ستة عقود لم تُفقد منظمة أوبك بريقها

ستة عقود لم تُفقد منظمة أوبك بريقها

تسود بين المراقبين لنشاط سوق النفط العالمية حالة من الاطمئنان الممزوج بالتفاؤل من أن الأزمة ستتلاشى في وقت ما خاصة مع الدور، الذي أبرزته منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) خلال السنوات الخمس الأخيرة، وجعل من الصعب تخيل العالم من دون هذا الكيان مهما كانت الأسباب وذلك بعد ستة عقود من تأسيسه.

ولأن الظروف الحالية قد تبدو “مؤقتة” في نظر المتابعين، فإنه مع مرور الزمن قد تقود السعودية أكبر منتجي أعضاء أوبك الجهود باتجاه تحويل تحالف أوبك بلس إلى منظمة عالمية تتكفل بأدوار أوسع في سوق تواجه معركة مع منتجي النفط الصخري في الولايات المتحدة.

ويؤكد خبراء أن دور أوبك لم ينته بعدُ رغم أن المنظمة، التي كانت العاصمة العراقية مسرحا لانطلاقتها الأولى في عام 1960، تمرّ بواحدة من أسوأ العواصف، التي شهدتها على امتداد تاريخها مع انخفاض الطلب على النفط بسبب كوفيد – 19 والانتقال إلى الطاقة النظيفة وتآكل احتكارها واحتدام الخلافات في صفوفها.

وبينما يرى فيليب سيبيل لوبيز، المحلل المستقل ومدير شركة جيوبوليا الاستشارية أنه لم يسبق أن كانت آفاق هذا الكارتل، المستقبلية غير مواتية إلى هذا الحد، يعتقد آخرون أنه من الصعب تصديق أن أوبك، التي تأسست بمبادرة من السعودية والعراق والكويت وإيران وفنزويلا، كمنظمة عفا عليها الزمن.

أوبك

ويقول كارلو ألبرتو دي كاسا، المحلل المتخصص في أكتيف تريدس، وهي شركة مرخصة ومنظمة من قبل هيئة الأوراق المالية في جزر الباهاما، لوكالة الصحافة الفرنسية إن أوبك أقل تأثيرا بالتأكيد مما كانت عليه في الماضي، لكنها ما زالت تمثل وزنا ثقيلا.

وطيلة السنوات الماضية، لم يتأثر نشاط منظمة أوبك، التي كانت تضم 14 عضوا، وحتى مع انسحاب إندونيسيا في 2008 وقطر في 2018 والإكوادور مطلع هذا العام لم يشكل ذلك مشكلة بالنسبة إليها، بل على العكس استجمعت قواها وبدأت في عقد اتفاقيات مع منتجين لم يكونوا يوما يعملون تحت غطائها، والمتمثلين في عشر دول تتقدمهم روسيا.

وكل هذه الدول تمثل نصف الإنتاج العالمي ولذلك فهي تقف مجتمعة أمام استراتيجية الولايات المتحدة التي تفرض قطعيا الدخول في مثل هكذا تحالفات للحفاظ على نشاط قطاع النفط الصخري المكلف. ومن هنا تظهر بين الفينة والأخرى ضغوط أميركية على أوبك لكي تقلص إنتاجها حتى تستعيد الأسعار عافيتها.

ولعل أزمة كورونا كانت الأصعب بالنسبة إلى أوبك وهي ما جعلتها تندفع نحو اعتماد استراتيجية تنقذ الوضع، فمع تفشي الوباء خارج الصين فشل الكارتل وحلفاؤه في الاتفاق على ما يجب فعله وأدى الافتقار للتنسيق إلى انخفاض تاريخي في الأسعار، حيث تزامن مع انخفاض سعر البرميل في نيويورك وأوصلوه إلى المنطقة السلبية في نهاية أبريل الماضي.

ولكن تحالف أوبك بلس قام بتصحيح الوضع بخفض ما يصل إلى عشرين في المئة من إنتاجه وهذا التمشي سمح للأسعار بالارتفاع إلى نحو 40 دولارا للبرميل حاليا رغم أنه سعر غير مرضي للدول المنتجة في الظروف الاقتصادية الراهنة. ومع ذلك يرى لوبيز أن هذا العمل المشترك أظهر أن المجموعة لا تزال تلعب دورا رائدا في السوق ولا تستطيع الولايات المتحدة أن تؤديه، لكون شركات النفط لديها هي شركات خاصة.

وقد عززت سياسة تحالف أوبك بلس في وضع الولايات المتحدة كأول منتج في العالم اعتبارا من نهاية عام 2018 وجففت الموارد المالية لأعضاء التكتل. ومن هنا تنشأ صعوبة ضمان احترام الجميع للحصة المحددة بعد تخفيض الإنتاج، وهي مهمة مع ذلك ضرورية لضمان مصداقية الكارتل، وهذا ما يكرّر قوله وزير الطاقة السعودي الأمير عبدالعزيز بن سلمان. فيما يُوجَّه الإصبع في عدم الالتزام بالحصص إلى نيجيريا والعراق بشكل متكرر.

ويبقى صمود أوبك وحلفائها رهين عدة عوامل، جزء منها سياسي وعوامل أخرى طبيعية، فوفق السيناريو الذي وضعته المنظمة والذي يتوافق مع اتفاقية باريس للمناخ بهدف إبقاء الاحتباس الحراري أقل بكثير من درجتين مئويتين أو حتى 1.5 درجة، تعتقد وكالة الطاقة الدولية أن الطلب على النفط سيبدأ في الانخفاض في السنوات القليلة المقبلة.

وتقول باولا رودريغيز – ماسيو المحللة في شركة ريستاد إنرجي إن هذا التراجع المعلن لا يعني الانتقال منذ الغد إلى استهلاك صفري لأنه حتى في ذروة الأزمة، استمر العالم في استهلاك أكثر من 70 مليون برميل يوميا بدلا من 100 مليون برميل قبل الوباء.

اوبك

ويذهب دي كاسا إلى أبعد من ذلك في تأكيد أن منظمة أوبك لم ولن تفقد بريقها في المستقبل حتى لو بلغ الطلب ذروته، فمن المحتمل جدا أن يظل النفط مصدر طاقة محوريا خلال العشرين عاما المقبلة ومع جنوح البلدان إلى استخدام الطاقة البديلة، بدليل أن الرئيس التنفيذي لشركة توتال باتريك بويانيه توقع في يونيو الماضي أن الإنتاج سيبلغ خمسين مليون برميل يوميا في العقود الثلاثة المقبلة.

ويتضح من كل تلك الأمثلة والتعليقات والتوقعات أن أوبك بعيدة كل البعد عن أن تفقد دورها بعد ستين عاما من إنشائها، ورغم انخفاض تكلفة إنتاج براميلها إلى نحو 10 دولارات، كما تقول رودريغيز – ماسيو، ومثلما هي الحال بالنسبة إلى السعودية التي تستخرج النفط من الأرض، يجعل المنظمة قادرة على الصمود.

وما يعزز ذلك الاتجاه أن استخراج النفط في السعودية أقل تكلفة بكثير في ما يخلفه من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون مقارنة مع تقنية “التصديع المائي” وهي تقنية مستخدمة على نطاق واسع في الولايات المتحدة وتعرضت لانتقادات بسبب الأضرار التي تخلفها في البيئة.

صحيفة العرب