أعطت الجولة الأولى من المفاوضات الأمريكية الإيرانية التي جرت في العاصمة الباكستانية (اسلام آباد) وبعد عدة اتصالات وزيارات قام بها ( عاصم منير ) رئيس أركان الجيش الباكستاني إلى واشنطن وطهران، عن قبول الدولتين لهدنة عسكرية ووقف مؤقت للقتال، وأكدت حقيقة ميدانية أن عملية الانتقال من المسار العسكري الى المسار الدبلوماسي التفاوضي لم يكن ليحصل لولا وجود قناعة ثنائية الدولتين أنهما بحاجة الى حوار ولقاء يفضي لإعداد نقاط رئيسية ومحاور مركزية تكون لبنة لبداية ناجحة تعطي أملًا في معالجة جميع القضايا المختلف عليها وضمان جزء كبير من تحقيق الأهداف الأمريكية والغايات الإيرانية.
وأصبحت عملية المواجهة العسكرية حالة أقرب ما تكون من واقع حال تعمل إدارة الرئيس ترامب والمسؤولين الإيرانيين على عدم العودة إليها وعدم الرغبة في استمرارها والسعي للتعايش مع حالة من الحوار الدبلوماسي والتفاوض السياسي واعتماد اتفاق مرحلي كما جاء في ورقة التفاوض الأمريكي والسعي الإيراني لاقناع جميع الأطراف والتيارات السياسية في أروقة النظام الحاكم لطهران للقبول بصيغ متقدمة ومرونة سياسية تكون بابًا للولوج والجلوس إلى طاولة المفاوضات الثنائية بحضور الوسيط الباكستاني.
سعت إيران لاعتماد سياسية واضحة بإعادة ترتيب اللقاءات وعودة الزيارات مع حلفائها الاستراتيجين، وكان أهمها زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى (بكين) في السادس من آيار 2026 ولقائه مع وزير الخارجية (وانج يي) الأربعاء،
والتي كانت أول زيارة عمل يقوم بها عراقجي منذ اندلاع المواجهة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية في الثامن والعشرين من شباط 2026، والتي تأتي قبل أسبوع من القمة المرتقبة بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ولقائه الرئيس الصيني شي جين بينغ.
ولاقت زيارة عراقجي اهتمامًا إيرانيًا واسعًا من قبل الخارجية الإيرانية التي أكدت أهداف المرحلة السياسية التي تمر بها طهران بمواصلة المشاورات الدبلوماسية مع مختلف الدول وتبادل وجهات النظر بشأن التطورات الإقليمية والدولية، ومنها مناقشة المقترح الصيني ذي النقاط الأربع بشأن دعم وتعزيز السلام والاستقرار الإقليميين، الذي سبق للرئيس الصيني وأن طرحه في الرابع عشر من نيسان 2026، خلال لقائه مع ولي عهد أبوظبي الشيخ خالد بن محمد بن زايد في بكين، والذي يهدف إلى تعزيز السلام والاستقرار في الشرق الأوسط، وأبدى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي
موافقته وثقته بالجانب الصيني والطلب إليه بمواصلة دوره الإيجابي في تعزيز السلام ووقف القتال، وبدعم إنشاء هيكل إقليمي جديد لما بعد الحرب قادر على تنسيق التنمية والأمن.
وتتضمن النقاط الأربع
التأكيد على دور الصين البناء في المنطقة ودعوتها لالتزام بمبدأ التعايش السلمي الالتزام وضرورة الاحترام الكامل لسيادة دول الشرق الأوسط وأمنها وسلامة أراضيها وضمان سلامة مواطنيها ومؤسساتها،
وتجنب أي مواجهة عسكرية ودعم دول المنطقة في استكشاف مسارات تنموية تناسب ظروفها الخاصة، والتمسك بمبدأ سيادة القانون الدولي وعدم استخدامه بشكل انتقائي بما يعزز الأمن والاستقرار بعيداً عن التدخلات الخارجية، ثم اعتماد التوافق الإيجابي في التنسيق بين التنمية والأمن بما يحقق نتائج إيجابية.
أوضحت الزيارة الإيرانية للصين أن المسؤولين الإيرانيين ادركوا خطورة الموقف الدولي والإقليمي في عدم التفاعل مع المبادرات الأمريكية واعتماد سياسة الإطالة والتسويف، وأن عليهم العمل بجدية فاعلة لتقديم المقترحات البناءة والتصورات الواقعية التي تدفع باتجاه نجاح المفاوضات مع الولايات المتحدة الأمريكية والاخذ بتوصيات اصدقائهم وحلفائهم.
وعند استعراض المقترح الصيني، قدمت إيران مبادرة من عدة نقاط رئيسية اقترحت فيها تعاونًا إقليميًا ودوليًا يكون للصين دورًا محوريًا فيها تضمن إدارة إقليمية لمضيق هرمز وأن لا تقتصر على الولايات المتحدة الأمريكية فقط وتكون القيادة الصينية هي الطرف الدولي الضامن، وهي بذلك تحاكي العقلية السياسية الصينية التي ترى أنها الأكثر تضررًا من إيقاف الملاحة البحرية في مضيق هرمز، وأن هناك هدف صيني لرفع الحصار البحري الأمريكي عن إيران مقابل فتح الملاحة في المضيق واستعادة طهران لمكانتها وحماية تصدير النفط الإيراني وبكمياته المقررة يوميًا للصين.
قدمت إيران رأيًا بخصوص دورها القائم في مضيق هرمز للخارجية الصينية وإعادة لهم تعريف مفهوم الصراع القائم في الميدان مع واشنطن وتل أبيب، وتحويله من مسار عسكري ومفهوم تعبوي إلى صراع جيوسياسي واقتصادي والذي أصبح ورقة رابحة بيد الإيرانيين للتأثير على تصدير الطاقة من النفط والغاز والهيمنة على الممرات الدولية، وهي ما ادركته القيادة الصينية ورأت فيه أن استقرار منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي ليس هدف سياسي بل ضرورة اقتصادية عالمية وهي من الأدوات التي من الممكن التلاعب بها دوليًا من قبل إيران في أي مواجهات أو حالات من الصراع القائم معها، وبعد أن كان الهدف الأساسي من المواجهة العسكرية تغيير النظام السياسي الإيراني وتفكيك البرنامج النووي وتحيد مديات الصواريخ الباليستية والعلاقة مع الوكلاء المليشيات المسلحة، لصبح التفاوض يجري حول إعادة الملاحة في مضيق هرمز والتي لم تكن نقطة ذات أهمية بارزة قبل المواجهة العسكرية، وأن إيران تسعى لاقرار واقع ميداني تساهم فيه في أي ترتيبات تخص تعددية النظام الدولي بإعادة تموضعها وفرض إراداتها ورؤيتها الأمنية المتعلقة بشؤون منطقة الخليج العربي، وهذا ما تعاملت معه الإدارة الأمريكية عبر الورقة التفاوضية التي أخذت بنظر الاعتبار عملية تعليق تخصيب اليورانيوم لمدة تتراوح من (15-20) سنة وأن تلتزم إيران بنسبة تخصيب تبلغ (3،67) وتسليمها كمية التخصيب المخزون البالغ (441) كغم مقابل حصولها على الأموال المجمدة ورفع العقوبات الاقتصادية، ويبقى الخلاف حول تسمية الدولة التي من الممكن الاتفاق عليها لتسليم اليورانيوم المخزون، وهنا يبرز الرأي الإيراني الذي يرى أنه سيكون الأكثر تضررًا في حالة استمرار عدم اليقين وانعدام الثقة من الإدارة الأميركية وإسرائيل في معاودة حربهما مرة أخرى والخشية من أن تكون الضربات العسكرية المحتملة والقادمة أكثر عنفاً وأشد تدميرًا للأصول المدنية والبنى التحتية، وترى أن الضامن لها مع وجود دولة الوساطة ( الباكستان) هو القيادة الصينية وإمكانية تفعيل دورها الإقليمي السياسي المشايه للاتفاق السعودي الإيراني.
إيران تمني النفس مع اتساع وتمدد الوقت في استمرار الحصار البحري لمضيق هرمز وتداعياته الاقتصادية ومشاكله المادية وتعطيل إمدادات الطاقة والتجارة الدولية، أن تعمل الدول الأوربية وشرق آسيا نحو الاتصال بها والدخول معها بمفاوضات مباشرة بعيدًا عن الولايات المتحدة الأمريكية لتكون عامل مساعد وأداة ضغط أمام إدارة الرئيس دونالد ترامب.
سنراقب الايام القادمة، وهل من الجدية بمكان أن يكون الاتفاق وأن حصل بين واشنطن وطهران يحمل في طياته عديد من الغموض السياسي في التعامل مع عمليات تخصيب اليورانيوم وتسليم الكمية المخزون منه والتوقف عن أي نشاطات نووية وغلق المنشآت النووية، وهل يتحقق مكسبًا سياسيًا لإيران أم يكون قيدًا لها في إعادة أعمال الوكالة الدولية للطاقة الذرية والمراقبين الدوليين للأم المتحدة وتفعيل وضع كاميرات المراقبة واعتماد تقارير المفتشين حول مدى التعاون الإيراني كوسيلة للنظر في رفع العقوبات الاقتصادية، وهل هناك حاجة لتفاهمات جادة مع سلطنة عمان حول مستقبل إدارة مضيق هرمز أمام الدور المحوري للقيادة الباكستانية، وهل ستكون هناك حرية للملاحة البحرية أم سيكون هناك وضع جديد لمفهوم خاص بمضيق هرمز؟
وحدة الدراسات الإيرانية
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية
