أسرار اقتصادية في الحرب الأمريكية – الإيرانية: كيف اصبحت الارقام أكثر فتكا من الصواريخ؟

أسرار اقتصادية في الحرب الأمريكية – الإيرانية: كيف اصبحت الارقام أكثر فتكا من الصواريخ؟

عامر العمران 

في الحروب الحديثة، لا تُحسم النتائج في السماء أو على الأرض فقط، بل في مساحات أقل ضجيجًا وأكثر تأثيراً: الأسواق، الممرات البحرية، أنظمة الدفع، وسلاسل الإمداد. الصراع بين الولايات المتحدة وإيران يُقدّم نموذجًا واضحًا لهذا التحول؛ حربٌ تُدار بقدر ما تُخاض، وتُقاس بمرونة الاقتصاد قبل قوة السلاح.
مضيق هرمز: نقطه التوتر العالمية
أول خيط في هذا المشهد يبدأ من الطاقة. يمر عبر مضيق هرمز ما يقارب 20% من تجارة النفط العالمية يوميًا، أي ما بين 17 إلى 20 مليون برميل. هذه النسبة ليست رقمًا عابرًا؛ إنها “مفتاح ضغط” قادر على رفع الأسعار عالميًا بنسبة تتراوح بين 10% و30% خلال أيام في حال حدوث اضطراب حقيقي. لذلك، يصبح التهديد بإغلاق المضيق أداة اقتصادية قبل أن يكون خيارًا عسكريًا. إيران تعرف ذلك، والولايات المتحدة تدركه أكثر.
سلاح العقوبات الاقتصادية
العقوبات الاقتصادية تمثل العمود الفقري للاستراتيجية الأمريكية. منذ إعادة فرض العقوبات في 2018، تراجعت صادرات النفط الإيرانية من نحو 2.5 مليون برميل يوميًا إلى أقل من 500 ألف برميل في بعض الفترات—انخفاض يتجاوز 80%. هذه الضربة لم تستهدف الإيرادات فقط، بل ضربت قدرة الدولة على تمويل نفسها. تشير تقديرات مؤسسات دولية إلى أن الاقتصاد الإيراني فقد ما بين 6% إلى 8% من ناتجه المحلي الإجمالي سنويًا في ذروة العقوبات.
ورغم ذلك، لم ينهَر الاقتصاد الإيراني.
هنا يظهر “الاقتصاد الموازي” ، شبكات تهريب، تجارة غير رسمية، وشراكات رمادية. استطاعت طهران إعادة تصدير جزء من نفطها عبر وسطاء، وبيع ما بين 700 ألف إلى مليون برميل يوميًا في بعض الفترات بخصومات تصل إلى 20%–30% من السعر العالمي. هذه ليست مجرد أرقام؛ إنها دليل على أن العقوبات لا تُسقط الاقتصادات، بل تُعيد تشكيلها.

الهيمنة المالية: أدوات تفوق تأثير الصواريخ

في المقابل، تتحرك الولايات المتحدة عبر أدوات مالية أكثر تعقيدًا. السيطرة على النظام المالي العالمي، خصوصًا نظام سويفت (SWIFT)، التي تمنح واشنطن قدرة شبه مطلقة على عزل أي اقتصاد عن النظام المالي العالمي . ويمتد هذا التأثير ليشمل أكثر من 80% من التجارة العالمية التي تمر بشكل أو بآخر عبر قنوات مالية مرتبطة بالدولار، ما يجعل أي عقوبة أمريكية ذات تأثير عابر للحدود. هذا النفوذ المالي يُحوّل الدولار إلى “سلاح غير مرئي”، لكنه فعّال بقدر الصواريخ.
وهنا نعود الى أيام المواجهات العسكرية، عندما تم استهداف ناقلات النفط في الخليج خلال فترات التصعيد، ارتفعت أسعار التأمين البحري بنسبة تجاوزت 300% في بعض المسارات. هذه الزيادة لم تكن نتيجة خسائر فعلية، بل بسبب “مخاطر متوقعة”. بمعنى آخر، الاقتصاد يتفاعل مع الخوف بقدر ما يتفاعل مع الواقع—وهذا بحد ذاته سلاح.

سلاسل الإمداد: الهشاشة التي تحكم العالم
لا يمكن الحديث عن الاضطرابات في الخليج دون التطرق لمفتاح الاقتصاد في المنطقة وهي “سلاسل الامداد” ، وبمجرد ادراك حقيقة ان 30% من تجارة الحاويات العالمية التي تمر عبر ممرات قريبة وتحديدا قناة السويس والبحر الأحمر . هذا يعني أن صناعات كاملة، من الطائرات مرورا بالأغذية وصولا الى الصناعات الدقيقة، يمكن أن تواجه ارتفاعًا في التكاليف بنسبة 5% إلى 15% خلال أسابيع. في عالم يعتمد على “الإنتاج في الوقت المناسب”، وأي تأخير صغير يتحول إلى أزمة كبيرة.

إيران: اقتصاد الصمود تحت الضغط
أما على مستوى الداخل الإيراني، فإن الحرب الاقتصادية تُترجم إلى تضخم مرتفع. في بعض السنوات، تجاوز معدل التضخم 40%، مع انخفاض قيمة العملة المحلية بأكثر من 60% خلال فترات قصيرة. لكن المفارقة أن هذه الضغوط قد تعزز من “اقتصاد الصمود”، حيث يتحول الاستهلاك إلى الداخل، وتزداد الاعتمادية على الإنتاج المحلي، حتى لو كان أقل كفاءة. وبينما تُضعف الحرب الاقتصادية الهيكل المالي لإيران، تخلق حالة من التكيف الاضطراري، حيث يصبح الاقتصاد أكثر عزلة ولكنه أيضاً أكثر اعتماداً على الذات، مما يمنح النظام هامشاً للاستمرار رغم العقوبات القاسية.
الولايات المتحدة: كلفة الهيمنة ليست صفرًا
وفي أحدث تصريحات وزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون)، تم الكشف ان كلفة الحرب على إيران تقدر بـ 25 مليار دولار، وتعادل هذه الكلفة كامل ميزانية إدارة الطيران والفضاء (ناسا) لهذا العام. وهنا تأكيد على حقيقة ان واشنطن لا تتحرك دون تكلفة، وأي ارتفاع في أسعار النفط بنسبة 10% يمكن أن يضيف ما يقارب 0.2 إلى 0.4 نقطة مئوية إلى التضخم الأمريكي، ويضغط على النمو. وابعد من ذلك، قد تحفز الحرب الإنتاج الدفاعي والطلب الصناعي، بينما تزيد من أعباء الدين الحكومي. وقد تسبب الحرب في زيادة الضبابية الاقتصادية، حيث أبقى الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة مرتفعة (دون تغيير عند 3.5 – 3.75%) لمواجهة التضخم الناتج عن ارتفاع أسعار الطاقة. وبينما أشار الفيدرالي إلى مرونة الاقتصاد الأمريكي، تسببت الحرب في تحول الأسواق نحو احتمال رفع الفائدة في 2027، وسط مخاوف من تزايد التضخم وركود النمو.
ومع كل هذا التشابك، تدخل الأسواق المالية العالمية في قلب المعادلة، لتتفاعل بسرعة مع أي تصعيد، حيث قد تخسر البورصات تريليونات الدولارات خلال أيام من التوتر.
*الخاتمة*
في تقريب أكثر للمشهد، يمكن القول أن هذه الحرب بين نموذجين اقتصاديين: الأول يعتمد على الهيمنة المالية العالمية، والثاني على القدرة على التكيّف تحت الضغط. وفي هذا النوع من الصراعات، لا ينتصر من يملك القوة الأكبر… بل من يتحمل الكلفة الأطول.
والاقتصاد هنا ليس خلفية للحرب، بل هو ساحة المعركة نفسها، حيث تُقاس الانتصارات بنسبة التضخم، وسعر البرميل، وقدرة الدول على الصمود عندما تتوقف الضوضاء ويبدأ الحساب.