اياد العناز
يأتي القرار السياسي والعسكري للقوات الأمريكية والتحالف الدولي بالانسحاب من الأراضي العراقية في 30 آيلول 2026 ليرسم ملامح مرحلة جديدة في المشهد السياسي العراقي ويمنح العديد من أوجه المتغيرات الميدانية والافاق الاستراتيجية التي من الممكن أن تكون إحدى الملامح المستقبلية للأوضاع القادمة في العراق ويرسم طبيعة الأحداث الميدانية وصورة التطورات في العلاقة ما بين الحكومة العراقية والفصائل المسلحة وكيفية التعامل معها بعد أن تم تحديد 30 حزيران 2027 الموعد النهائي لتسليم الفصائل لاسلحتها وسيطرة الدولة العراقية بكل مؤسساتها العسكرية والأمنية على السلاح بجميع صنوفه وانواعه.
يبقى السؤال القائم عن مدى حالة التأثير الذي قد تحدثه الفصائل المرتبطة بإيران في القرار السياسي بعد الانسحاب الأمريكي ودعوتها لتنظيم عملية تسليم السلاح والاحتفاظ به لمواجهة أي احتمالات قادمة لاستهداف الاستقرار الأمني للعراق (حسب ) بياناتهم العسكرية وتصريحاتهم السياسية الاعلامية، ومن ثم ما هي مفاعيل قدرتها على التأثير في القرار الأمني أو تجاوز التعليمات والتوجيهات المعتمدة من الدوائر الأمنية والاستخبارية العراقية؟
تمتلك بعض من الفصائل حضورًا سياسيًا وتمثيلًا برلمانيًا ولها قدرتها في التأثير على القرار السياسي عبر اعتماد تشريعات ودعم قوانين وأنظمة تتوافق مع نظرتها وتفكيرها بما يسهل عملها وعلاقتها السياسية مع أطراف داخلية وإقليمية، ولها خصوصيتها في استحواذها على وزارات ومناصب حكومية ونفوذها الإداري عبر تواجدها في شبكات اقتصادية ومالية تساهم في تعزيز دورها وإمكانياتها المالية وتاثيراتها الميدانية، ثم التحول لممارسة عملية اختيار وتشكيل التحالفات السياسية ودعم وإسناد أي محاولات وخطوات جادة للاعلان عن تشكيل حكومة عراقية واختيار رئيسها ووزرائها بما يتناسب ومصالحها وأهدافها، وسبق وأن ساهمت فصائل متعددة مثل (كتائب حزب الله ومنظمة بدر وعصائب أهل الحق) والتي تمتلك نفوذًا سياسيًا مباشرًا وغير مباشر في التأثير على قدرة أي حكومة عراقية في إدارة علاقتها مع الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، ويكفي الفصائل المسلحة أن تمتلك تأثيرًا ميدانيًا في تشكيل أي حكومة أو إدارة مؤسساتها دون أن تُفعل عملية هيمنتها على السياق الإداري لشؤون المؤسسات الحكومية وإدارتها وأي قرار تتخذه الحكومة يتعلق بتسير شؤون البلاد، ومن هنا يعتبر أي قرار يتعلق بالعلاقة مع واشنطن وطهران قرارًا تفاوضيًا داخليًا.
ويمكن أن نلمس أهمية تأثير الفصائل في القرار الأمني لأنه يعتبر أكثر دقة وحيوية في تحديد مسار العلاقة بين الحكومة والفصائل المسلحة وتحديد عملية الانتماء والالتزام بالولاء الدائم لما تقرره الحكومة وتنفذه الفصائل وعناصرها، ولهذا فإن المعيار الأساسي ليس وجود الفصيل داخل مؤسسة الدولة، بل من يأمر ومن يملك القدرة على استخدام السلاح، فإن تحققت قدرة الدولة العراقية على تنفيذ إرادتها والتزام جميع التشكيلات المسلحة بها، فسنكون أمام مؤسسة أمنية فاعلة ولها حضورها بعيدًا عن أي تأثيرات، أما إذا لم تتمكن بعض الفصائل من اتباع تعليمات الحكومة والعودة لقراراتها الميدانية باستخدام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة وفتح جبهات خارجية للقتال خارج الحدود، فنحن أمام ليس ازدواجية في العمل والتنفيذ، بل عدم التزام وتمسك بمركز القرار الأمني وهذا يشكل خطورة كبيرة على العراق ودوره الإقليمي وعلاقاتها مع دول الجوار وخاصة دول مجلس التعاون الخليجي العربي.
وهنا سيبرز الدور الإيراني في التأثير الفعلي على بعض الفصائل الولائية التي ترتبط مباشرة بالحرس الثوري و تعلن ذلك صراحة عن علاقتها وشراكتها وتحديدًا (حزب الله وحركة النجباء) وبعض الألوية العسكرية، في حين سعت غالبية الفصائل المسلحة الأخرى إلى إعطاء أهمية متزايدة لبقائها السياسي ورعاية مصالحها الاقتصادية والابتعاد عن تنفيذ الاجندات والتوجهات الإيرانية.
أن الفصائل ذات الارتباط الجوهري بإيران تسعى لتحقيق صيغة من النفوذ الأمني والعسكري الذي يشكل أداة من الهيمنة التي تسمح لإيران بالحفاظ على عمق استراتيجي في دولة مجاورة لها، بامتلاكها لقدرات صاروخية وطائرات مسيرة واسلحة متطورة ميدانية، ترفع من كلفة استهداف إيران من أي اعتداء خارجي عليها، وتدخل عمليات الفصائل كجزء مهم من الحسابات الخاصة في أي مفاوضات أمريكية إيرانية قادمة، وهو ما يمنح طهران عمقًا استراتيجيًا قد يتحول لنقطة استنزاف في مواجهة المصالح العليا للولايات المتحدة الأمريكية في الإقليم.
تعمل الفصائل المسلحة على معالجة العقوبات الأميركية على إيران، بإعادة هيكلية مصادرها المالية والتغلغل في مؤسسات الدولة العراقية والقطاعات ذات المنفعة الاقتصادية العليا، والسعي لتوسيع شبكات عملها السياسي والاقتصادي التي تمنحها القدرة على البقاء والاستمرار حتى بعد تغيير وضعها العسكري.
يتأثر القرار الأمني العراقي بالازدواجية، بوجود فصائل مسلحة مسلحة لها حضورها في البرلمان والوزارات والمؤسسات الحكومية، ثم وجود فصائل لها امكانياتها التسليحية وقدراتها الصاروخية وطائراتها المسيرة، والأهم حدود النفوذ الإيراني الذي تستطيع قيادات الحرس الثوري تنفيذه وتوجيه ميدانيًا، والفعل المؤثر للسلاح الذي تمتلكه الفصائل في أن يكون ورقة ضغط وردع في أي تفاوض سياسي وحوار دبلوماسي قادم بين واشنطن وطهران، وفي الوقت نفسه يشكل خطرًا على العراق لأنه قد يتسبب في مواجهة بين بغداد وواشنطن.
المشكلة في العراق ليش وجود فصائل مسلحة مرتبطة بإيران، بل المشكلة الأعمق هي تداخل ثلاث سلطات هي ( سلطة الدولة وسلطة القوى السياسية وسلطة السلاح) وكلما تداخلت هذه السلطات أصبح القرار العراقي الخارجي والداخلي أقل استقلالًا وأكثر قابلية للتأثر بالصراع الأمريكي الإيراني.
يمكن لبغداد أن تستعيد قدرتها عبر احتكارها للسلاح والاقرار باستخدامه من قبل اجهزتها التنفيذية وهو الأمر الأكثر أهمية، وتجاوز المشكلة التي تشكل قيادة موازية مسلحة من بعض الفصائل والتي تعمل فعليًا خارج الإطار الدستورية والرسمية للدولة العراقية.
وهناك قوى سياسية مرتبطة بشبكات مسلحة تستطيع الاحتفاظ بنفوذها عبر مؤسسات الدولة وخارجها، يمكن تحييد دورها والسيطرة على فعالياتها.
أن قوة القرار العراقي ليس في السيطرة على فصائل مسلحة، بل في مواجهته لكتل سياسية وشبكات اقتصادية ومؤسسات أمنية، لها قدرتها على مواجهة قرارات الدولة وحتى مواجهتها إذا ما تعارضت مع مصالحها.
سيكون نشاط المستشارون الإيرانيون أكثر حضورًا في الميدان العراقي، والنفوذ الإيراني لم يعد بالضرورة علاقة رأسية تبدأ من القيادات الفعلية الأمنية في إيران إلى الفصائل المسلحة، بل أصبح شبكة أفقية تتداخل فيها المصالح الإيرانية مع مصالح سياسية وعشائرية واقتصادية وأمنية عراقية، وهذا ما تحقق خلال عقدين من الزمن من علاقة تمثلها التبعية السياسية الأمنية إلى بنية من المصالح المشتركة بين الحرس الثوري وقيادات بعض الفصائل في بغداد، وهو ما يجعل عملية تفكيك العلاقة أكثر صعوبة وخطورة.
المستشارون الإيرانييون لهم دور اساسي في البنية الأمنية والاجتماعية العراقية وتحولت إلى قنوات للاتصال مع قيادات الفصائل وبعض من القيادات الاجتماعية والعشائرية في عديد من محافظات العراق الجنوبية والوسطى، وتحولت إلى امتدادات فاعلة لها تأثيرها في التمدد والتأثير المجتمعي عبر مسؤولين محليين ومؤسسات اجتماعية وشبكات اقتصادية، وهنا تصبح أكثر عمقًا من الاتصال العسكري والأمني، وأصبح للمستشاريين وعبر الفصائل المسلحة مكاتب عشائرية للتواصل المحلي وتقديم المساعدة في تعزيز بناء شبكات الاتصال بصورة فاعلة ومؤثرة تخدم المعطيات الميدانية الإيرانية وتؤثر على وحدة القرار الأمني العراقي.
عملية الانتشار والتوسع في بناء العلاقات الاجتماعية وتعزيز دور المستشارين الإيرانيين سيكون له حضوره الميداني في تعزيز وبناء العلاقات داخل المجتمع العراقي وتزداد أهمية هذا الدور بعد انتهاء الوجود العسكري الأمريكي، وهذا يعني أن انسحاب القوات الأجنبية لا يعني تلقائيًا اكتمال استقلال القرار الأمني إذا لم تواكبه عملية إعادة ترتيب البيت العراقي والنهوض به وابعاده عن أي تأثيرات من قبل الشبكات المسلحة والعلاقات الإيرانية.
عملت إيران على بناء علاقات واسعة تجاوزت المؤسسات الحكومية إلى شبكات إجتماعية وعشائرية وشخصيات مدنية واستخدمت المعايير التي اتبعتها في تحركها عبر مضامين وتداخلات مفاهيم الجغرافية والتاريخ والعلاقات الاجتماعية، فالدور الإيراني لا يتحرك عبر مستشار عسكري فقط، بل توجد شبكة من العلاقات مع قوى اجتماعية وعشائرية.
الاختبار الأهم للحكومة هو تنفيذها للقانون وتمسكها بالدستور ومعالجة تعدد مراكز القوة وجعل السلطة التنفيذية لها دورها الرئيسي في تعزيز قدرة الدولة ومعالجة جميع الملفات الاستراتيجية المتعلقة بالفصائل المسلحة وما يرتبط بها وتشكيلاتها الأمنية واهتماماتها الإقليمية.
قد ترى بعض الأوساط السياسية أن تنفيذ العراق لارادته في السيطرة على السلاح ومنع القوة المتوازية من تنفيذ إرادتها، سيؤدي إلى أزمة سياسية وانقسام داخل القوى الشيعية واضطراب وتدهور في الأوضاع الأمنية وتعطيل لدور الحكومة ولاعمال البرلمان العراقي، مما يشكل تهديد للمصالح الاقتصادية العليا للبلاد والتأثير على تنفيذ المشاريع التنموية واحتمال انتقال المواجهة والصراع إلى الميدان الشعبي، وتحاول استعادة ماتم من محاولات للإصلاح والتغيير واحداثها في السنوات السابقة.
وهناك من يحاول العمل باتجاه تحقيق إرادة ونفوذ المؤسسات الحكومية وسلطاتها التنفيذية، ولكن مع مراعاة حاجة العراق للنظام المالي الدولي وتدفق الدولار وتعزيز الاستثمار الاقتصادي واستمرار صادرات العراق النفطية والحفاظ على علاقات العراق عربيًا واقليميًا ودوليًا.
كلما هدأت المواجهة بين واشنطن وطهران توسعت مساحة الحركة أمام تنفيذ الحكومة العراقية لاجنداتها وأصبحت حركتها أكثر مرونة، ولكن مع أي تصعيد في المواجهة فإن الفصائل المرتبطة بإيران قد تصبح جزءًا من الصراع، وهنا يكون العراق أمام معادلة صعبة في مواجهة تأثيرات ونتائج المواجهة ومدى قدرته على إيقاف أي محاولات لانطلاق فعاليات عسكرية أمنية عبر أراضيه والتأثير على علاقته مع اقطار مجلس التعاون الخليجي العربي.
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية
