الباحثة شذا خليل*
على مدى أكثر من خمسين عاماً، شهد العالم ثورات اقتصادية متعاقبة غيّرت شكل الاقتصاد العالمي. بدأت بثورة النفط، ثم الإنترنت، ثم الهواتف الذكية، وأخيراً الذكاء الاصطناعي الذي أعاد رسم خريطة الاستثمار والتكنولوجيا خلال سنوات قليلة. واليوم، يرى عدد متزايد من العلماء والاقتصاديين أن العالم قد يقف على أعتاب ثورة جديدة، لكن هذه المرة في مجال التكنولوجيا الحيوية والطب التجديدي، وهي ثورة قد لا تقل تأثيراً عن الثورات السابقة، بل قد تتجاوزها إذا نجحت في تحقيق وعودها العلمية.
الفكرة الأساسية لهذه الثورة هي الانتقال من علاج أعراض المرض إلى محاولة إصلاح الخلايا والأنسجة التالفة أو استبدالها. فالخلايا الجذعية أصبحت تُستخدم بالفعل في علاج بعض الأمراض الخطيرة مثل اللوكيميا والليمفوما والورم النقوي المتعدد وبعض أمراض نخاع العظم، بينما تستمر الأبحاث لتوسيع استخدامها في علاج أمراض القلب والسكري وباركنسون والزهايمر وإصابات الحبل الشوكي. وإذا نجحت هذه الأبحاث، فإنها قد تغيّر مستقبل الطب بالكامل.
وفي الوقت نفسه، أصبح الذكاء الاصطناعي شريكاً رئيسياً في هذا التحول. فبدلاً من أن يستغرق تطوير دواء جديد أكثر من عشر سنوات، أصبح بالإمكان استخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل ملايين البيانات الطبية، واكتشاف مركبات دوائية جديدة، وتحسين تصميم التجارب السريرية، والتنبؤ باستجابة المرضى للعلاج. وهذا قد يختصر سنوات طويلة من البحث العلمي ويخفض تكاليف تطوير الأدوية بشكل كبير.
اقتصادياً، يتميز قطاع التكنولوجيا الحيوية بأنه من أكثر القطاعات قدرة على تحقيق نمو سريع، لكنه أيضاً من أكثرها خطورة. فقد ترتفع قيمة شركة صغيرة بشكل كبير بعد إعلان نتائج سريرية إيجابية أو الحصول على موافقة تنظيمية، كما يمكن أن تتراجع قيمتها بسرعة إذا فشلت التجارب أو تأخرت الموافقات. لذلك فإن الاستثمار في هذا القطاع يتطلب فهماً عميقاً للعلم إلى جانب التحليل المالي.
وإذا نجحت تقنيات الطب التجديدي في المستقبل، فإن تأثيرها لن يقتصر على المرضى فقط، بل سيمتد إلى الاقتصاد العالمي بأكمله. فقد يؤدي ذلك إلى خفض تكاليف علاج الأمراض المزمنة، وتقليل الحاجة إلى الإقامة الطويلة في المستشفيات، وزيادة متوسط العمر الصحي، وتحسين إنتاجية القوى العاملة، إضافة إلى ظهور صناعات جديدة في مجالات الخلايا الجذعية والهندسة الوراثية والذكاء الاصطناعي الطبي. كما قد تجذب هذه القطاعات استثمارات بمئات المليارات من الدولارات، تماماً كما حدث مع الإنترنت والذكاء الاصطناعي.
وتزداد أهمية هذا القطاع مع التغيرات الديموغرافية العالمية، إذ يتقدم سكان العالم في العمر بوتيرة متسارعة، بينما ترتفع معدلات الإصابة بالأمراض المزمنة. وهذا يعني أن الطلب على العلاجات الجديدة سيستمر في النمو، مما يجعل التكنولوجيا الحيوية واحدة من أكثر الصناعات جذباً للاستثمارات خلال العقود المقبلة.
ومع ذلك، يجب التفريق بين الإمكانات المستقبلية والحقائق الحالية. فالكثير من الشركات الصغيرة تعد المستثمرين بإنجازات كبيرة، لكن النجاح الحقيقي يعتمد على نتائج التجارب السريرية، وسلامة العلاجات، والحصول على الموافقات التنظيمية. ولذلك فإن كل شركة يجب تقييمها بناءً على بياناتها العلمية وقدرتها المالية، وليس على التوقعات أو الحملات التسويقية فقط.
قد يكون العالم بالفعل في بداية مرحلة اقتصادية جديدة، حيث يلتقي الذكاء الاصطناعي مع التكنولوجيا الحيوية لإعادة تشكيل مستقبل الطب والاقتصاد معاً. وإذا استمرت الإنجازات العلمية بالمعدل الحالي، فقد ينظر المؤرخون الاقتصاديون بعد عشرين عاماً إلى هذه المرحلة باعتبارها بداية الثورة البيولوجية العالمية، تماماً كما ينظرون اليوم إلى بداية ثورة الإنترنت والذكاء الاصطناعي. لكن النجاح لن يقاس فقط بارتفاع أسعار أسهم بعض الشركات، بل بقدرة هذه التقنيات على تحسين حياة ملايين البشر، وخفض الأعباء الصحية، وتحقيق نمو اقتصادي أكثر استدامة للعالم بأسره.
وحدة الدراسات الاقتصادية / مكتب شمال امريكا
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية
