الباحثة شذا خليل*
بعد أكثر من أربع سنوات على اندلاع الحرب في أوكرانيا، لم يعد السؤال الاقتصادي الأهم هو ما إذا كانت روسيا قد استطاعت الصمود أمام العقوبات الغربية، بل إلى أي مدى يمكن لهذا الصمود أن يستمر إذا تحولت الحرب إلى استنزاف طويل الأمد.
فعلى الرغم من أن الاقتصاد الروسي لم يشهد الانهيار السريع الذي توقعه بعض المراقبين في بداية الحرب، فإن مؤشرات عام 2026 تكشف عن صورة أكثر تعقيداً. الاقتصاد لا يزال يعمل، والدولة ما زالت قادرة على تمويل عملياتها العسكرية، لكن تكلفة الحفاظ على هذا النموذج الاقتصادي ترتفع، بينما تتزايد الضغوط على الاستثمار والقطاع المدني والمالية العامة.
وقد أعاد الاقتصادي الروسي البارز Andrei Klepach، كبير الاقتصاديين السابق في بنك التنمية الحكومي VEB والنائب السابق لوزير الاقتصاد، هذا النقاش إلى الواجهة بعدما حذر من أن روسيا تواجه مخاطر حقيقية في حال استمرار “حرب الاستنزاف”. وأشارت تقارير حديثة إلى إقالته من منصبه بعد انتشار تصريحاته، إلا أن البنك لم يعلن رسمياً أن تلك التصريحات كانت سبب الإقالة.
اقتصاد الحرب: عندما يصبح الإنفاق العسكري محركاً للنمو
أحد المفاتيح الأساسية لفهم الاقتصاد الروسي الحالي هو التمييز بين النمو الاقتصادي الكمي والنمو الاقتصادي المستدام.
منذ بداية الحرب، ضخت الحكومة الروسية مبالغ ضخمة في الصناعات الدفاعية، والإنتاج العسكري، والبنية اللوجستية المرتبطة بالحرب. هذا الإنفاق يرفع الطلب والإنتاج والتوظيف، وبالتالي يظهر جزء منه في الناتج المحلي الإجمالي.
لكن إنتاج دبابة أو صاروخ يدخل في حساب الناتج المحلي مثلما يدخل إنتاج آلة صناعية أو بناء مصنع. الفرق الاقتصادي هو أن المصنع أو البنية التحتية الإنتاجية قد ترفع القدرة الإنتاجية للدولة لسنوات، بينما يستهلك جانب كبير من الإنتاج العسكري في الحرب ولا يولد بالضرورة عائداً اقتصادياً مستقبلياً.
ووفق تقديرات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام SIPRI، بلغ الإنفاق الروسي المرتبط بالحرب والنفقات العسكرية نحو 16 تريليون روبل في 2025، أي ما يعادل 7.5% من الناتج المحلي الإجمالي. وفي موازنة 2026 خُطط لنحو 14.9 تريليون روبل، أو 6.3% من الناتج.
وهنا تظهر أولى مفارقات اقتصاد الحرب: الإنفاق العسكري يستطيع دعم النمو اليوم، لكنه قد يضعف القدرة على تحقيق النمو غداً.
مشكلة “مزاحمة” الاقتصاد المدني
عندما تستخدم الدولة نسبة متزايدة من العمال ورأس المال والتمويل والطاقة في القطاع العسكري، فإن هذه الموارد لا تعود متاحة بالقدر نفسه للقطاعات المدنية.
وهذه الظاهرة تعرف اقتصادياً بـ Crowding Out أو “أثر المزاحمة”.
فالمصانع العسكرية تتنافس مع الشركات المدنية على العمال المهرة، والحكومة تنافس القطاع الخاص على الموارد والتمويل، بينما تؤدي الضغوط التضخمية وأسعار الفائدة المرتفعة إلى زيادة تكلفة الاقتراض والاستثمار.
وهذا يفسر لماذا يمكن لاقتصاد ما أن يسجل نمواً في الناتج المحلي الإجمالي، وفي الوقت نفسه تعاني أجزاء من قطاعه الخاص من ظروف أكثر صعوبة.
ويشير المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية إلى أن الاقتصاد الروسي أصبح قريباً من حدود طاقته الإنتاجية، وأن نقص العمالة يمثل قيداً متزايداً، ما يعني أن توجيه المزيد من الموارد نحو الإنتاج العسكري قد يحقق عوائد اقتصادية متناقصة.
من النمو السريع إلى التباطؤ
الأرقام الأخيرة تعزز هذه المخاوف.
ففي تحديثه الصادر في يوليو 2026، يتوقع صندوق النقد الدولي أن يبلغ النمو الحقيقي للاقتصاد الروسي نحو 1.1% خلال 2026. كما يتوقع معدل تضخم بنحو 5.6% وفق بيانات الصندوق المنشورة عن روسيا.
هذا لا يعني أن الاقتصاد الروسي يتجه بالضرورة نحو الانهيار، لكنه يشير إلى أن مرحلة التوسع القوي المدفوع بالإنفاق الحكومي والعسكري تواجه حدوداً متزايدة.
وهنا تكمن نقطة مهمة: قدرة الدولة على تمويل الحرب ليست هي نفسها قدرة الاقتصاد على تحقيق تنمية طويلة الأمد.
روسيا تمتلك موارد طبيعية ضخمة، وخصوصاً النفط والغاز والمعادن، كما أن ارتفاع أسعار بعض السلع يمكن أن يمنح الموازنة الروسية متنفساً مالياً مهماً. ولذلك فإن الحديث عن انهيار اقتصادي روسي وشيك قد يكون مبالغاً فيه. حتى صندوق النقد لا يتوقع انكماش الاقتصاد في 2026، بل نمواً ضعيفاً نسبياً.
لكن المشكلة الأعمق تتعلق بـ تكلفة الفرصة البديلة.
كل روبل إضافي يذهب إلى الحرب هو مورد كان يمكن أن يستخدم في تحديث البنية التحتية، أو التعليم، أو الصحة، أو التكنولوجيا، أو الاستثمار الصناعي المدني.
وقد أشار صندوق النقد في تحليله الأوسع لاقتصاديات الإنفاق الدفاعي إلى أن الطفرات الكبيرة في الإنفاق العسكري تستطيع تحفيز النشاط الاقتصادي في الأجل القصير، لكنها قد تزيد التضخم والعجز والدين وتضغط على الإنفاق الاجتماعي، خصوصاً عندما تستمر لفترات طويلة.
العقوبات ليست ضربة واحدة بل عملية تراكمية
من الخطأ أيضاً تقييم نجاح أو فشل العقوبات من خلال سؤال واحد: “هل انهار الاقتصاد الروسي؟”
العقوبات الاقتصادية نادراً ما تعمل بهذه الطريقة.
تأثيرها الأهم قد يظهر تدريجياً من خلال ارتفاع تكلفة الحصول على التكنولوجيا، وتعقيد التجارة والتمويل الدولي، وتغيير مسارات الطاقة، وزيادة الاعتماد على عدد محدود من الشركاء التجاريين.
ومن هنا تبرز مخاوف Klepach بشأن قدرة روسيا على المنافسة التكنولوجية والاقتصادية على المدى الطويل، إضافة إلى تزايد اعتمادها على الصين.
وهذا يقود إلى السؤال الحقيقي الذي سيحدد مستقبل الاقتصاد الروسي:
ليس هل تستطيع روسيا تمويل سنة أخرى من الحرب، بل ما شكل الاقتصاد الروسي الذي سيخرج من عشر سنوات من إعادة توجيه الموارد نحو الحرب إذا استمر الصراع؟
الخطر الأكبر: الاستنزاف وليس الانهيار
لذلك، فإن السيناريو الأكثر أهمية اقتصادياً قد لا يكون انهياراً مفاجئاً على غرار أزمة مالية تقليدية.
الخطر الأكبر هو الاستنزاف التدريجي: نمو أبطأ، استثمار مدني أضعف، نقص أكبر في العمالة، اعتماد متزايد على الإنفاق الحكومي، وتراجع القدرة على المنافسة التكنولوجية والإنتاجية أمام الاقتصادات الكبرى.
وهنا تصبح الحرب الاقتصادية سباقاً على القدرة على تحمل التكلفة عبر الزمن.
روسيا أثبتت حتى الآن أنها أكثر قدرة على التكيف مع العقوبات مما توقعه كثيرون في بداية الحرب. لكنها تدخل مرحلة مختلفة، يصبح فيها السؤال أقل ارتباطاً بقدرتها على البقاء وأكثر ارتباطاً بالثمن الذي ستدفعه مقابل هذا البقاء.
فالاقتصادات الكبرى لا تُقاس فقط بقدرتها على تمويل الحروب، وإنما بقدرتها على الاستثمار والإنتاج والابتكار وتحسين مستوى معيشة مواطنيها بعد انتهاء تلك الحروب.
ولهذا فإن المعركة الاقتصادية الحقيقية بالنسبة لروسيا قد لا تكون في عام 2026، بل في السنوات التي تليه.
السؤال الحاسم إذن ليس: هل سينهار الاقتصاد الروسي؟ بل: كم من النمو والاستثمار والتقدم التكنولوجي والرفاه الاجتماعي يمكن أن تخسره روسيا قبل أن تصبح تكلفة الحرب أكبر من قدرة الاقتصاد على تعويضها؟
وحدة الدراسات الاقتصادية / مكتب شمال امريكا
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية
