مفاتيح مضيق هرمز بين قبصتي واشنطن وبكين

مفاتيح مضيق هرمز بين قبصتي واشنطن وبكين

 

بتاريخ 10 آيار 2026 جاء الرد الإيراني على ورقة المقترح الأمريكي الذي تضمنتها ورقة التفاوض التي قدمها الوسيط الباكستاني بعد أيام من الانتظار والمتابعة والاهتمام الدولي والإقليمي لتزيد من حدة الخلافات وتبتعد بشكل كبير عن المسار السياسي الدبلوماسي، بعد أن شدد المسؤولين الإيرانيين على ضرورة قيام الولايات المتحدة الأمريكية بدفع التعويضات المالية عن الأضرار الجسيمة التي لحقت بإيران نتيجة الضربات الأميركية والإسرائيلية التي انطلقت في 28 شباط 2026 وأدت إلى مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد كبير من القيادات السياسية والعسكرية والأمنية وتدمير واسع للبنى التحتية الاقتصادية والعلمية والصناعية مع إصابة مواقع ومنشأت حيوية تابع للأنشطة النووية والتكنولوجيا والصناعية، كما أشار الرد الإيراني إلى الرفع المباشر للعقوبات الاقتصادية وإطلاق الأموال المجمدة وانهاء جميع الحروب في المنطقة ومنها ما يحدث في الجنوب اللبناني وتسوية الخلافات الثنائية وتحديد مسار يتفق عليها بخصوص البرنامج النووي الإيراني واعطاء دور إيراني واضح في إدارة مضيق هرمز.
وجاء الرد الأمريكي الذي أوضح أن ما ارسلته إيران لم يكن واضحًا ولم يسعى إلى إيجاد حالة من الفهم الإيراني لما طلبته واشنطن وتحديدًا فيما يتعلق بإنهاء الأنشطة النووية ومصير البرنامج النووي وكيفية التصرف بكمية مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة 60٪ واعطاء إيران مراحل زمنية للتعامل معه واعتمدت صيغة فتح مضيق هرمز للملاحة البحرية والتجارة الدولية تدريجيًا والتمسك بحقها الكامل في إدارته مع الاعلان الفوري عن إنهاء القتال ورفع الحصار البحري الأمريكي عن السفن والموانئ الإيرانية.
ويرى المسؤولين الإيرانيين أن تعاملهم مع الشأن الفني بخصوص المقترح الأمريكي يدعو إلى تخفيف تركيز جزء من مخزونها من اليورانيوم المخصب عالي التخصيب ونقل الجزء المتبقي إلى دولة أخرى غير الولايات المتحدة الأمريكية، وتحديد فترة ثلاثين يومًا للتفاوض حول القضايا والأنشطة النووية في مواقعها ومنشآتها الخاصة، ورغم إبداء إيران استعدادها لتعليق تخصيب اليورانيوم إلا أنها حددت فترة اقصر بكثير من العشرين عامًا التي طالبت بها الإدارة الأمريكية مع رفضها التام لتفكيك منشآتها النووية.
وكان الموقف الأمريكي أكثر وضوحًا بما كتبه الرئيس دونالد على منصة تروث سوشيال بقوله ( لقد قرأت للتو الرد ممن يُسمون ممثلي إيران، لم يعجبني وهو غير مقبول إطلاقًا)، كما أعلن عن الإجراءات التي من الممكن القيام بها بخصوص اليورانيوم المخصب وأن( بلاده ستصل في مرحلة ما إلى اليورانيوم الإيراني وأن قوة الفضاء الأمريكية تتولى حاليًا مراقبة تلك المواقع بدقة، وأن محاولة للاقتراب منها ستُواجَه بتفجير فوري)، وهذا تهديد مباشر لأي محاولة من الجانب الإيراني للاستفادة من عملية وقف القتال والهدنة العسكرية المعلنة بالتحرك في محاولة للتعامل مع كمية اليورانيوم المخصب بنسبة 60٪ أو الوصول إليه ومعالجة كيفية الحصول عليه، فإن الرد الأمريكي سيكون حاسمًا.
نرى أن الموقف الإيراني لا يزال يتبع سياسة إبقاء الملفات العالقة دون حسم مباشر واعتماد مبدأ التفاوض المرحلي دون تحديد فترة زمنية معينة ومعروفة والسعي لاستخدام الملف المتعلق بمضيق هرمز وأمن الملاحة فيه ورقة رابحة له واعتبارها من أولويات أي حوارات ومفاوضات قادمة وجعلها متقدمة عن عملية تفكيك البرنامج النووي والأنشطة المتعلقة به وهي التي كانت من المرتكزات الأساسية التي ابتدات بها المواجهة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية.
ويبدو أن إيران لا تزال تعتقد أن الضغط المتبادل والتصعيد المنضبط وإبقاء الملفات عالقة سيجعل الرئيس الأميركي يتجه إلى تخفيف سقف مطالبه والابتعاد عن صفقة شاملة واعتماد القبول باتفاقيات مرحلية، ولكن هذا الرأي الإيراني قد يدفع الولايات المتحدة الأمريكية إلى العودة للمسار العسكري وتشديد الحصار البحري والاقتصادي وافشال سياسة المماطلة والتسويف التي يعتمدها المفاوض الإيراني.
أن الرؤية الأمريكية تناقض الرأي الإيراني، فالرئيس ترامب لايزال ينظر ويتعامل مع نتائج المواجهة العسكرية بمنطق الاستسلام الإيراني وليس بصيغة التسوية المتبادلة والذي طالما يحدث عن انتهاء ووقف العمليات العسكرية بين أي دولتين، وهنا تبرز الصيغة الميدانية وواقع الحال الذي تراه الولايات المتحدة الأمريكية بأنها حققت انتصارًا سياسيًا واقتصاديًا وهو الامر الذي يتمسك به الرئيس ترامب اعلاميًا ويرفض تسوية تضع حدًا فقط لإيقاف القتال، وهو الأمر الذي ترفضه إيران ولا تقبل به بل تراه انهزامًا ميدانيًا يتعارض وما تؤمن به في سياستها الداخلية وتوجهاتها الإقليمية، كما وأن الرفض الأمريكي للرد الإيراني يتأتى من اتباع سياسة الضغط الأقصى لرفع سقف التنازلات الإيرانية تجاه المطالبات الأمريكية مع اعتماد عملية التلويح بضربات محددة وعدم الركون إلى تجميد المسار العسكري وجعله موازيًا للمسار التفاوضي السياسي.
إيران ورغم مواقفها التي تنطلق مع متطلبات الحفاظ على وجودها وديمومة بقاء نظامها إلا أن المسؤولين فيها يدركون حقيقة المعاناة الكبرى والخسائر الجسيمة التي طالت الاقتصاد الإيراني والقت بظلالها على كاهل المواطنين وتفاقم الأوضاع المعيشية نتيجة الحصار البحري الأمريكي، ودعوة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان لمواطنيه باتباع أساليب التقنين الغذائي ورفع المعنويات وادامة الصبر في التعامل مع الأزمات التي تحيط بالمجتمع الإيراني.
الحصار البحري أدى إلى تداعيات كثيرة منها ما يهدد (12) مليون مواطن إيراني بترك وظائفهم بسبب إيقاف العمل في 23 ألف مصنع وشركة، تعرضوا لأضرار في العملية الإنتاجية والموارد المالية ، وفقدان نحو مليوني وظيفة مباشرة وغير مباشرة في المصانع الكبرى للصلب والحديد والالمنيوم وباقي المنشأت الصناعية، وتسبب الحصار البحري في منع دخول مليوني برميل من النفط الإيراني يوميًا للسوق العالمية مع انخفاض كبير في الريال الإيراني وشحة في النقد الأجنبي ووصل مستوى الدولار إلى 1،8 مليون ريال إيراني، مع قيام القوات العسكرية الأمريكية بطريق إيران بثلاث حاملات للطائرات ودعم الحصار بمدمرات وسفن حربية وغواصة نووية وطائرات للحرب الإلكترونية نوع (EA-18G) مع مقاتلات شبحية (F-35C) مع طائرات للقيادة والتحكم والمروحيات وطائرات الدعم اللوجستي، تهدف إلى مطاردة السفن التي ترفع العلم الإيراني واجبار سفن تجارية على تغيير مسارها مع تجفيف للموارد المالية وفرض عقوبات اقتصادية ثانوية على مؤسسات وهيئات إيرانية، والتركيز على حركة الموانئ الإيرانية ( تشابهار وبندر عباس وبوشهر وخرج) تستهدف الضغط المستمر على عصب الاقتصاد الإيراني.
لا زالت هناك أولويات وأهداف يرى الجانب الأمريكي إمكانية العودة إليها باستئناف القتال وضرب أهداف عسكرية واقتصادية مهمة والتهديد بمحطات الطاقة والجسور وتحلية المياه، وهناك قدر ضئيل بإمكانية تحقيق غزو محدد للأراضي الإيرانية مع الأخذ بالاعتبار الاستيلاء على اليورانيوم المخصب أو مهاجمة جزيرة خرج عصب الاقتصاد الإيراني، ولكن يبقى المانع الرئيسي لجميع هذه الاحتمالات هي الخشية من الخسائر البشرية لدى القوات الأميركية وتأثيرها على موقف الرئيس ترامب والحرب الجمهوري وهو يستعد للانتخابات النصفية.
وجاء تقرير وكالة الاستخبارات الأمريكية ليؤكد أن لإيران إمكانية الصمود لفترة زمنية تتراوح من 3-4 آشهر، وليعطي آفقًا ميدانيًا لمديات التأثير الذي أحدثه الحصار البحري الأمريكي مع ما أعلنت شركة (وود ماكينزي) النفطية أن المتاح أمام إيران ثلاثة أسابيع قبل أن تنفذ سعة التخزين لديها بشكل كبير ثم ستبدأ بخفض الإنتاج، وعادة ما يكون استئناف الإنتاج من حقول النفط المغلقة لفترة زمنية تتجاوز الشهر عملية صعبة بسبب المشاكل الفنية الناجمة عن التدفق البطيء للخام من الآبار،كما أعلنت شركة (جلوبال جارديان) الأمريكية عن تكبدت إيران خسائر مالية تتراوح بين 200-270 مليار دولار في البنية التحتية والتي تشمل مصافي النفط ومحطات توليد الكهرباء،كما أن إيران تخسر يوميًا (435) مليون دولار مع خسائر لصادرات النفط بقيمة (276) مليون دولار معظمها من النفط الخام والبتروكيماويات.
أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يرغب بتهدئة ميدانية دون أي تحرك عسكري قبل زيارته للعاصمة الصينية (بكين) في 13 آيار 2026 ولقائه المرتقب مع الرئيس شي جين بينغ، ومناقشته للوضع الإيراني وأسباب المواجهة العسكرية والسعي لانهائها عبر اتفاق شامل، وهو يدرك حقيقة الموقف السياسي للقيادة الصينية في رفضها للقتال ومن إغلاق مضيق هرمز، وسيعمل الرئيس ترامب على إقناع الرئيس الصيني بإيقاف الدعم والمساندة لإيران، وهذا ما نراه في تأخير الرد الإيراني على المقترح الأمريكي ليكون قريبًا من موعد ترامب للصين وله تأثيره على حوار بين البلدبن حول الصراع الأمريكي الإسرائيلي الإيراني.

وحدة الدراسات الإيرانية 

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية