب المواقع والاماكن والمنشآت والمقررات العسكرية وما لحق بها من خسائر كبيرة في سلاح القوة البحرية الإيرانية ثم ما حل من إصابات بالغة في منصات الدفاع الجوي وإطلاق الصواريخ الباليستية ومخازن ومذاخر الطائرات المسيرة والصواريخ بعيدة المدى، وما لحق بالصناعات العسكرية والمدنية ومصانع الصلب والحديد والألمنيوم من خسائر جسيمة، كانت مثار متابعة جادة واهتمام دولي وإقليمي وتحديدًا من حلفاء إيران الاستراتيجين ( روسيا والصين).
ورغم أن القيادة الصينية لم تبدي موقفًا مباشرًا وحاسمًا في المشاركة الفعلية في دعم إيران، وهي من ثوابت السياسة الخارجية الصينية بعدم تدخلها العسكري مع أي دولة حتى ولو كانت على شراكة استراتيجية معها، كما هو الحال مع إيران التي سبق وأن وقعت معها في 27 آذار 2021 على (وثيقة برنامج التعاون الشامل) لمدة 25 عامًا ، بهدف تعزيز الشراكة الاقتصادية والأمنية الاستراتيجية، وشملت الاتفاقية استثمارات صينية بقيمة تقديرية تصل إلى 400 مليار دولار في قطاعات الطاقة والبنية التحتية الإيرانية مقابل إمدادات نفطية مستمرة للصين بهدف تعزيز مبادرة (الحزام والطريق) الصينية،ومع أن الاتفاقية نصت على تعزيز التعاون العسكري بين بكين وطهران في مجالات التدريبات المشتركة وتبادل المعلومات الاستخباراتية وتطوير الأسلحة، إلا القيادة العسكرية الصينية لم تتدخل إلا عبر مواقف سياسية ودعم إيران في أي قرارات صادرة من مجلس الأمن الدولي ولم يكن لها أي دور في إدارة الصراع بين واشنطن وطهران بل عملت على استثمار الفرص التي احدثتها المواجهة العسكرية تمكنت من تعزيز عملية حصولها على النفط الإيراني وبعملة صينية محلية وبأسعار زهيدة مدعومة ايرانيًا بسبب العقوبات الاقتصادية والحصار البحري، واستخدمت أصولها الاستراتيجية في عدم اطلاقها رصاصة واحدة من أجل حليفها الاستراتيجي الإيراني ولم توقع على أي بيان إدانة مباشرة ضد الولايات المتحدة الأمريكية، بل امعنت في إعادة رسم التبعية الاستراتيجية لطهران التي باتت أكثر احتياجًا لها في التغطية الاقتصادية وإمكانية التسليح التقني في محاولة جادة من القيادة الصينية للحصول على موطئ قدم لها في منطقة الشرق الأوسط وقريبًا من الوطن العربي حتى تحقق لها غاياتها وأهدافها في حصاد ما زرعته خلال السنين الماضية.
أن القيادة الصينية تدرك جيدًا أنها لا يمكن لها أن تفرض إراداتها السياسية والاقتصادية عبر عمليات عسكرية أو تدخلات إقليمية، فالجيش الصيني ورغم عملية التطور المتنامي والمتقدم في كافة مؤسساته وهياكله التعبوية والتسليحية إلا أنه يفتقد إلى وجود قواعد عسكرية خارجية له في عديد من بلدان العالم التي تتمتع فيها الصين بعلاقات اقتصادية وتجارية واستثمارات مالية كبيرة، وهو ما تتميز به الولايات المتحدة الأمريكية من انتشار واسع لتواجدها ونفوذها وإمكانياتها العسكرية في مناطق مهمة من العالم، وإنما يتحدد الوجود العسكري الصيني عبر نشر قوات ذات مهام محددة لمكافحة القراصنة البحرية في خليج عدن منذ عام 2008.
وكانت لاتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة مع إيران أهمية مشتركة في تعزيز التعاون الاقتصادي والامني والتكنولوجي بين ( بكين وطهران)، حيث ساهمت الاتفاقية في تخفيف آثار العقوبات الدولية عبر الأساليب والطرق التي تابعتها الصين عبر شبكاتها التجارية والمالية ونقل التكنلوجيا والتجارة ذات الاستخدام المزدوج والتسهيلات المالية التي قدمتها البنوك والمصارف الصينية وشركاتها الوهمية وشركات الوساطة في دعم عمليات بيع النفط الإيراني والأسطول الناقل للطاقة، مقابل الحصول الإيراني على التقنيات الخاضعة للرقابة التي تدعم برامج الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة ، وهي مساعدة كبيرة قدمها الصينيون لإيران في عملية واسعة للالتفاف على العقوبات الأميركية ولكي تتمكن من مواصلة انشطتها وفعالياتها العسكرية والأمنية التي تهدد أمن واستقرار بلدان الشرق الأوسط والوطن العربي، بينما تحصل الصين على النفط الإيراني بكلفة منخفضة وتعمل على توسيع نفوذها في الشرق الأوسط وتأمين مصادر الطاقة،
و اتفاقية الشراكة تتضمن ما يصل إلى 280 مليار دولار أمريكي لتطوير قطاعات النفط والغاز والبتروكيماويات في إيران واستثمارات أخرى بقيمة 120 مليار دولار لتحديث البنية التحتية للنقل والتصنيع في إيران.
أن الأهمية الاقتصادية التي تتمسك بها الصين تجاه إيران لها ابعادها وقواسمها المشتركة عبر التعاون الثنائي في المنظمات الاقتصادية الدولية والإقليمية وخاصة مجموعة ( بريكس) ومنظمة شنغهاي للتعاون الأمني الإقليمي، وبحسب دراسة موسعة للكونكرس الأمريكي تتعلق بآفاق العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، فإن المشتريات الصينية شكلت 90٪ من صادرات النفط الإيرانية، وهو ما وفر عشرات المليارات من الدولار لدعم الموازنة المالية للحكومة الإيرانية وساهم في تنوع أنشطة فيلق القدس والحرس الثوري الإيراني في عواصم الأقطار العربية ( لبنان والعراق واليمن).
تتابع القيادة الصينية التطورات الميدانية وتحاول جاهدة أن يكون لديها دور إقليمي في دعم المبادرة الباكستانية واقناع الإيرانيين للتجاوب مع المقترحات والآراء التي تساهم في استمرار المفاوضات مع الولايات المتحده الامريكيه ومنع معاودة القتال مرة أخرى مع إقناع المسؤولين الإيرانيين بضرورة الحفاظ على نظامهم السياسي الذي يشكل هدفًا سياسيًا استراتيجيًا التوجه الإقليمي للقيادة الصينية التي لا ترغب في تحقيق أي انجاز ميداني يساهم في تعزيز وتوسيع الهيمنة والنفوذ الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط بما قد يحقق عملية عدم توازن عالمي في مناطق قريبة من المصالح والمنافع الاقتصادية الصينية ويشكل عامل ضغط مباشر على القرار السياسي الصيني، والذي تسعى فيه القيادة الصينية على أن يكون لها دور هام في أي نظام إقليمي جديد في الشرق الأوسط والوطن العربي بعد نهاية المواجهة العسكرية الأمريكية الإيرانية الإسرائيلية والسعي لعقد اتفاقيات دفاع مشتركة مع اقطار الإقليم وخاصة مجلس التعاون الخليجي العربي، لتكون بداية لعملية منهجية عملية لبناء بنية أمنية جديدة ومساحة واسعة لتعاون واستثمار اقتصادي واسع.

وحدة الدراسات الإيرانية 

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية