هرمز على طاولة التفاوض: الرسالة الاقتصادية الخفية بين واشنطن وطهران

هرمز على طاولة التفاوض: الرسالة الاقتصادية الخفية بين واشنطن وطهران

الباحثة شذا خليل*
بينما تتأرجح التوترات بين الولايات المتحدة وإيران بين التهديد بالحرب ومحاولات التفاوض، لا يراقب العالم الصواريخ والدبلوماسية فقط، بل يراقب سؤالاً اقتصادياً أخطر: هل سيُعاد فتح مضيق هرمز بالكامل، أم أن الاقتصاد العالمي يتجه نحو صدمة طاقة جديدة؟

ما يجري ليس مجرد صراع إقليمي، بل معركة اقتصادية حول أحد أهم شرايين التجارة والطاقة في العالم.

يمر عبر مضيق هرمز يومياً ما يقارب 20% من إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية، وأي اضطراب فيه يهدد فوراً أسعار الوقود، وسلاسل التوريد، والتضخم، والاستقرار المالي العالمي.

لماذا يخيف مضيق هرمز الأسواق العالمية؟

يُعد مضيق هرمز أحد أكثر الممرات المائية استراتيجية على وجه الأرض، فهو البوابة التي تعبر منها صادرات الطاقة الخليجية نحو آسيا وأوروبا والأسواق العالمية.

ومع تصاعد التوترات العسكرية وتقييد حركة السفن، دخلت أسواق الطاقة في حالة قلق حاد.

حتى قبل الإغلاق الكامل، بدأت أسعار النفط بالارتفاع لأن الأسواق لا تنتظر وقوع الأزمة، بل تتفاعل مع الخوف من حدوثها.

النتائج الاقتصادية تبدأ فوراً:

ارتفاع تكاليف التأمين على السفن،
زيادة كلفة الشحن البحري،
ارتفاع أسعار الوقود،
تصاعد معدلات التضخم،
وقلق الحكومات من غضب شعبي بسبب غلاء المعيشة.

في الاقتصاد العالمي الحديث، يمكن لصراع إقليمي واحد أن يتحول بسرعة إلى أزمة مالية عالمية.

الرسالة الاقتصادية الخفية وراء مفاوضات واشنطن وطهران

التقارير التي تحدثت عن اتفاق محتمل بين الولايات المتحدة وإيران تكشف حقيقة مهمة: الهدف لم يعد سياسياً فقط، بل اقتصادياً أيضاً.

إذ تضمنت المقترحات المطروحة إعادة حرية الملاحة في مضيق هرمز، ما يؤكد أن استقرار الطاقة العالمية أصبح محوراً أساسياً في المفاوضات.

الولايات المتحدة تدرك أن استمرار التوتر في هرمز قد يؤدي إلى:

ارتفاع أسعار البنزين داخل أمريكا،
عودة التضخم بقوة في أوروبا،
إضعاف النمو الصناعي في آسيا،
واهتزاز الأسواق المالية العالمية.

ولهذا تحاول القوى الكبرى منع تحول الأزمة البحرية إلى صدمة اقتصادية عالمية.

النفط لم يعد مجرد طاقة… بل أصبح سلاح نفوذ عالمي

أزمة هرمز أثبتت أن النفط لا يزال أحد أقوى أدوات النفوذ الجيوسياسي في العالم.

إيران تدرك أن تهديد طرق الملاحة يضغط على الاقتصاد العالمي بأكمله دون الحاجة إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع الجميع.

في المقابل، تستخدم الولايات المتحدة:

العقوبات،
الضغوط المالية،
والتحركات البحرية

لإضعاف الاقتصاد الإيراني وتقليص نفوذه الإقليمي.

وهكذا تتحول المواجهة من حرب عسكرية فقط إلى حرب اقتصادية شاملة، تصبح فيها الموانئ، والعقوبات، والممرات البحرية، وأسعار النفط أدوات صراع استراتيجية.

من المستفيد اقتصادياً من ارتفاع أسعار النفط؟

رغم الأضرار العالمية، هناك دول قد تحقق مكاسب مالية ضخمة من ارتفاع الأسعار.

الدول المصدرة للطاقة مثل:

السعودية،
الإمارات،
الولايات المتحدة،
وروسيا

قد تستفيد من زيادة العائدات النفطية وارتفاع الطلب على صادراتها.

لكن في المقابل، تواجه الدول المستوردة للطاقة مخاطر كبيرة، خاصة:

الصين،
الهند،
اليابان،
وكوريا الجنوبية،

التي تعتمد بشكل كبير على نفط الخليج.

أي اضطراب طويل الأمد سيؤدي إلى ارتفاع تكاليف الصناعة والنقل والطاقة داخل هذه الاقتصادات العملاقة.

أما الدول النامية التي تعاني أصلاً من الديون وضعف العملات، فقد تواجه أزمات اقتصادية أكثر حدة إذا استمرت أسعار الطاقة بالارتفاع.

الخوف الحقيقي للأسواق: عدم اليقين

الأسواق المالية تستطيع التعايش مع الحروب، لكنها تخشى الغموض وعدم القدرة على التنبؤ.

عندما يفقد المستثمرون القدرة على توقع:

مسار النفط،
أو مستقبل الملاحة،
أو حجم التصعيد العسكري،
أو مستقبل العقوبات،

تبدأ الأموال بالهروب نحو الذهب والدولار الأمريكي باعتبارهما ملاذين آمنين.

وهذا يؤدي إلى:

اضطراب البورصات،
ضعف العملات،
وضغوط على اقتصادات الدول النامية.

أزمة هرمز أعادت تذكير العالم بأن الاقتصاد العالمي لا يزال هشاً أمام الصدمات الجيوسياسية.

ماذا بعد؟

إذا نجحت المفاوضات وعادت الملاحة إلى طبيعتها:

قد تنخفض أسعار النفط،
ويتراجع التضخم،
وتتحسن ثقة الأسواق العالمية.

لكن إذا فشلت المفاوضات وتصاعدت المواجهة مجدداً، فقد يواجه العالم:

قفزات حادة في أسعار النفط،
عودة موجات التضخم العالمية،
استمرار الفوائد المرتفعة،
ومخاوف ركود اقتصادي عالمي.

العالم يكتشف مرة أخرى أن مستقبل الاقتصاد العالمي قد يتحدد أحياناً في ممر مائي ضيق بين إيران وسلطنة عُمان.

وفي عصر العولمة، ما تزال الجغرافيا قادرة على التحكم بالاقتصاد العالمي أكثر مما يتوقع كثيرون.

وحدة الدراسات الاقتصادية / مكتب شمال امريكا
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية