علي الزيدي يقود معركة كشف الحقائق: مشروع سامراء بين التنمية وأسئلة المال العام

علي الزيدي يقود معركة كشف الحقائق: مشروع سامراء بين التنمية وأسئلة المال العام


الباحثة شذا خليل*
تؤكد الحكومة العراقية الجديدة برئاسة علي فالح الزيدي أن مكافحة الفساد واستعادة ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة تمثلان أولوية قصوى في برنامجها الحكومي. وفي هذا الإطار، يولي رئيس الوزراء اهتماماً مباشراً بمتابعة الملفات التي أثيرت حولها شبهات هدر أو مخالفات مالية وإدارية، مؤكداً أن بناء دولة قوية ومستقرة لا يمكن أن يتحقق في ظل غياب الشفافية والمساءلة. ويرى مراقبون أن فتح الملفات الكبرى ومراجعة العقود والاستثناءات السابقة يمثل خطوة مهمة نحو ترسيخ مبدأ سيادة القانون وحماية المال العام، وصولاً إلى عراق أكثر نزاهة وكفاءة وقدرة على تلبية تطلعات مواطنيه.

تكشف سلسلة الكتب الرسمية والقرارات الحكومية الصادرة خلال عام 2025 عن مسار استثنائي اتخذته الحكومة العراقية بشأن مشروع البنى التحتية لمدينة سامراء، وهو مسار يثير أسئلة جوهرية حول حدود الاستثناءات الإدارية وآليات الرقابة على المشاريع الكبرى التي تمس المال العام.

بدأ الملف بصدور توصية المجلس الوزاري للاقتصاد رقم (25034 ق) بتاريخ 3 شباط 2025 بشأن مواجهة الأزمة المالية في ضوء الالتزامات الحكومية، والتي شددت على ضبط الإنفاق وعدم الدخول في التزامات جديدة إلا بعد تأكيد توافر التخصيص المالي، ومنحت الأولوية لتسديد المستحقات المالية للمشاريع القائمة قبل الشروع بمشاريع جديدة.

وفي 11 شباط 2025 أقر مجلس الوزراء التوصية بموجب القرار رقم (107) لسنة 2025، مؤكداً ضرورة التزام الوزارات والجهات الحكومية بضوابط الإنفاق والتخصيصات المالية، في خطوة هدفت إلى الحد من التوسع غير المدروس في الالتزامات الحكومية.

وبعد ذلك بعدة أشهر، برز ملف مشروع البنى التحتية لمدينة سامراء بوصفه مشروعاً استراتيجياً، حيث رفعت وزارة الإعمار والإسكان والبلديات العامة طلباتها الرسمية إلى الجهات المختصة، مدعومة بمخاطبات وزارة التخطيط التي أكدت أهمية المشروع وضرورته.

وفي 3 أيلول 2025 صدر قرار مجلس الوزراء رقم (685) لسنة 2025، والذي تضمن الموافقة على السير بإجراءات الإحالة والتعاقد واستكمال المتطلبات الأصولية اللازمة للمشروع، مع منحه استثناءً من بعض القيود والإجراءات الواردة في القرار رقم (107) لسنة 2025. وبعد أيام قليلة جرى تعميم القرار على وزارة التخطيط ووزارة المالية وديوان الرقابة المالية ومحافظة صلاح الدين والجهات الحكومية الأخرى ذات العلاقة.

ورغم أن الكتب الرسمية تؤكد أن اللجان المختصة استكملت المتطلبات الفنية والقانونية والمالية، وأن المشروع يمثل أولوية خدمية لمدينة سامراء، إلا أن جوهر القضية لا يكمن في أهمية المشروع بحد ذاته، بل في طبيعة الاستثناءات التي مُنحت له. فكل استثناء إداري أو مالي، مهما كانت مبرراته، يجب أن يخضع لمستوى أعلى من الرقابة والشفافية، لأن الاستثناءات بطبيعتها تفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول معايير الاختيار وأسباب التفضيل ومدى انسجامها مع السياسات العامة للدولة.

إن القراءة المتأنية للوثائق تكشف مفارقة واضحة؛ فمن جهة تؤكد الحكومة في قراراتها الأولى ضرورة ضبط الإنفاق وعدم التوسع في الالتزامات الجديدة بسبب الضغوط المالية، ومن جهة أخرى تمنح استثناءات لمشروع محدد للسير بإجراءات الإحالة والتعاقد. وهذه المفارقة لا تعني بالضرورة وجود مخالفة، لكنها تفرض على الجهات الحكومية واجباً مضاعفاً في تقديم التبريرات الفنية والاقتصادية للرأي العام.

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: ما هي المعايير التي جعلت مشروع سامراء يستحق هذا المسار الاستثنائي؟ وهل نُشرت للرأي العام دراسات الجدوى والكلف التقديرية ومصادر التمويل وآليات المتابعة والتنفيذ؟ وهل توجد خطة واضحة لضمان عدم تضخم الكلف أو تأخير التنفيذ أو تغيير المواصفات بعد الإحالة؟
وفي هذا السياق، أكدت الحكومة العراقية الحالية برئاسة علي فالح الزيدي عزمها على مراجعة عدد من الملفات الكبرى التي أثيرت حولها تساؤلات خلال السنوات الماضية، ومن بينها ملف مشروع البنى التحتية لمدينة سامراء. وتأتي هذه المراجعة في إطار توجه حكومي معلن لتعزيز الشفافية ومكافحة الهدر المالي والتدقيق في آليات التعاقد والإحالة والاستثناءات التي مُنحت لبعض المشاريع الاستراتيجية. ويرى مراقبون أن فتح هذا الملف يمثل اختباراً مهماً لجدية الحكومة في كشف الحقائق أمام الرأي العام، لاسيما في ظل الجدل الدائر حول حجم الكلف المالية للمشروع والفروقات الكبيرة بين التقديرات المتداولة والأرقام المرتبطة بإجراءات التعاقد والتنفيذ. كما يترقب الرأي العام نتائج أي مراجعات أو تحقيقات رقابية قد تكشف مدى سلامة الإجراءات المتبعة وتحدد المسؤوليات في حال ثبوت وجود مخالفات أو تجاوزات في إدارة الملف.
تزداد علامات الاستفهام حول ملف مشروع البنى التحتية لمدينة سامراء في ظل الحديث عن نفوذ شخصيات سياسية واقتصادية نافذة ومسيطرة على عقود سامراء يُقال إنها لعبت أدواراً مؤثرة في إدارة أو توجيه بعض العقود والمشاريع داخل المدينة خلال السنوات الأخيرة. كما تتداول أوساط سياسية وإعلامية معلومات عن وجود علاقات وثيقة بين بعض المستفيدين من العقود وشخصيات ذات نفوذ سياسي رفيع، الأمر الذي يستوجب من الجهات الرقابية والقضائية التحقق من مدى صحة هذه المزاعم وكشف جميع الملابسات للرأي العام.
وفي حال ثبوت وجود تدخلات أو استثناءات مُنحت بناءً على النفوذ السياسي أو العلاقات الشخصية بدلاً من المعايير القانونية والفنية، فإن ذلك سيمثل مساساً بمبادئ المنافسة العادلة والشفافية في إدارة المال العام. ولهذا تبرز الحاجة إلى نشر جميع العقود والإحالات والاستثناءات والجهات المستفيدة منها، بما يتيح للرأي العام والجهات الرقابية تقييم سلامة الإجراءات بعيداً عن الشائعات أو الاتهامات غير الموثقة

إن التجارب السابقة في العراق أثبتت أن المشكلة لا تكمن غالباً في إصدار القرارات أو تخصيص الأموال، بل في مرحلة التنفيذ والمتابعة والمساءلة. فكم من مشروع أعلن عنه باعتباره مشروعاً استراتيجياً ثم تعثر لسنوات أو تضاعفت كلفته أو بقيت أهدافه حبراً على ورق.

ولهذا فإن نجاح مشروع البنى التحتية لمدينة سامراء لا يقاس بعدد الكتب الرسمية المتبادلة ولا بعدد الموافقات الصادرة، بل بقدرة الجهات المنفذة على تحويل تلك القرارات إلى إنجاز حقيقي يلمسه المواطن على الأرض. كما أن الشفافية الكاملة في نشر المعلومات والعقود والكلف ومراحل الإنجاز ستبقى الاختبار الحقيقي لأي مشروع يُنفذ تحت مظلة الاستثناءات الحكومية.

وحدة الدراسات الاقتصادية / مكتب شمال امريكا
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية