أعطت المواجهة العسكرية الأمريكية الإيرانية حالة نوعية ميدانية ذات تأثير واقعي تمثل في استخدام سياسة الضغط الأقصى والحصار البحري من قبل القوات العسكرية الأمريكية تجاه إيران بكافة صنوفها، وأصبح حصارًا شاملًا يهدد الكيان الاقتصادي لدولة تمر غالبية تجارتها وشريان صادراتها عبر مضيق هرمز الذي يعتبر من أهم الممرات الاستراتيجية للتجارة الدولية ولسوق الطاقة العالمية.
تمكنت الولايات المتحدة الأمريكية من أحداث حالة من الغضب البحري بحيث أدى إلى كشف واضح لازمة اقتصادية كبيرة يعاني منها النظام الإيراني باعتماده على النقل البحري أساس في عمليات التسويق بمرور 90٪ من الصادرات المتعلقة بالنفط والغاز والبتروكيماويات والمواد الأساسية الإيرانية عبر الخليج العربي وكذلك واراداته من الصناعات الأساسية والمواد الغذائية العوائد المالية، بعد أن كانت قيمة ما يصل إلى الخزانة الإيرانية من الالتفاف على العقوبات الأميركية (43-54) مليار دولار سنويًا مع تدفقات شهرية تقدر ب( 5) مليار دولار مدفوعة بشكل أساسي وعبر العلاقات التجارية مع الصين، وهذا ما كان سائدًا قبل بدأ المواجهة العسكرية في 28 شباط 2026.
كانت الاعتماد الإيراني قائمًا على التدفق المالي المستمر من الآلآت والمواد الخام وارتباط الأمن الغذائي باستخدام الموانئ الإيرانية سواحل الخليج العربي، إذ تستورد إيران سنويًا منتجات زراعية وغذائية بعشرات المليارات من الدولارات من ( الإمارات العربية المتحدة وتركيا وهولندا وسويسرا)، وبدأت هذه التعاملات التجارية بالانحسار بسبب الحصار البحري الأمريكي بتقييد مسارات الشحن وارتفاع تكاليف التأمين، مع النتائج المتوقعة من ضغوط التخزين النفطي التي ستبدأ بالظهور خلال الأسابيع القادمة، عندها ستكون إيران أمام أزمة خانفة تزيد من معاناتها الاقتصادية تؤدي بها إلى تقليص الإنتاج لأسباب تقنية وتعمل على تقويض تدفقات الإيرادات لمديات زمنية طويلة، وستنعكس الحالة على انكماش واضح في الحصول على النقد الأجنبي بسبب تقويض قدرة توريد النفط وتعرض العملة الإيرانية للانهيار المستمر.
استمرار الحصار البحري الأمريكي أدى إلى شحة في الإيرادات المالية وتباطأ في الإنتاج الصناعي نتيجة الضربات الجوية الأمريكية الإسرائيلية المصانع والمعامل الرئيسية المنتجة للحديد والصلب والالمنيوم، رافقها ارتفاع في نسبة البطالة والتي كانت تبلغ في الأساس 8.3٪ من القوى العاملة عام 2025 مما يؤدي إلى انكماش واسع في النشاط الاقتصادي.
تمسك إيران بتضيق الحركة في مضيق هرمز وغلقه أمام السفن والناقلات وحركة الملاحة، إنما هي سياسية تلوح بها واعتبارها ورقة رابحة لها في أي مفاوضات سياسية قادمة ولتنقل تكلفة الاضطراب البحري الحاصل إلى خارج حدودها، في وقت تتوقف فيه التدفقات النفط العالمية عبر مضيق هرمز الذي يمر خلاله 20٪ من الطاقة وبنحو (20-21) مليون برميل يوميًا إلى جانب خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال وفق تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأميركية (EIA)، وهذا ما يشكل حالة من الضغط السياسي والاقتصادي العالمي بزيادة أسعار الطاقة عالميًا.
أدركت إيران أهمية وقف الإنتاج لأنه مع تراجع السعة التخزينية لإنتاج النفط وشدةالحصار الاقتصادي وقيام البحرية الأمريكية باعتراض 41 ناقلة تحمل 65 مليون برميل من النفط الإيراني وإعادتها للموانئ الإيرانية، يجعل من الضرورية بمكان إيقاف الإنتاج النفطي تدريجيًا، وهذا ما سيكون له وقع كبير يزيد من المعاناة المعيشية لأبناء الشعوب الإيرانية بانخفاض الواردات المالية التي من الممكن أن تساهم في تخفيف وطأة الحصار، وعلى إيران أن تعلم جيدًا أن أي تأخير في اتخاذ موقف بشأن العودة للحوار الدبلوماسي والتفاوض السياسي سيؤدي إلى ارتفاع في أسعار المواد الغذائية الأساسية للمواطنين مع صعوبة التغلب والالتفاف على العقوبات الأميركية، وهذا ما يتحمله بالتحديد مجتبى خامنئي المرشد الأعلى كونه صاحب القرار السياسي في إيران وبعد قيامه بمنح جميع الامكانيات لمؤسسة خاتم الانبياء بالاستمرار بمواجهة الولايات المتحدة الأمريكية وعدم إعطاء أي حالة من التجاوب الإيجابي في الحوار واعتباره حالة من الانهزامية والرضوخ للشروط الأمريكية.
تذهب السياسة الإيرانية إلى اعتماد مبدأ المقاومة واستمرار سياسة المطاولة عندما ترى أنها تساهم في تعزيز مكانة النظام واستمرار وجوده، وحين يرى أن المفاوضات مسارًا للحفاظ على ديموته وخدمة مصالحه بهيمنته على السلطة فإنه يسعى إليها بل يتحدث بها، وهذا هو المبدأ البراغماتي الذي تتصف به إيران ومسؤوليها.
وهنا يمكن أن ننظر إلى الموقف السياسي الذي يتبناه سعيد جليلي وحلفاؤه الذي كانوا من أشد المعارضين للأتفاق النووي عام 2015 واعتبروه فخًا سياسيًا ضد الطموحات السياسية الإقليمية الإيرانية واذعان للتوجهات الأمريكية والاوربية، ومن هنا يأتي الموقف الذي تتبناه (جبهة بايداري) والتي تؤيد جليلي في أحادثيه داخل البرلمان الإيراني، في حين قدم (261) نائبًا تفويضًا وتأييدًا لرئيس البرلمان ( محمد باقر قاليباف) للمضي في مسؤوليته بالتفاوض مع الجانب الأمريكي للتخفيف من وطأة الاقتصاد الاقتصادي والسعي لعملية رفع الحصار وإطلاق الأموال المجمدة بعد أن ضيقت العقوبات كثيرًا على الأوضاع الداخلية لإيران وأن أي اتفاق مع إدارة الرئيس ترامب يمكن التوصل إليه من دون أن يبدو استسلامًا سيكون مفيداً.
ولا زالت إيران ترى أن بامكانياتها الوصول إلى مسار سياسي دبلوماسي وتجنب المواجهة العسكرية مرة أخرى عبر تقديمها مقترحات وردود تتضمن اختلافات تقنية، والتي لم تحظى بأي اهتمام أمريكي بل اعتبرت حالة من المماطلة واضاعة الوقت وسياسة إيرانية مرفوضة، مما عجل في إمكانية العودة نحو استخدام القوة عندما أعلن عن اجتماع الرئيس ترامب بمسؤولي الأمن القومي والتدارس معهم حول احتمال عودة العمل العسكري، بعدما نفذ صبر الإدارة الأمريكية باستمرار إيران بغلقها لمضيق هرمز والتي ترى أنها لم تخسر الحرب ميدانيًا وليس لها الاستعداد على توقيع شروط الاذعان وتمسكها بانشطتها النووية وصواريخها البالستية ورفضها لمبدأ الاستسلام كحالة قائمة عند الشروع بجولة من المفاوضات مع الولايات المتحدة الأمريكية.
وحدة الدراسات الإيرانية
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجة
