دمشق في قلب المشروع الإيراني

دمشق في قلب المشروع الإيراني

532369-thumb-590x443

بينما يعيش من في الداخل السوري صدمة يوميات الحرب التي تجعله يئن تحت ضغوطها، ولا تمنحه الفرصة للتفكير خارج حدود حماية نفسه، وينشغل نطيره اللاجئ إلى دول الجوار، أو في المهاجر الأوروبية، بتدبير الحد الأدنى من متطلبات الحياة، وينشغل العالم الخارجي بالحديث عن تسويات تضخها بكثافة كل من روسيا وإيران في كل الإتجاهات، فإن دمشق تتحول من مدينة عربية إلى ضاحية من ضواحي طهران، بما يعنيه ذلك من تفكيك لنسيجها الأصلي، وتركيب وجه جديد ذي ملامح فارسية.
بوتائر متسارعة، تقذف دمشق كل يوم أبناءها الأصليين إلى الخارج، وقد هيأ نظام الأسد كل الظروف التي تحوّلها إلى مكان طارد لأبنائه، وصنع آلية تنفيذية تعمل باقتدار على إنجاز مهمّة التغيير المنشود، مدينة مخنوقة بحواجز العسكر والمخابرات والشبيحة، التنقل فيها مغامرة موصوفة، وأبناؤها متهمون ومشتبه بهم، ولا يمكن لابن دمشق توقع أنه سينجو من الاعتقال أو الاختطاف أو الإخفاء، حتى لو لم يكن هناك سبب واضح، ما دامت هذه الحواجز تملك صلاحيات تصل إلى حد إلغاء حياة الفرد، والذريعة أنهم استشعروا بمخاطر من ناحيته. بالإضافة إلى ذلك، تنظّم كتائب الأمن والشبيحة جولات اقتحام ومداهمة ليليّة على الأحياء، وتنكّل بسكانها، وتعيّشهم مناخات الرعب، بالإضافة إلى احتجاز أبنائهم وسوقهم إلى جبهات القتال عنوة، ووضعهم في مقدمة المقتحمين، حتى من دون إخضاعهم لتدريب كاف.
ولا يقتصر الأمر عند هذا الحد، بل يقوم النظام بتدمير الحياة الاقتصادية للدمشقيين عبر تكليف أصحاب الورش والمحال التجارية ضرائب تفوق قدرتهم على السداد، وتدفعهم حكماً إلى وقف نشاطهم الاقتصادي، مقدمة لبدء التفكير بالمغادرة، إضافة إلى إصرار النظام على القيام بأعمال تنظيم عقارية، أدت إلى انتزاع أراض كثيرة في منطقة المزة وكفرسوسة ونهر عيشة من سكانها الأصليين، لقاء تعويضات لا تكفي لاستئجار منزل شهوراً.
من جهة أخرى، يجري التركيز على المقامات والرموز الدينية الشيعية، وتحويلها إلى رمز لدمشق، بما يعني تغيير صورة دمشق وثقافتها، فضلاً عن ممارسة الطقوس الشيعية في الأحياء الدمشقية وانتشار الأغاني والأشعار التي تدعو إلى الثأر لآل البيت، وبعضها يدعو، صراحة، إلى قتل السنّة، ويجري بثّها عبر مكبرات الصوت التي تجوب الأحياء الدمشقية.
يتزامن مع ذلك تفريغ النظام غلاف دمشق من سكانه السوريين، كما حصل في جنوب المدينة وريفها الغربي، وإحلال أهالي المقاتلين القادمين من العراق ولبنان وأفغانستان وباكستان مكانهم، ومنع سكانها السوريين والفلسطينيين من العودة إليها، وكذلك ما يحصل في الزبداني، ووضع مضايا وبقين وسرغايا على قائمة التهجير.
يشكّل هذا الأمر أخطر ما في المشروع الإيراني، ففي حين يتم التركيز على البعد السياسي في هذا المشروع، وهو دعم إيران نظام الأسد بوصفه حليفاً وجزءاً من مشروع سياسي إقليمي، غير أنّ الأفعال على الأرض بعيدة كل البعد عن السياسة، بل يجري توظيف السياسة نفسها لخدمة مشروع اقتلاعي إحلالي، هدفه تحويل دمشق ومساحة كبيرة من سورية إلى بقعة فارسية، تسكنها أكثرية تتبع إيران. ويأخذ هذا المشروع طابع الصبر الاستراتيجي، إذ على أساسه تسعى طهران إلى إطالة الأزمة أطول زمن ممكن، على عكس ما يعتقد كثيرون أن إيران تعبت، وتريد الانفكاك عن الأزمة السورية. والواضح أنها تتعاطى مع الحالة، انطلاقاً من أنها المحافظة رقم 35، ولا تعتبر الإنفاق فيها خسارة خارجية. وربما، من هنا، جاءت تصريحات بعض شيوخ قم أنهم سيحكمون المنطقة أربعة قرون مقبلة.

مع استمرار هذه الوتيرة من عمليات التغيير الديمغرافي، ربما تصل إيران، في مدى قصير أو متوسط، إلى فرض حالة يصعب تغييرها، ولعلّ بغداد شاهد حي لهذه الظاهرة، فقد تم تهجير الغالبية العظمى من السكان العرب فيها، وكذلك ديالى، ومحافظات عراقية كثيرة باتت تقع على قائمة التغيير، وهي تجربة تذكّرنا، أيضاً، بالسيناريو الذي طبقته إسرائيل في القدس، وصار أحد الحقائق التي يصعب تغييرها مع الزمن.
لكن، لماذا دمشق؟ لأنها جوهرة المشروع الأيديولوجي الإيراني، لما لها من رمزية تاريخية مميّزة، لوجود كثير من مراقد آل البيت فيها، ولكونها عاصمة الأمويين الذين حطموا امبراطورية فارس، ولها أهمية خاصة في السردية العقائدية، ومن دونها لا معنى للتضحيات، ولا يمكن أن تضمن إيران ولاء محسوبين كثيرين عليها، وانخراطهم في القتال، هي تماماً تشبه فلسطين في الأيديولوجيا الصهيونية، وقدرتها على استقطاب الولاء والتضحية من يهود العالم، مع فارق أنّ المحرقة في السردية الصهيونية حصلت في وقت قريب، في حين أن المحرقة في العقيدة الإيرانية يجري إعادة إحيائها من جديد، لتشكل حافزاً لاستقطاب مزيد من الشباب الشيعي في المنطقة.
تشكل المواقف الدولية الضاغطة على المعارضة كي لا تتقدم صوب دمشق، والمواقف العربية المتراخية، عناصر دعم مهمّة للمشروع الإيراني في دمشق، وما لم يجر تدارك هذا الأمر بالسرعة الممكنة، فإن واقع دمشق مهدد بالتغيير النهائي، كل المشاريع التي على الشاكلة نفسها بدت في بدايتها مستحيلة، وانتهت إلى حقائق صلبة. في عام 1948، كان العرب يقولون عن إسرائيل إنها “مش بنت معيشة” للتدليل على أن عمرها قصير وزائلة، واحتفظوا بمفاتيح البيوت التي سيعودون لها، أين كنا وأين صرنا؟

غازي دحمان

صحيفة العربي الجديد