الباحثة شذا خليل*
لم يعد التوتر في مضيق هرمز مجرد خبر عاجل يتكرر في نشرات الأخبار، بل تحول في الساعات الأخيرة إلى مؤشر خطير على اقتراب مواجهة قد تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي بالكامل. فمع إعلان الولايات المتحدة نيتها فرض حظر فعلي على الملاحة إلى موانئ إيران، وبعد فشل المفاوضات في إسلام أباد، يبدو أن العالم دخل مرحلة جديدة: مرحلة “حافة الحرب”.
لكن السؤال الأهم ليس: هل ستندلع الحرب؟
بل: من سيدفع الثمن الحقيقي؟
صراع سياسي أم إعادة رسم للنظام العالمي؟
القراءة السطحية ترى أن ما يحدث هو تصعيد بين واشنطن وطهران. لكن القراءة الأعمق تكشف أن الأزمة تتجاوز ذلك بكثير. نحن أمام صراع على التحكم في شريان الطاقة العالمي، حيث يمر عبر مضيق هرمز نحو خُمس النفط العالمي.
إغلاق المضيق أو حتى تهديده لا يعني فقط تعطيل سفن، بل يعني عملياً:
إعادة تسعير الطاقة عالمياً
إعادة توزيع النفوذ الاقتصادي
اختبار قدرة النظام الدولي على الصمود
ومن هنا نفهم لماذا سارعت دول مثل اليابان والصين وآسيان إلى الدعوة لخفض التصعيد. فهذه الدول لا تخشى الحرب فقط، بل تخشى انهيار الاستقرار الاقتصادي الذي بُني خلال عقود.
الاقتصاد أول ضحية… وليس السياسة
التاريخ يقول إن الحروب تبدأ سياسياً لكنها تُحسم اقتصادياً. وفي هذه الأزمة، المؤشرات واضحة:
أسعار النفط مرشحة للارتفاع الحاد
تكاليف الشحن والتأمين ستقفز
الأسواق المالية ستدخل مرحلة اضطراب
لكن الأخطر هو ما لا يُقال صراحة:
العالم اليوم أضعف مما كان عليه في أزمات سابقة.
اقتصادات كبرى تعاني من تضخم مرتفع، ديون تاريخية، ونمو هش. أي صدمة في الطاقة قد تتحول سريعاً إلى:
ركود عالمي
أزمة معيشية واسعة
اضطرابات اجتماعية في عدة دول
قرارات عسكرية… بنتائج اقتصادية كارثية
إعلان واشنطن اعتراض السفن وتدمير الألغام ليس مجرد خطوة عسكرية، بل رسالة واضحة:
السيطرة على المضيق أصبحت هدفاً استراتيجياً مباشراً.
لكن هذه الخطوة تحمل مخاطرة كبيرة، لأن أي احتكاك عسكري ولو محدود قد يؤدي إلى:
توقف فعلي لحركة النفط
قفزة جنونية في الأسعار
فقدان الثقة في استقرار الأسواق
وهنا يكمن الجدل الحقيقي:
هل تسعى الولايات المتحدة لردع إيران، أم أنها مستعدة لتحمل صدمة اقتصادية عالمية لتحقيق أهدافها؟
العالم منقسم… والقلق يتصاعد
المواقف الدولية تكشف حالة انقسام واضحة:
أوروبا تحذر من تداعيات طويلة الأمد
الصين تدعو إلى تجنب الحرب
بريطانيا ترفض الانجرار للتصعيد
الفاتيكان يرفع صوتاً أخلاقياً ضد الحرب
هذا التباين يعكس حقيقة مهمة:
لا أحد يريد الحرب… لكن الجميع يستعد لنتائجها.
السيناريو الأخطر: حين تصبح الأزمة خارج السيطرة
إذا استمر التصعيد، فإن السيناريو الأكثر خطورة ليس الحرب المباشرة، بل فقدان السيطرة التدريجي:
اشتباكات محدودة تتحول إلى مواجهة أوسع
تعطيل جزئي للملاحة يتحول إلى إغلاق فعلي
ارتفاع الأسعار يتحول إلى أزمة اقتصادية عالمية
وفي هذه اللحظة، لن يكون السؤال عن إيران أو أمريكا، بل عن:
هل يستطيع الاقتصاد العالمي تحمل صدمة جديدة؟
الخلاصة: العالم أمام اختبار حقيقي
ما يحدث في مضيق هرمز ليس أزمة عابرة، بل اختبار لقدرة النظام العالمي على إدارة الصراعات دون الانهيار الاقتصادي.
الهدنة قد تنهار، والمفاوضات قد تفشل، لكن الحقيقة الأوضح هي أن:
العالم يسير على حافة أزمة قد تبدأ في الخليج… وتنتهي في كل بيت على هذا الكوكب.
وحدة الدراسات الاقتصادية / مكتب شمال امريكا
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية
