مذكرة التفاهم مرحلة لإدارة التوتر بدلًا من انهائه

مذكرة التفاهم مرحلة لإدارة التوتر بدلًا من انهائه

أخذت مذكرة التفاهم التي أشرف على اعدادها وترتيبها السياسي الدبلوماسي القيادة الباكستانية بدعم مباشر من قبل الصين وبمشاركة عربية خليجية وإقليمية تركية مسارات عديدة تناقلتها وسائل الإعلام المرئية والمسموعة وعبرت عنها تصريحات متبادلة من جميع الأطراف بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، وجميعها تحدثت عن مسألتين مهمتين هي فتح مضيق هرمز وعدم استيفاء أي مبالغ لعبور الناقلات والسفن العابرة ضمن الحدود المائية للمضيق ورفع الحصار البحري الأمريكي عن الموانئ السواحل الإيرانية مع ترحيل موضوع البرنامج النووي والخزين من اليورانيوم المخصب بنسبة 60٪ إلى مفاوضات قادمة حددت ب(60) يوم، مع إمكانية إطلاق مبلغ (25) مليار من الأموال المجمدة الإيرانية، واختلفت الآراء حول اعتماد هذه المسألتين بداية لمحادثات ومفاوضات لاحقة أم أنها إطار لتفاهم ثنائي بين واشنطن وطهران، والرأي الصائب القانوني والسياسي المنظور أنها مذكرة تفاهم بورقة واحدة من عدة نقاط رئيسية لمسار تفاوضي دبلوماسي قادم.
لا زالت المذكرة تواجه صعوبات في تحديد أوجه الموافقة المبدئية عليها، تحديدًا فيما يتعلق بكيفية التعامل المستقبلي مع كمية اليورانيوم المخصب والأنشطة النووية وإيقاف القتال على جميع الجبهات وإعادة النظر بإطلاق الأموال المجمدة الإيرانية مع رفع الحصار البحري الأمريكي الذي يؤيد الرئيس ترامب بقائه حتى تحقيق الاتفاق النهائي ومن ثم العمل على الرفع الجزئي للعقوبات، مع وجود ممانعة إيرانية بعدم تسليم اليورانيوم المخصب بنسبة 60٪ وحسب التوجيه الذي الذي أعلنه المرشد الأعلى مجتبى خامنئي.
رغم الاتصالات السياسية والزيارات الميدانية ومحاولات التوصل لتفاهمات جديدة بشأن البرنامج النووي الإيراني الذي تعتبره الولايات المتحدة الأمريكية ملفًا رئيسيًا وتركز عليه بشكل أساسي معتبرة أن المواجهة العسكرية الأمريكية الإيرانية الإسرائيلية حققت أهدافها العسكرية ومنحتها إمكانية ميدانية واسعة تفرض على إيران القبول بالشروط الأمريكية والتنازل عن مطالبها التي احتوتها عديد من الأوراق التي سبق وأن ارسلتها عبر الوسيط الباكستاني من دفع التعويضات المالية وإبقاء التخصيب داخل الاراضي الإيرانية وعدم تسليم المخزون الكلي البالغ (400) كغم من اليورانيوم المخصب ودعوتها إلى مغادرة القوات الامريكية وابتعادها عن المنطقة.
تحاول الدول العربية والإقليمية الداعمة للنقاط الواردة ضمن إطار المبادرة السياسية الباكستانية على إيجاد فرص حقيقية وميدانية لانجاح التفاهمات المستمرة بين واشنطن وطهران ووسائل وأدوات فاعلة لتجاوز الخلافات المتعلقة بالجنوب اللبناني وإيقاف العمليات العسكرية بين إسرائيل وحزب الله اللبناني والوصول إلى ضمانات أمنية تلزم الأطراف جميعًا بالعمل على منع أي مواجهات عسكرية جديدة وعلى جميع الجهات، وقدرة واشنطن على إقناع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بوقف عمليات التصعيد في لبنان، والذي تراه إيران شرطًا أساسيًا لأي حوار وتفاهم ثنائي.
وجاء تصريح الرئيس دونالد ترمب للوفد الأمريكي المفاوض بعدم التسرع لضمان صياغة اتفاق محكم خالي من أي أخطاء، مع تأكيده على سريان الحصار البحري على الموانئ الإيرانية واعتماده أداة ضغط لحين التوقيع والتصديق النهائي لأي اتفاق تساهم فيه جميع الجهات، ويمكن النظر لموقف الرئيس الأميركي أنه يعكس عقليته في إدارة المفاوضات التي تمضي حسب رأيه بنحو كبير من المهنية والتنظيم ويرى فيها صفقة سياسية تخدم وجوده وتدعم مواقفه السياسية.
يتفق الجانبين الأمريكي والإيراني على أن الأولوية وكما تريده جميع الأطراف الداعمة للعمل الدبلوماسي الباكستاني الصيني الخليجي العربي هي ( منع اندلاع حرب إقليمية) وفتح مضيق هرمز وتأجيل التفاوض حول الملفات الأصعب لمرحلة لاحقة، والاهتمام الأمريكي داعم لتفكيك البرنامج النووي الإيراني والسعي لهدف رئيسي يتعلق بالتجارة الدولية وخفض أسعار سوق الطاقة العالمية ومعاودة الأنشطة التجارية والفعاليات الاقتصادية ذات الاهتمام والمنافع الدولية والإقليمية.
ويحاول الرئيس الأميركي ترامب أن يظهر بأنه أمام تحقيق اتفاق سياسي يلزم إيران ويحدد من تحركاتها الإقليمية وتوجهاتها السياسية، يبتعد في مضامينه عن ما اتفق عليه الرئيس أوباما عام 2015 بقوله
(لا استطيع الحديث عن الصفقة والأمر متروك لي تمامًا، والحصار على إيران سيظل ساريًا وبكامل قوته، وعلى الإيرانيين أن يدركوا أنهم لا يستطيعون تطوير أو حيازة سلاح أو قنبلة نووية، وانا لا أبرم صفقات سيئة)،
ورغم هذا التوجه الأمريكي إلا أن احتمالات التوصل لتفاهم أمريكي إيراني يبدو أكثر حضورًا، ولكنه لا يوحي بحدوث تسوية شاملة بقدر ما يعكس محاولة متبادلة لاحتواء تداعيات الحرب ومنع انتقالها لمرحلة أكثر خطورة، فواشنطن تدرك أن استمرار المواجهة العسكرية سيكون لها تأثيرها الكبير على أسواق الطاقة والملاحة والاقتصاد العالمي، وطهران تعلم جيدًا انها أمام تثبيت معادلة تسعى إليها بإظهار قدرتها على الصمود ومنع تحويل الضغط العسكري لاستسلام تفاوضي.
واشنطن تسعى للتهدئة من دون أي تُظهر وكانها عاجزة عن مواصلة القتال وفرض شروطها الأساسية، وطهران تريد الابتعاد عن أي مواجهة عسكرية شاملة من دون أن تبدو وكأنها في حالة تراجع أو استسلام تحت أي ضغوط عسكرية واقتصادية،
ولهذا سيكون المسار الأقرب للتفاهم هو المسار السياسي الدبلوماسي المدعوم دوليًا واقليميًا وعربيًا.
تحاول الجهات الإيرانية القريبة من المرشد مجتبى والتي تحظى بدعم ومساندة القيادات العسكرية والأمنية للحرس الثوري الإيراني أن تظهر إمكانياتها وقدرتها الذاتية في خطاب شعبوي موجه للشعوب الإيرانية، يمكن قراءته عبر كلام( محسن رضائي) المستشار العسكري للمرشد الأعلى مجتبى بقوله ( سنعمل على ضمان أمن البلاد لمدة 50 عامًا قادمة، وأن يدنا على الزناد استعدادًا لحرب رابعة، وأن الولايات المتحدة الأمريكية بعد الخرب لن تعود كما كانت).
خطاب إيراني معروف بتوجهاته وادواته وصياغة أهدافه وفق المنظمور الأيديولوجي للمشروع الإقليمي الإيراني، في وقت استمر فيه المفاوضات والمداولات للوصول إلى مذكرة تفاهم تكون طريقًا يوصل لاتفاق عام وشامل لكل القضايا المستعصية بين واشنطن وطهران،
ورغم التهديد الذي اطلقه رضائي بانسحاب إيران من معاهدة ( عدم انتشار الأسلحة النووية) ومواجهة أي تحركات أمريكية لاقتحام مضيق هرمز برد عسكري إيراني واسع، يأتي تصريح الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في 24 آيار 2026 معاكس لما يطرحه المستشار العسكري لمجتبى، بقوله ( اننا مستعدون لطمأنة العالم بأننا لا نسعى لامتلاك سلاح نووي أو زعزعة استقرار المنطقة)، وهو ما يؤكد حقيقة التناقض القائم في اوساط الحكم الإيراني من رؤى مختلفة لكيفية إدارة الصراع مع الولايات المتحدة الأمريكية والعودة بإيران إلى دورها ومكانتها الإقليمية والدولية.
أن الصياغة النهائية لمذكرة التفاهم محددة ولكنها سوف لا تبتعد كثيرًا عن جوهر ما اتفق عليه في مسودة الاعداد، بغية إزالة الشكوك من الجانب الإيراني الذي يطالب بضمانة دولية إقليمية الالتزام أمريكي بأي اتفاق يحصل ، مع ما يمكن أن يراه ترامب من اتجاهات ميدانية تحقق له وغاياته السياسية ورفضه لأي تفاهمات اتفاقيات مجزأة والدعوة الي مطالبة تفاوض كلي، وأن تكون عملية إطلاق الأموال المجمدة مرهونة بالموقف الإيراني من الشروط الأمريكية،
وهو ما أكد عليه وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو عند زيارته للهند في 23 آيار 2026 بالقول ( انه هناك احراز تقدم تقني في المفاوضات، التي تبحث آليات فتح المضيق والرفع
التدريجي للحصار على الموانئ الإيرانية مقابل تعهدات نووية تضمن تخفيف العقوبات النفطية).
مسودة مذكرة التفاهم تلزم إيران لاعادة للملاحة البحرية في مضيق هرمز خلال 30 يوم دون رسوم ورفع الألغام المزروعة يرافقها تخفيف الحصار البحري الأمريكي عن الموانئ والسواحل الإيرانية، وتأتي زيارة الوسيط الباكستاني للصين لاحداث تقدم في اعتماد نقاط المذكرة والضغط السياسي على إيران من قبل القيادة الصينية قبولها ببعض الشروط الأمريكية المتعلقة بالبرنامج النووي وتخصيب اليورانيوم، مع زيارة الوفد الإيراني إلى دولة قطر برئاسة رئيس البرلمان الإيراني ( محمد باقر قاليباف) مع وفد اقتصادي بحضور رئيس البنك المركزي الإيراني للتهيئة حول تحديد آلية لتسليم المبالغ المحجوزة لدى الدوحة نتيجة العقوبات الاقتصادية الأمريكية بعد الاتفاق على النقاط الرئيسية في مذكرة التفاهم الثنائية.

وحدة الدراسات الايرانية 

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجة