من يقرّر الحرب في العراق؟

من يقرّر الحرب في العراق؟

“بعض الأطراف تُصرّ على التعامل بغوغائية، وتهدّد علاقة العراق بالمجتمع الدولي”.. هكذا وصف رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، في لقاء تلفزيوني، “جماعة الكاتيوشا”، وهو مصطلح يقصد به فصائل مسلحة مرتبطة بإيران، وأبرزها – بحسب المراقبين – حركة العصائب، والنجباء، وكتائب حزب الله العراقية، وكتائب سيد الشهداء، التي تقصف بنحو متكرّر مقرّ السفارة الأميركية وأهدافاً أخرى داخل المنطقة الخضراء ومطار بغداد، وكذلك مواقع عسكرية توجد فيها القوات الأميركية والمتعاقدون المدنيون معها وشركات أميركية عاملة في مناطق عدة من العراق.
وعلى الرغم من عدم دقة الصواريخ المستخدمة في القصف، أو ربما تعمُّد عدم إصابة الأهداف بدقة من مطلقي هذه الصواريخ، ترهيباً للعاملين فيها، أو تحاشياً لردة فعل أميركية غاضبة من قيادات هذه الفصائل، وبالتالي إرباك الأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية في العراق أكثر مما هي فيه، إلا أن الجانب الأميركي، ومعه كل الدول التي تمتلك تمثيلاً دبلوماسياً لها في العراق، باتوا أمام مسؤولية إدارة الصراع الحقيقي بين القوى المؤيدة لإيران والولايات المتحدة مباشرةً.
اتّخذ رئيس الوزراء العراقي، ويحاول أن يتخذ، مزيداً من الخطوات الفاعلة لمنع عمليات إطلاق الصواريخ، وهو بما قدّمه من تنازلات إلى قيادات الحشد الشعبي، ثم قيادات الأحزاب والكتل السياسية، ومعهم أو ربما قبلهم، إلى المرجعية الدينية، وأيضاً بما يجريه باستمرار من تغييرات في قيادات القوى الأمنية الأقرب إلى دائرته كقيادة قوات مكافحة الإرهاب والفرقة الخاصة بحماية المنطقة الخضراء والشرطة الاتحادية وسواها، كان يأمل السيطرة على الملف الأمني، وبالتالي إيقاف أو حسر عمليات القصف تجاه المنطقة الخضراء وسواها من الأهداف، لسببين: أحدهما تحاشي إيصال الصبر الأميركي لمرحلة النفاذ، وبالتالي القيام بعمليات خاصة ضد قياداتٍ بعينها في الفصائل المتهمة بالقصف، وهو ما يعني فلتاناً تاماً للأوضاع الأمنية، ستحرج فيه القوات الحكومية العراقية، لعدم قدرتها فعلياً على مواجهة الطرفين. الثاني شعوره المتزايد، ومن موقع المسؤولية، بأن المحرّض الرئيس لعمليات التعرّض للمصالح الأميركية هي قيادة فيلق القدس الإيراني. ولذلك، يحاول الكاظمي أن يُبقي خطابه تجاه إيران دبلوماسياً، استرضائياً، لكي يستطيع (بحسب ظنه)، من خلال هذا التعامل المرن، تجنيب العراق الصدام، أو أن يكون أرضاً ومسرحاً لهذا الصدام، حتى وإن كان ذلك على حساب إرخاء الحبال لها، حتى الانتخابات المقبلة، وبالتالي يكون لكل حادثٍ حديث.

الكاظمي ما زال، في نظر الشعب العراقي، يبدي ضعفاً تجاه القوى السياسية المتحكّمة بالنظام القائم

اعترف الكاظمي، في اللقاء التلفزيوني، بصعوبة الموقف، فيما لو قرّرت واشنطن إغلاق سفارتها في بغداد، أو عند بلوغ الحالة بينها وبين الفصائل “غير المنضبطة” إلى حالة المواجهة، واعتبر “أن العراق غير قادر على مواجهة العزلة الدولية، بل ستؤدي إلى انهيار اقتصادي مباشر، فقد مرّ العراق بتجربة العقوبات التي فُرضت في زمن صدّام، ورأينا انعكاساتها على الوضع في العراق، والوضع الاجتماعي، بشكل عام. لذلك، علينا الاعتراف بأن هذه العزلة ستؤدي إلى انهيار اقتصادي مباشر، فإيرادات نفط العراق تتعلق بالولايات المتحدة، وما زالت أغلب ودائعه لديها”.
لكن الكاظمي ما زال، في نظر الشعب العراقي، يبدي ضعفاً تجاه القوى السياسية المتحكّمة بالنظام القائم في العراق، بدليل تجنبه ذكرهم بالاسم، وذكر القائمين بقصف المنطقة الخضراء وسواها، وعدم القيام بإجراءاتٍ يفرضها القانون عليه بوصفه مسؤولاً أول في الدولة تجاه قتلة المتظاهرين أو القائمين بعمليات التصفية والاغتيالات التي تعهد، هو ذاته، بتقديم مرتكبيها للعدالة خلال فترة وجيزة. وفي موضوع التوتر الأميركي – الإيراني الذي تنوب فيه عن إيران بعض المليشيات الولائية، وتتحدّى الدولة، ليس فقط في سلاحها المنفلت، بل بكسر هيبة الحكومة ومؤسساتها، حيث لا تعهد يمكن الوثوق به لمسؤولي هذه الحكومة دولياً، ولا وعود بالتغيير محلياً.
قد يختلف مصطفى الكاظمي عن سابقيه. نعم، فهو يحاول أن يجد في نهاية نفق العراق المظلم ضوءاً يمكن الاستدلال به لبداية طريق السيادة والتحسين الاقتصادي، وبناء القدرات، وهو يعلم حجم الموانع والمخاطر التي تحيط برؤيةٍ كهذه. لذلك اختار أن يكون مرناً مع الجميع داخل العراق وخارجه. ولكن، في علم السياسة نيل المطالب المشروعة لا يأخذ بالتمنّي، بل بتوفير وسائل القوة والتغيير، مع المرونة في المنعطفات الحرجة لتحاشي الصدام قبل أوانه. لذلك، لن تغيّر أي من تهديداته الفصائل الولائية المنفلتة من واقع الحال شيئاً، لأنه يتحاشى، حتى هذه اللحظة، ذكرها بالاسم، أو التعامل القانوني مع قياداتها وأعضائها.
يقول الكاظمي، خلال حواره الذي لم يفهم العراقيون المُراد منه تحديداً أو أي جديد، إن “قرار الحرب والسلام تقرّره الدولة، وليس أطراف معينة”، وهذه الأطراف (المعينة)، في حقيقة الأمر، تحيط بالكاظمي من جميع الجهات، تحسباً لأي طارئ، أو تنفيذاً لأي متغير يُراد فرضه على الواقع السياسي العراقي من الخارج، أي إنها في حالة استعداد وجاهزية تامة. ولذلك، على رئيس وزراء العراق أن يتدبّر مقولة الفيلسوف الهولندي باروخ سبينوزا “غياب الحرب لا يعني السلام”.

فارس الخطاب

العربي الجديد