الباحثة شذا خليل*
في أخطر تحول نفطي يشهده العراق منذ سنوات، تتحرك بغداد لإعادة رسم خريطة تصدير الخام بعيداً عن الاعتماد الكامل على الخليج ومضيق هرمز، عبر مشروع أنبوب البصرة – حديثة الذي تخطط وزارة النفط لأن تصل طاقته إلى 2.5 مليون برميل يومياً عبر ثلاثة منافذ تصدير إقليمية: جيهان التركي، العقبة الأردني، وبانياس السوري.
المشروع لا يمثل مجرد خط لنقل النفط، بل محاولة استراتيجية لحماية الاقتصاد العراقي من الاختناق الجيوسياسي الذي يهدد صادراته في أي لحظة. فالعراق، الذي يعتمد بأكثر من 90% من إيراداته على النفط، يدرك أن أي اضطراب في الممرات البحرية يعني تهديداً مباشراً للموازنة، وسعر الدينار، والسيولة، وحتى قدرة الدولة على دفع الرواتب.
وزارة النفط العراقية تصف المسار البري بأنه “أكثر أماناً وأسرع وأقل كلفة” مقارنة بالنقل البحري في أوقات الأزمات، خصوصاً بعد التوترات الأخيرة في الخليج والمخاوف المتزايدة من أي تعطيل محتمل لحركة الملاحة في مضيق هرمز. وهنا تظهر القيمة الاقتصادية الحقيقية للمشروع: ليس فقط زيادة التصدير، بل تقليل المخاطر.
العراق يريد التحرر من نقطة الاختناق
قبل الأزمات الأخيرة، كان العراق يصدر معظم نفطه عبر الخليج، ما جعل اقتصاده مكشوفاً بالكامل أمام أي تهديد بحري أو عسكري. لذلك فإن فتح ثلاثة مسارات تصدير جديدة يعني عملياً توزيع المخاطر بدلاً من تركيزها في منفذ واحد.
اقتصادياً، هذه الخطوة تمنح بغداد قدرة أكبر على:
الحفاظ على تدفق الإيرادات أثناء الأزمات.
تقليل تكاليف التأخير والشحن والتأمين.
زيادة المرونة في التفاوض مع المشترين العالميين.
استغلال أي زيادة إنتاج تمنحها أوبك مستقبلاً بسرعة أكبر.
المتحدث باسم وزارة النفط، صاحب بزون، أكد أن المشروع سيمكن العراق من الاستفادة من أي زيادات تصديرية تسمح بها أوبك، وهي نقطة بالغة الأهمية، لأن العراق كثيراً ما يواجه مشكلة في تحويل طاقته الإنتاجية إلى صادرات فعلية بسبب الاختناقات اللوجستية.
5 مليارات دولار… لكن العائد قد يكون أكبر بكثير
رغم أن المشروع واجه تأخيراً بسبب نقص السيولة، فإن الحكومة العراقية خصصت حتى الآن 1.5 مليار دولار من أصل الكلفة الإجمالية البالغة 5 مليارات دولار.
لكن من زاوية اقتصادية، فإن بغداد لا تنظر إلى المشروع كنفقات فقط، بل كبنية تحتية سيادية قد تحمي مئات المليارات من الدولارات مستقبلاً. فكل يوم يتوقف فيه تصدير النفط العراقي يمكن أن يكلف الدولة عشرات الملايين من الدولارات.
كما أن المشروع يحمل بعداً داخلياً مهماً، إذ لن يقتصر دوره على التصدير، بل سيدعم المصافي العراقية في الوسط والجنوب والشمال عبر نقل الخام إليها مباشرة، ما قد يساعد على تعزيز إنتاج المشتقات النفطية وتقليل بعض تكاليف النقل بالشاحنات.
البصرة تتحول إلى قلب المعركة الاقتصادية
المثير في المشروع أن البصرة لم تعد مجرد مدينة نفطية تنتج الخام، بل أصبحت مركزاً لإعادة تشكيل الأمن الاقتصادي العراقي بالكامل. فكلما توسعت شبكات الأنابيب، زادت قدرة العراق على المناورة أمام الأزمات الإقليمية وتقلبات السوق العالمية.
ومع الحديث عن تشغيل نحو 15 ألف عامل عراقي في المشروع، تحاول الحكومة أيضاً تقديمه كمحرك اقتصادي داخلي يوفر فرص عمل وينشط قطاعات المقاولات والخدمات والطاقة.
لكن رغم الطموحات الكبيرة، تبقى التحديات ضخمة: التمويل، الأمن، العلاقات الإقليمية، وإمكانية تشغيل المسارات الثلاثة بكفاءة واستقرار طويل الأمد. فنجاح المشروع لن يقاس بالإعلانات، بل بقدرة العراق على تحويل الأنابيب إلى تدفقات نفط حقيقية ومستقرة نحو الأسواق العالمية.
في النهاية، يبدو أن العراق بدأ يدرك أن معركة النفط لم تعد فقط حول من يملك الاحتياطي الأكبر، بل حول من يملك الطريق الأكثر أمناً للوصول إلى العالم.
وحدة الدراسات الاقتصادية / مكتب شمال امريكا
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية
