معمر فيصل خولي
علينا أن نتفق أن حزب العدالة والتنمية في تركيا، منذ مجيئه إلى الحكم في تشرين الثاني/ نوفمبر عام 2002م، شكّل نقطة تحول في السياسة الداخلية والخارجية، ولكي تصبح تركيا مع هذا الحزب قوة إقليمية لا يستهان بها، اعتمدت على سياسات داخلية وخارجية وضعتها على الخارطة الدول الاقليمية المؤثرة، ومن هذه السياسات، الجانب العسكري في الصناعات الدفاعية.
حيث شهدت تلك الصناعات خلال العقد الأخير تحولاً جذرياً نقل تركيا من مرحلة الاعتماد الكبير على شراء احتياجتها العسكرية من الخارج إلى مرحلة متقدمة من الاكتفاء الذاتي النسبي والتوسع في التصدير. وجاء هذا التطور نتيجة استراتيجية طويلة الأمد تبنتها أنقرة لتعزيز قدراتها العسكرية المحلية، خصوصاً في مجالات الطائرات المسيّرة، والأنظمة البرية، والرادارات، والصواريخ.
ففي يوم الثلاثاء الماضي، كشفت تركيا عن أول صاروخ باليستي ” بعيد المدى” محلي عابر للقارات أطلقت عليه اسم “يلدريم خان”، وتعني “الصاعقة” باللغة التركية، ويصل مدى الصاروخ التركية إلى نحو 6 آلاف كيلومتر، وذلك خلال فعاليات معرض “ساها 2026” الدولي للصناعات الدفاعية والطيران والفضاء المنعقد في مدينة إسطنبول.
ويصنف الصاروخ الجديد ضمن الأسلحة “فرط الصوتية”، حيث تتراوح سرعته بين 9 و25 “ماخ”، وهو ما يمنحه قدرة فائقة على مناورة وتجاوز أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي المتطورة. ويعمل “يلدريم خان” بوقود سائل من نوع “رباعي أكسيد النيتروجين”، ويُدفع بواسطة 4 محركات صاروخية، مع قدرة استيعابية لحمولة متفجرة تصل إلى 3 آلاف كيلوغرام.
وشارك وزير الدفاع التركي يشار غولر في مراسم الكشف عن الصاروخ الذي طوّره مركز البحث والتطوير التابع للوزارة، مؤكدا في كلمته : “أن قطاع الصناعات الدفاعية التركي تحول إلى منظومة متكاملة لتطوير التكنولوجيا المتقدمة، مشددا على أن هذا الإنجاز جاء نتيجة تخطيط طويل الأمد وإرادة حازمة”.
يأتي هذا الانجاز العسكري بعد أسبوعين من اعلان تركيا عن انتاج صاروخ ” فرط صوتي” كما أنه يأتي في أثناء هدنة الحرب بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة أخرى وإيران من جهة أخرى. والمؤكد ان اسرائيل في حالة تقييم مستمرة للقفزات العسكرية التي حققتها الدولة التركية في عهد حزب العدالة والتنمية، وهذا الأمر من شأنه أن يقلق إسرائيل، فالعقيدة العسكرية الاسرائيلية تنظر بعين الريبة والشك والخوف والقلق لكل دولة عربية وإسلامية مجاورة لها تتنامى فيها القدرات العسكرية خشية ان تستخدم ضدها في يوم من الأيام .
فالسياسة والعلاقات الدولية المنبثقة عنها كما نعلم عبارة عن رمال متحركة، فالعلاقات التركية الاسرائيلية في الوقت الحاضر ليس على ما يرام خاصة، إذا علمنا ان تركيا كانت من اول الدول الإسلامية التي اعترفت باسرائيل، وقد تعزز ذلك الاعتراف بتوقيع اتفاقية عسكرية بينهما في تسعينيات القرن الماضي، وكما تعاونت المخابرات التركية مع الاسرائيلية في اعتقال عبدالله اوجلان زعيم حزب العمال الكوردستاني في العاصمة الكينية نيروبي في شباط / فبراير عام ١٩٩٩م.
لكن مع مجيء حزب العدالة والتنمية إلى حكم تركيا شهدت العلاقات التركية الاسرائيلية منعطفات بدءًا من حروب إسرائيل على غزة ” 2008م، 2010م، 2012م، 2014م” مرورا بسفينة مرمرة التركية التي حاولت كسر الحصار الاسرائيلي على غزة، وقتل خلالها عدد من المواطنيين الأتراك.
وصولا إلى احداث السابع من اكتوبر عام ٢٠٢٣م، والتي أدت إلى تدهور العلاقات التركية الإسرائيلية حينما امعنت حكومة نينياهو في ارتكاب إبادة لأبناء الشعب الفلسطيني في غزة، هذه الابادة وضعت العلاقات التركية الإسرائيلية من جديد على المحك، فلم يتورع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من وصف نتنياهو على أنه ” هتلر العصر” وما رافق ذلك أيضا من قطع العلاقات الدبلوماسية وتعليق العلاقات التجارية بما في ذلك توقف رحلات الخطوط الجوية التركية إلى إسرائيل.
هذا الإنجاز التركي التي تطمح تركيا من خلاله تحقيق الاعتماد الذاتي في صناعاتها العسكرية ليس بعيدًا عن دوائر صنع القرار السياسي والعسكري والأمني في إسرائيل، فاسرائيل تنظر إلى تركيا على انها امتداد للدولة السلجوقية التي تمكنت بقيادة القائد السلجوقي ألب أرسلان من هزيمة التحالف الأوربي في معركة ملاذ كرد في عام 1071م، وإلى يومنا هذا، لا تزال الدولة التركية تحتفل بهذا الانتصار، كما أن إسرائيل تنظر إلى الدولة التركية المعاصرة على إنها امتداد للدولة العثمانية التي في عهد سلطانها السابع محمد الثاني بن مراد الثاني والملقب ب ” الفاتح”، تمكن من فتح القسطنطينية في عام 1453م، ولا تزال الدولة التركية إلى يومنا هذا تحتفل بهذا الفتح التاريخي.
هذه الحقائق التاريخية التي ورثتها للدولة التركية المعاصرة ومع بناء قدراتها العسكرية في الوقت الحاضر، تجعل تركيا في دائرة الاستهداف الإسرائيلي، والسؤال الذي يطرح في هذا السياق: هل الدولة التركية متيقظة لهذا الاستهداف؟
وحدة الدراسات التركية
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية
